رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

الإخوان وفوائد وفاة مرسي

الثلاثاء 18/يونيو/2019 - 08:16 م
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة
حين تحتدم المعارك تظهر الإخوان على الفور؛ لتناورَ، وتّدعيَ، وتكذبَ، وتحاولَ أن تكسبَ كعادتها.. وهذا ما بدا بكل وضوح عقب الإعلان عن وفاة الرئيس الإخواني الأسبق محمد مرسي في ساحة محاكمته؛ حيث سيبدو من تعليقات وبيانات جماعة الإخوان وأذرعها الفوائد التي ستجنيها من وفاة الرجل، الذي استغلته حيًّا وميتًا طوال الوقت، فهو لم يكن رئيسًا بمعنى الكلمة، ولم تكن لديه مؤهلات ذاتية تمكنه من المنصب، لكن الجماعة رشحته لأنه الوحيد فقط الذي يمكن قيادته من الخلف، واستفادت أيضًا من وجوده بالسجن وكانت تصدر البيانات ممهورة باسمه لتدعو من خلاله عناصرها والجماهير لاستمرار التظاهرات ضد السلطة الجديدة؛ بحجة أنه الشرعية الوحيدة لكرسي الحكم، والآن ستستفيد أيضًا منه، رغم أنه أصبح جثة هامدة، وخرجت روحه إلى بارئها.

إن الفائدة الأولى التي تَحَصَّل عليها الإخوان من وفاة مرسي هي تلك المظلومية التي ستستمر، والعواطف الجياشة التي ستهيجها بطريقة أكبر؛ بحجة أن الرجل تُوفي بالسجن مظلومًا، وهذا بالفعل ما قامت به الجماعة؛ حيث أصدرت بيانًا ادعّت فيه أن الرجل تم قتله ببطء، وأنه تعرض للقهر والتعذيب، رغم أن ذلك مخالفٌ لعين الحقيقة تمامًا، ولولا فضل الله على مصر، وموت الرجل أمام زملائه بالمحكمة، لادعى التنظيم أنه تمت تصفيته في محبسه.

إن هذه الحركات بما فيها الإخوان بمعناها الواسع اختفت فيها النظرية النقدية، وتضخمت بعدها المصالح الحزبية وقصر النقد الذاتي، بل وغاب في أحيان كثيرة، هذا بالطبع لأن الانتماء لجماعة أصبح قيمة محورية وواجبًا أساسيًّا، وتحولت التنظيمات إلى هدف بحد ذاته وصارت دعاوى المحافظة عليها هدفًا لتبرير الحرفية والجمود والالتفاف عن دعوات التجديد والتطوير، وأصبحت إفرازات التعصب والجهل واضحة، والمنتمي لجماعة يحسبها أنها على الحق الأوحد، فالانتماء لجماعة تدّعى أنها تمثل الإسلام دون غيرها يجعلها تستبدّ بالمرجعية، ومستعصية على التجديد فى القول والعمل، طالما استطاعت حشد الجماهير، وهذه هي الإشكالية الكبيرة، ومن ثم فإنها تستغل أي حدث يعيدها إلى الصورة من جديد، وهذا ما تفعله الإخوان الآن، التي بدأت الأضواء تنزاح عنها خلال الأيام الفائتة.

الفائدة الثانية هي ذلك الدفع الذي سيدفعه التنظيم تجاه العنف من خلال استغلال الوفاة في إثارة الجماعات الإرهابية والأذرع المسلحة، حتى لو كانت هناك تباينات أيديولوجية معها، فتلك التنظيمات دائمًا جاهزة، وطوال الوقت تستطيع الإخوان أن تحركها يمنة ويسرة في الاتجاه الذي ترغب فيه، طالما أن ذلك يخدم مصالحها!.. إن هذا ما يمكن أن يتبينه أي مدقق ومراقب للتاريخ الإخواني، فهي كانت تستنكر العمل المسلح فترة التسعينيات بمصر ظاهريًّا؛ لأن ذلك لم يكن في صالحها، في الوقت الذي كانت تدعمه في أفغانستان ومناطق أخرى، وهي ناجحة حتى الآن في اللعب بهذه الازدواجية، وغسل يدها من القاعدة وداعش، في الوقت الذي تمرر فيه عناصر منها إلى هذه التنظيمات، ولا تستنكر أبدًا أي عمل لهذه التنظيمات، وتغض الطرف عنها بشكل مريب وعجيب.

إن الإخوان القديمة، التي كانت تتحدث عن التغيير الإصلاحي، التي كانت دائمة النقد لمن يريدون التغيير الفوقي، وممارسي العنف في التسعينيات، تتحدث الآن، بمفردات الجهاديين نفسها، وهي: دفع الصائل، وتغيير المنكر، وكفر الحاكم، والانتقام، واللجان النوعية، وقتال الطائفة.

هل يستطيع أحد الآن من قيادات الإخوان، أن يوضح لنا الفروق بين الإخوان، وجماعة الجهاد، أو بين الإخوان وجماعة بيت المقدس؟.. إنها الاستراتيجيات والأفكار نفسها.

لقد انزلقت الجماعة إلى مستنقع السلفية الجهادية، ووصلت حدود دعمها اللوجستي والاجتماعي، لهذه المجموعات مبلغًا عظيمًا جدًّا،  واستفادت من وجود جيوب صغيرة من الإسلاميين المتطرفين الساخطين، وشكلتهم في استراتيجية للأعمال القتالية، وتصورت أن زعزعة استقرار البلاد لأطول فترة ممكنة قد يحوّل ميزان القوى لصالحها، إلا أنه لا يمكن أن تفصل جماعة عن تاريخها، كما لا يمكن أن تتحولَ فجأة من الأسفل إلى الفوق، فسيحصل الشرخ، وهذا ما جرى بالضبط.. الشرخ الإخواني عظيم الآن، والجماعة لن تستطيعَ أن تمحو ما حصل بسهولة، كما لن تستطيعَ أن تعود سيرتها الأولى.

الفائدة الأهم برأيي، هي سقوط ما يُسمى (الشرعية)، وهي التي كانوا يسوقونها دائمًا طوال الوقت، وكانت هذه المسألة مفيدة للجماعة بشكل كبير، فهي الحجة الجاهزة لاستمرار العنف والمعارضة، وهي المعادلة التي أيضًا كانوا لا يكفون عن الحديث عنها خارجيًّا وداخليًّا.

إن وفاة مرسي حدثٌ ستستغله الإخوان بشكل كبير، وله ما بعده، فما يمكن أن تكون عليه الجماعة بعد أن ماتت إلى الأبد حجة الشرعية التي كانت تجعلها عصية على التراجع خطوات إلى الوراء؛ خوفًا من الانقسام الداخلي.

إن هذه المعادلة الآن وقعت الوفاة لتحلّها للأبد، وأصبحت الجماعة في حِلّ من مسألة الشرعية، وهي التي كانوا كلما فكّروا في نسيانها لحظات أثار ذلك شبابهم وبعض قياداتهم، ولم يعد الآن بمقدورهم التحجج بها مرة أخرى، بل ويمكنهم الآن التراجع خطوات للوراء دون أن يعتبَ عليهم أحد، خاصة مجتمع الداخل الإخواني، المليء بالمفارقات والخلافات والانهيارات الداخلية.   

في الختام، فإننا أمام الموت نقف إجلالًا؛ حيث انتهت الآن الخصومة السياسية مع رجل بمجرد أن لفظ أنفاسه الأخيرة، لكنه كرئيس أسبق تم عزله بفعل ثورة شعبية، فسنتركه للتاريخ لكي يحكمَ عليه دون تزييف أو تضليل، وكيف كان قبل كرسي الحكم؟ وكيف حكم؟ وكيف انتهى؟ وكيف ستستفيد منه جماعته وتتاجر بوفاته؟

الكلمات المفتاحية

"