رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad
هاني رسلان
هاني رسلان

سقوط الإخوان والإسلام السياسي في السودان

الأحد 16/يونيو/2019 - 02:58 م
طباعة
منذ الأيام الأولى لبدء الاحتجاجات ضد نظام عمر البشير في ديسمبر 2018، اتخذت الأبواق الإعلامية التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين، موقفًا مؤيدًا لهذه الاحتجاجات، باعتبار أنها تسعى لإسقاط الرئيس عمر البشير المنتمي للقوات المسلحة السودانية، وبالتالي فإن هذه الاحتجاجات التي تحولت إلى انتفاضة عامة ثم إلى ثورة عارمة أدَّت إلى إسقاط النظام في 11 أبريل الماضي، لم تكن ضد تجربة حكم الإسلاميين في السودان بل ضد نظام عسكري.

الهدف من ذلك، كان هو التنصل من الفشل المخزي الذي لحق بالتجربة الإخوانية، وبتيار الإسلام السياسي ككل فكرًا وممارسة، فبعد أن حظيت أفكار ومقولات وتصورات الإخوان، بفرصة غير مسبوقة في التطبيق الكامل والسيطرة المنفردة على السودان امتدت إلى ثلاثة عقود كاملة، لم تكن النتيجة إلا تدمير النسيج الوطني، ومقتل مئات الآلاف من السودانيين، ونشر الحرب الأهلية في معظم مناطق السودان، وتمزيق النسيج الاجتماعي بإعادة إحياء القبلية، والجهوية والعنصرية، وإضعاف القوى السياسية بخلق الانشقاقات داخلها، وتقطيع أوصال السودان، وتقسيمه إلى دولتين عبر انفصال الجنوب.

وفوق كل ذلك أفسدوا في الأرض، ونهبوا موارد البلاد بطريقة غير مسبوقة، أدت في نهاية المطاف إلى كارثة اقتصادية؛ حيث لم يعد الخبز والوقود متوافرين، وأصبحت الطوابير تنتظر بالأيام، فانفجرت الثورة وأحد شعاراتها الأساسية «أي كوز ندوسه دوس»، بمعنى أن أي عضو إخواني سوف يضعه الشعب تحت الأقدام.

وهذا النهج في الكذب والتدليس والخداع، وقلب الحقائق وتزييفها، ليس أمرًا جديدًا بالنسبة للتنظيم الإخواني، بل هو أحد الأسس والممارسات الثابتة التي درج عليها الإخوان منذ نشأتهم، وقد نسي الإخوان أو تناسوا، كل ما قدمه لهم البشير ونظامه، ولو على حساب المصالح الوطنية للسودان؛ مما هو معلوم ولا يتسع له هذا السياق.

لقد نشأت جماعة الإخوان في السودان في أربعينيات القرن الماضي قادمة من مصر، واتخذت لها أسماء عدة في مراحل مختلفة، فعرفت في الخمسينيات باسم هيئة التحرير، ثم اتخذت في النصف الأول من الستينيات مسمى جبهة الميثاق، متحالفة مع جماعة أنصار السنة وحزب الأمة، وبعد ذلك عرفت في الجامعات السودانية باسم الحركة الإسلامية، وحينما سقط نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري في عام 1985، عادت الجماعة للظهور تحت مسمى الجبهة القومية الإسلامية، وهذه الجبهة هي التي دبرت ونفذت انقلاب 30 يونيو 1989، واستعدت العميد عمر البشير الذي كان عضوًا منتظمًا منذ عام 1969 إبان دراسته في المرحلة الثانوية لكي يكون في واجهة الانقلاب.

ومن ثم فالانقلاب هو انقلاب الجبهة الإسلامية، وهي التي ظلت تحكم طوال العقود الثلاثة الماضية؛ حيث بادرت فور تسلمها السلطة بتطبيق استراتيجية التمكين «التي اتجه إليها إخوان مصر، ولم يسعفهم الزمن» ففصلت آلاف الموظفين بدعوى الإحالة للصالح العام، وأحلت أعضاءها وكوادرها مكانهم، وفعلت الأمر نفسه في جهاز الأمن، والقضاء، وقطاع الاقتصاد والأعمال، كما قصرت الالتحاق بالقوات المسلحة السودانية على أبناء التنظيم.

ولم تكتف بذلك بل أنشات تنظيمات وأجهزة موازية لأجهزة الدولة، مثل الدفاع الشعبي، والأمن الشعبي، والشرطة الشعبية، وهي كيانات مسلحة بميزانيات مستقلة تمول من الدولة، وتقتصر عضويتها على أبناء الجبهة، وقضوا على النقابات المستقلة، وأنشأوا حزبًا جديدًا هو حزب المؤتمر الوطني الذي ظلَّ حاكمًا طوال العقود الماضية، وكانوا قادته والممسكين بكل مفاصله.

وأعدوا العدة للبقاء في الحكم إلى آخر الزمان، أو كما قال قائلهم: إلى نزول سيدنا عيسى من السماء، في إشارة إلى اقتراب ظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان، وهذا يُشبه ما كان يقول به بعض قادة التنظيم الإخواني في مصر بأنهم سيحكمون لـ500 عام، قبل أن تسقطهم ثورة 30 يونيو بعد عام واحد فقط.

إذن من أين يأتي ادعاء الإخوان وتدليسهم، من أن تجربة السودان وفشلها المزري، لا تتبعهم ولا تخصهم؟ يعود ذلك إلى أنه منذ عودة حسن الترابي من دراسته في الخارج عام 1954، بدأت مهاراته التنظيمية والقيادية العالية، وملكاته في الخطابة، تحمله بسرعة كبيرة إلى قيادة التنظيم.

ومع براعة الترابي في المناورة والتكتيك السياسي، بدأ بعض الأعضاء القدامى يتململون منه ومن تحركاته، وتراكم ذلك، إلى أن أخذ يتبلور في شكل انشقاق محدود في نهاية الستينيات، بعد أن تم انتخاب الترابي أمينًا عامًّا لجماعة الإخوان، وعادت هذه المجموعة لكي تتخذ لنفسها بالمسمى الأصلى القديم «الإخوان المسلمين» بقيادة الصادق عبدالله عبدالماجد، في مسعى منها، لتمييز نفسها، في حين استمر التنظيم بغالبية أعضائه تحت قيادة الترابي.

وظلت هذه المجموعة منزوية ومحدودة الأثر، بل إنها التحقت بالنظام الذي أقامته جبهة الترابي عقب انقلاب 1989، وكان لها وزير في الحكومة، وهي الآن تصدر بيانات تزعم فيها مشاركتها في الثورة ضد نظام البشير، ويتم استخدام ذلك في القول إن من فشل وسقط لم يكن الإخوان ولا فكرهم ولا ممارساتهم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن القول إن الترابي خرج بحركة الإخوان السودانية عن الأطر التي تتبعها، وأنه غرد خارج السرب، ليس إلا محض تضليل، فالتنظيم الذي قاده الترابي ظلَّ هو المعبر الرئيسي عن حركة الإخوان في السودان، معتمدًا على أدبياتها وبرنامجها الثقافي، ومرددًا أهازيجها وأشعارها، ومعتمدًا كل ترتيباتها التنظيمية والتدريبية، وعلى كتابات البنا وسيد قطب.

والترابي لم يكن له مؤلفات في هذا الخصوص، سوى كتاب عن الإيمان وأثره في حياة الإنسان، وهو عبارة عن تأملات، وكتيبين صغيرين عن الصلاة، وعن المرأة بين الإسلام والتقاليد، وكل ما فعله الترابي هو مجرد تعديلات إدارية داخل التنظيم، وميل مبكر للانخراط في العمل السياسي المباشر، وهو ما تبعه فيه إخوان مصر وتونس بعدها بسنوات قليلة.

نقلا عن الأهرام
"