رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

في حوار مسرب من سجن الفيوم.. شباب «الإخوان» يفضحون قيادات الجماعة

الخميس 10/مايو/2018 - 09:28 م
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
دعاء إمام
طباعة
في جانب من زنزانة بسجن الفيوم العمومي، يتَّكِئ شابٌ في الثامنة والعشرين من عمره، على وسادة بالية، لا يبرح مكانَه إلا بكومة ورقٍ وقلمٍ؛ ليدون كل ما يدور في يومه، ويسترجع ما مرَّ بهِ في زمن شهد انضمامه لجماعة «الإخوان»، يستغرب رفاقه من لحظات صمتٍ تحل عليه، يتبعها باستخراج أوراقه المدسوسة أسفل وسادته، ثم يكتب. 
هو حمزة محسن المولود عام 1990 في بني سويف بصعيد مصر، وتم ترحيله إلى سجن الفيوم العمومي نهاية 2013، على خلفية انضمامه لجماعة الإخوان، وهو الآن يدون تجربته المريرة مع «الإخوان»؛ فانتهى من تأليف كتابين ورواية، الكتاب الأول جاء تحت عنوان «الصدمة.. بقلم متساقط على طريق الدعوة»، والآخر حمل اسم «دندنة ما بعد الصدمة»، أما الرواية فوضع لها عنوان «أبانوب.. جمر تحت الرماد».

ورش النقد الذاتي في السجون
من داخل محبسه، تحدث «محسن» لـ«المرجع»، وقال عن حقيقة إقامة ورش نقد ذاتي داخل السجون، إن الإخوان لا يمارسون النقد الذاتي بالشكل التنظيمي الممنهج، وإنما يكون في صورة مبادرات ذاتية لمجموعات تمثل أشخاصها، ولا تمثل الهيكل التنظيمي للجماعة، إذ يتبرأ الإخوان ممن يقومون بهذه المهمة؛ فعندما اجتهد بعض الأفراد في طرح «تقييمات ما قبل الرؤية»، وهي تقييمات للأداء السياسي للجماعة في الفترة التي أعقبت ثورة يناير (2011) تبرأت منهم الجماعة ونفت صدور أي تقييمات؛ ما يعكس غياب فضيلة النقد الذاتي داخل الإخوان.

على عكس ما تسوقه قيادات الجماعة، من أن التقييم والأمور النقديَّة حكرٌ عليهم، ولا يتم إلَّا في الغرف المغلقة بمعرفتهم، يؤكد «محسن» أن الصف الإخواني ككل، لا يرون أنفسهم أهلًا لممارسة النقد وتقييم التجربة أو بحث منجزات الجماعة وإخفاقاتها، فضلًا عن مراجعة الأفكار الكبرى المؤسسة للتنظيم.

أما عن إخوان السجون، فيقول: «هم كغيرهم من الإخوان خارجها، يمتثلون لقياداتهم التي ترفض الاعتراف بالخطأ، وبالتالي فإن مصطلح «ورش نقد ذاتي» غير موجود بالمرة على المستوى التنظيمي، ولكن الموجود مجرد نقاشات فرديَّة وجماعيَّة ودعوات مراجعة من «أفراد» معظمهم من الشباب.

المراجعات.. السبيل لخدمة الدين والوطن
ويقرّ «محسن» أن هؤلاء الشباب وقعوا في نفس خطئه هو وزملاؤه؛ فيقول: «أضعنا وقتًا وجهدًا كبيرين للغاية في بحث كيفية إصلاح الجماعة، ومع استمرار البحث توصلنا إلى أن هذا الكيان يستحيل إصلاحه، وأن مغادرته هي الحل الأمثل لمن أراد أن يحافظ على سوية شخصيته، ولمن أراد أن يخدم دينه ووطنه وأمته بشكل صحيح».

يقلب كومة الأوراق المتراصة أمامه، ثم يكتب متعجلًا عن مشروع الإخوان، الذي يراه سياسيًّا بامتياز، مهما كثُرت محاولات تزيينه بشعارات دينيَّة، إذ يشير إلى أن المرحلة السابعة والأخيرة من الاستراتيجيَّة الإخوانيَّة التي رسمها مؤسس التنظيم، تُعرف بـ«أستاذيَّة العالم»، وهي التي يطمحون فيها أن يهيمن الإسلام على كل العالم، فهذه المرحلة لا تكون - في تصورهم - إلا بعد الوصول إلى حكم البلاد، و«أسلمة الحكومات»، وإعمال نظام «الخلافة».

يردف: «هذه الفكرة في حد ذاتها التي تشترك فيها تيارات الإسلام السياسي عمومًا، تحتاج أن تتزحزح خارج دائرة المسلمات، وأن تُبحَث بشكل جاد في ظل إدراك التحولات الكبرى التي شهدها العالم في القرنين الأخيرين، ومنها تبدأ مراجعة علاقة الدين بالسياسة ودراسة سمات الدولة الوطنية، ونقد نموذج الخلافة وبحث مدى علاقته بالدين، وما المقصود بفكرة «التمكين» في القرآن الكريم؟ هل المواطنة فكرة حقيقيَّة يؤمن بها الإخوان؟ أم أنها مجرد مناورة لحين «التمكين»، وبعدها سيطالبون غير المسلمين بالجزية» ؟ وغير ذلك من الأمور التي ترتبط باستيعاب دولة اليوم واستحالة عودة دولة الأمس باجتهاداتها ومحدداتها الفقهية.

«الوقت دائمًا يكون جزءًا من العلاج، وأثبتت الأيام أن الذي يرفضه الإخوان طواعية وبإرادتهم، يفعلونه فيما بعد ولكن رغم أنوفهم»، يقول «حمزة»، مبينًا أن الجماعة مستمرة في حملة تشويههم؛ بغرض تحصين أفرادهم، ولكن بالرغم من ذلك فإن بعض أفراد التنظيم يتحاورون معه هو وزملاؤه ويواصلون التعرف على أفكار المراجعة، ويترددون دائمًا عليهم لاستعارة الكتب.

مصير العائدين من جحيم الإخوان

تنقضي ليلته، فيخبئ أوراقه والقلم؛ خشية تفتيش مباغت لزنزانته، ومع بزوغ النهار وتهيئة الجو للكتابة، يجلب أوراقه مجددًا، ثم يخاطب الدولة المصريَّة ومؤسساتها من خلال رسالته لـ«المرجع»، بضرورة استيعاب العائدين إلى المجتمع من جحيم تللك التنظيمات، واعتبارهم قيمة مضافة إلى قوة مؤسساتها المتماسكة، لافتًأ إلى أنه ماضٍ في طريقه الذي اختاره (المراجعة) بعد أن أدرك زواياه المختلفة، وسيستمر في تدوين أفكاره وقناعاته سواء كان هناك دعمٌ من الدولة أو لا.

يسترجع سؤالًا وجهه له رجلٌ أربعيني من عناصر الجماعة: «لو كنت أنت رئيس البلاد، أي موقف ستتخذه من الإخوان؟ وكيف ستحل الأزمة؟ فيروي إجابته»: «لو كنت الرئيس لسجنت الإخوان جميعًا طيلة أعمارهم، ولم ألتفت إليهم إلا عندما يندمون ويراجعون أنفسهم».

يستطرد: «الجماعة التي تتربع على قمة السلطة السياسيَّة ثم يُطاح بها بثورة شعبيَّة ويُزج بأفرادها في السجون، ولا يَسألون أنفسهم عن أسباب هذا الفشل، ويعيشون المظلوميَّة، ويرددون أفكار المحنة، والابتلاء، ثم يكتفون بانتظار حدوث المعجزة بعد اعتماد الأحلام والرؤى كمرجع خاص، هي جماعة جديرة بألا توجد على الخريطة السياسيَّة، بل الخريطة الإنسانية؛ لأنها جماعة تعشق خوض الصراعات، واعتناق الأفكار الصداميَّة مع الأنظمة السياسيَّة المختلفة». 

ثنائية الصقور والحمائم 
يُجزم بأن الحل الوحيد لأزمة الإخوان هو مراجعة جادة وشاملة تبدأ من الموقف السياسي وتدرك خطأه، مرورًا بالأفكار المؤسسة للتنظيم لإدراك خللها وعدم صلاحيتها، وصولًا للنتيجة التلقائيَّة بحل التنظيم نهائيًا، واندماج أفراده في المجتمع بعد فهم أخطائه السياسيَّة، وكارثيَّة مآلات أفكاره المؤسسة.

ينفي «محسن» وجود ثنائيَّة الصقور والحمائم داخل التنظيم، فبحسب «محسن» جميع أفراد التنظيم- بتعميم يقصده– أصبحوا مُدجّنين في حظيرة يقودها مجموعة من القطبيين (نسبة إلى سيد قطب)، الذين غادروا التاريخ والجغرافيا، وفشلوا في كل شيء؛ إلا إحكام السيطرة على هذه الحظيرة، والذي يمتلك الجرأة في النقد - أيًّا كان موقعه - يصبح مغضوبًا عليه، ولا ينعم برعاية الحظيرة ويخرج من اللعبة بقرار أحدهم، حتى لو اعتبر نفسه إخوانيًّا، هم لا يعتبرونه كذلك؛ فالنموذج المثالي للفرد الإخواني هو «الأخ اللي بيسمع الكلام».
 
حل الجماعة.. بيد الإخوان
أما عن الاستجابة لمطلب حل الجماعة، يقول إن الحل يجب أن يكون برغبة أبناء التنظيم، بعد أن يدركوا كارثيَّة أفكاره، وألا يكون الحل قسرًا، فالجماعة تجيد العودة بعد «المِحَن»؛ بل إنها تعود أقوى مما كانت عليه؛ بفضل خطابات المظلومية التى يسوقونها لأنفسهم.

يضيف: «الأمر يحتاج إلى قوة ناعمة تستميل القلوب وتخاطب العقول، وهى إلى جوار القوة الصلبة التي تهدف إلى إخضاع البقية كافية لفكرة «حل التنظيم» تلقائيًّا»، الأمر فقط يحتاج إلى إدارة مجتمعيَّة، وخطة زمنيَّة سياسيَّة داعمة، ومواجهة للفكرة أكثر من مواجهة أي شىء آخر".

ويطالب الدولة باستثمار نقمة الكثيرين من الإخوان على قياداتهم وبخاصة فئة الشباب؛ لأنهم عصب الجماعة ومستقبلها، وبالتالي فإن استمالتهم نحو الدولة والمجتمع وفتح الباب أمام المراجعات الفكريَّة داخل السجون وخارجها وحتى خارج مصر، مع سرعة إدماج هؤلاء، سيتشجع غيرهم على الخروج من الجماعة.

«العفو الرئاسي»..حُلم النَّاكرين لشرعيَّة النظام

فيما يخص أحاديث الإخوان في جلساتهم داخل السجن، يقول: «أكثر ما يشغلهم هو متابعة أخبار «العفو الرئاسي» بشغف كبير، ويتداولون الشائعات بخصوصه مثل بقية السجناء!؛ لدرجة أن قياديًّا ستينيًّا جاء مستبشرًا ذات يوم بأن «فلان» رأى فى المنام هذا القيادي اسمه مدرج في قوائم العفو..الطريف أنهم يخطبون ويُصَرِّحون ويصيحون في كل مكان بعدم شرعيَّة النظام السياسي الحالي، وفي الوقت ذاته ينتظرون منه عفوًا وخلاصًا، في تناقض يُعجز منطق أصحاب العقول».
"