رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad
جورج مالبرينو
جورج مالبرينو

أسرار الخزانة القطرية

الجمعة 30/مارس/2018 - 11:52 م
طباعة
قررت قطر، بعد اتهامها بالتراخي في مواجهة الإرهاب، اتخاذ إجراءات لمحاربة تمويل الجماعات الإسلامية المصنفة كجماعات إرهابية من قِبَل المجتمع الدولي، وبعد اتفاق سابق عقدته الدوحة مع الولايات المتحدة، وقعت قطر مع فرنسا يوم 17 نوفمبر 2017 على خطاب نوايا، خلال زيارة إيمانويل ماكرون للإمارة، ويتم بموجب هذا الاتفاق منع بعض «الأفراد» القطريين من تمويل الجناح المحلي لتنظيم القاعدة في سوريا تحديدًا؛ لكن يظل على الدوحة فعل الكثير في هذا المجال. 

منذ سنوات وحتى فترة قريبة، يقوم ست شخصيات قطرية بتمويل القاعدة في العراق وسوريا، كذلك حركة الشباب بالصومال، وخلال التحقيق الذي قمنا به ضمن الكتاب الذي قمت بنشره مع زميلي كريستيان شينو «أمراؤنا الأعزاء،، هل هم فعلًا أصدقاؤنا؟»، قابلنا في 2016 أحد ممولي الإرهاب، وهو الشيخ عبدالرحمن بن عمر النعيمي بالدوحة، الذي وضع اسمه على القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ عام 2014. 

في عام 2013، قام قطاع الخزانة الأمريكية بتصنيفه «إرهابيًّا مستهدفًا بشكل خاص»؛ لأنه مَوَّل وقَدَّم مساعدة مالية وعينية وتكنولوجية لمنظمات إرهابية، وعلى الرغم من هيئته، والتي تجعله يبدو أشبه بجد هادئ ذي ذقن رمادية، فإن الرجل ليس على الإطلاق مجرد متآمر من الدرجة الثانية. 

في منتصف عام 2000، دفع الشيخ النعيمي مبلغ 2 مليون دولار شهريًّا لتنظيم القاعدة في العراق، الذي يُعد أصل «داعش»، ثم قام بتمويل الجماعة اللبنانية «عصبة الأنصار» في مخيم اللاجئين الفلسطينيين بعين الحلوة بجنوب لبنان، وفي عام 2014، وفقًا للمعلومات التي ذكرتها وزارة الخزانة الأمريكية، قام الشيخ مرة أخرى بتحويل مبلغ 600,000 دولار لحساب أبوخالد السوري، مبعوث زعيم القاعدة أيمن الظواهري بسوريا، وأخيرًا في عام 2015، منح 250,000 دولار لحركة الشباب الصومالية المرتبطة بالقاعدة. 

اتهامات عديدة ينكرها الشيخ ببساطة، «فلتأتوا بأدلة على أننا نقوم بتمويل متطرفين»، هكذا أجابنا الشيخ: «إن أسباب الاتهامات الأمريكية ضدي، هي نشر تقرير عن الطائرات بدون طيار، كنت قد قدمته لخبراء من الأمم المتحدة يوم 8 ديسمبر 2013، وكنت قد شرحت فيه أن الولايات المتحدة قامت بقتل أبرياء بشكل غير قانوني، وبالأخص في اليمن؛ حيث تمت تصفية 950 شخصًا عن طريق ضربات بهذا النوع من الطائرات»، وإذا كانت السلطات القطرية قد قامت بتضييق الخناق حول الشيخ مؤخرًا، فلم يكن هذا هو الوضع منذ عامين عندما قابلناه دون أي مشكلة، فيما عدا أنه كان يرتاب من الصحفي الغربي، وفي ذلك الوقت قال لنا: «ليست لديَّ أي مشكلة مع السلطات القطرية، مشكلاتي مع الأمريكان، إنهم يحاولون إسكاتي، ولست ممنوعًا من السفر، إلا إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والسعودية». والحقيقة إن المنظمة غير الحكومية «الكرامة» التي يرأسها والمقربة من الديوان الأميري، مشكوك في أنها ممولة من الحكومة القطرية. 

يجب الاعتراف بأن علاقات الشيخ بالطبقة الحاكمة في قطر تُعد قديمة، بالطبع سجن الشيخ النعيمي عام 1998 عندما كان موظفًا بوزارة التربية والتعليم، لأنه قام بتوقيع عريضة شكوى ضد تحرر المرأة في المجتمع، بما في ذلك الشيخة موزة، الزوجة الثانية للأمير حمد في ذلك الوقت، وأُلقي به في السجن لهذا السبب، العريضة المذكورة، تم توقيعها من قبل ثلاثة أفراد من الأسرة الحاكمة، ما يدل على أن هذه الأسرة الحاكمة مخترقة من قبل التيارات المحافظة المتشددة. 

وتم الإفراج عن الشيخ في عام 2001 واستقبله الأمير حمد، ثم جعله بعد ذلك مبعوثه إلى بعض الشخصيات الجهادية، مثل اليمني عبدالمجيد الزينداني، أحد المقربين القدامى من أسامة بن لادن، والمطلوب أمنيًّا من قِبَل الولايات المتحدة. 

بإيجاز لم يكن الشيخ النعيمي مغضوبًا عليه، وفي عام 2004، أسس الشيخ منظمته غير الحكومية «الكرامة»، ومقرها جنيف بسويسرا، وتُعد هذه المنظمة مجرد غطاء، وفي عام 2009، طالبت الكرامة بمساندة «المقاومة» العراقية ضد القوات الأجنبية، أي القوات الأمريكية، وهي القوات نفسها، خاصة التي لديها قاعدة عسكرية في قطر، تقوم بحماية الإمارة الصغيرة! لاحظوا اللعبة المزدوجة. 

تركت السلطات الشيخ يعقد اجتماعات ذات لهجة حادة وشديدة ضد الغرب، «إن الأمريكان هم من طالبوا السلطات القطرية بوقف حملتنا للتبرعات لدعم التمرد بسوريا، وليس هذا قرارًا اتخذته السلطات القطرية من تلقاء نفسها»، هذا ما أكده لنا في عام 2016. حتى لو تطلب الأمر من الشيخ النعيمي الكذب بشكل فاضح، فإنه يُقْسِم بأن قطر لم تمول الإخوان المسلمين، كما أنها لم تمول الجماعات الثورية في سوريا ومصر وليبيا أثناء «الربيع العربي». 

«لقد دعمنا دائمًا اختيارات الشعوب»، أكد لنا الشيخ ذلك، مضيفًا «إذا ساند الشعب الإسلاميين، فإننا نقوم بمساندتهم، وحتى إن كان هناك اعتراضات، فإن جبهة النصرة (الفرع السابق للقاعدة بسوريا) قد تم قبولها من قبل الشعب السوري، وإذا كانت الناس تريد «النصرة»، فهذا حقهم! وبالنسبة لي، هناك فرق بين «النصرة» و«داعش»، إن «داعش» هي قوة احتلال تتكون من أجانب، وهذا ليس وضع النصرة التي تتكون في أغلبها من سوريين، وتحارب ديكتاتورية بشار الأسد، ليس هناك إذن أمر سيئ في مساعدتهم وتمويلهم لإتمام هدفهم!»، ويجاهر هنا الشيخ النعيمي دون أي مواربة بتعاطفه مع حركة مصنفة من قبل المجتمع الدولي على أنها إرهابية. 

كذلك فقد استفاد ممول القاعدة هذا من تساهل بعض أصدقاء قطر بأوروبا؛ حيث قام في أواخر عام 2011 بزيارة إلى باريس دون أن يخشى أي تضييق من قِبَل السلطات الفرنسية عليه، والتي كانت في ذلك الوقت شديدة القرب من قطر. 

النعيمي ليس حالة منفردة، فهناك ما يقرب من نصف دزينة من الشخصيات الممولة لمنظمات إرهابية، قد استفادت طويلًا من تساهل السلطات القطرية. 

سالم حسن قويري وعبدالله غانم خوار متهمان، على سبيل المثال، من قِبَل وزارة الخزانة الأمريكية بتقديم مئات الآلاف من الدولارات للقاعدة لتمويل عملياتها، وكذلك لتحرير المعتقلين من أفراد القاعدة في إيران وأماكن أخرى. 

«أغلب ممولي الجهاد ينتمون لعائلات كبيرة أو إلى قبائل مهمة، لذا فإنه من الصعب على السلطات أن تعالج الأمر معها»، هذه هي حجة المسؤولين القطريين لتبرير عدم تحركهم ضد هؤلاء الممولين، «إذا قامت قطر باتخاذ أي إجراء ضد شخص ينتمي إلى إحدى القبائل القوية، فستنقلب كل القبيلة ضد الدولة».

ولأن قطر دولة صغيرة فإن مثل هذه المقاومة قد تؤدي إلى خلخلة وزعزعة المجتمع بأكمله، وبالرغم من ذلك، فإن مثل هذه الحجة تُعتبر مرفوضة من قبل الغرب الذي يرى أنه من الممكن دائمًا عمل شيء ضد ممولي الإسلام الراديكالي: ومثال المملكة العربية السعودية دليل على ذلك. 

منذ عام ٢٠٠٩،  أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في برقية دبلوماسية، تمت تسريبها من خلال ويكيليكس، أن التعاون مع قطر هو الأسوأ في منطقة الشرق الأوسط. 

تحت ضغط من الولايات المتحدة، وابتداءً من 2015، قامت الدوحة بجهود لتحجيم تمويل الإرهاب عن طريق تجميد بعض الأرصدة ومنع خروج اثنين من ممولي الإرهاب من الأراضي القطرية، وهما سعد الكعبي، وعبداللطيف الكواري. وفي عام 2015، قامت قطر أيضًا بإعادة هيكلة لجنة مكافحة الإرهاب بعد إصدار أكثر من قرار، لتحجيم أنشطة المنظمات الخيرية، ويوضح تقرير صدر مؤخرًا لوزارة الخارجية الأمريكية، أنه بالرغم من هذه الجهود، فإن هناك كيانات وأفرادًا يستمرون في لعب دور الممولين للجماعات الإرهابية. 

في فصل «تمويل الإرهاب»، من الملائم أن نضيف عمليات دفع الفديات لمحتجزي الرهائن الغربية، والذين يرتبطون في الأغلب بفرع تنظيم القاعدة السوري، وقد تخصصت قطر في قضايا دفع الفديات خلال السنوات الماضية، حيث تدخلت في العشرات من حالات اختطاف رهائن، إن إجمالي الأموال التي تم دفعها للنصرة يقارب 150 مليون دولار، ويُعتبر ذلك منجم ذهب يسمح للمنظمات الإرهابية بأن تضم إليها عناصر جديدة. 

عند سؤال بعض المسؤولين القطريين عن هذا النوع من التمويل، يتذرعون بهذه الإجابة: «لا تلومونا، قوموا بلوم الدول الأوروبية التي تحثنا على ذلك». وهذا ليس بخطأ، لأن الدوحة تختبئ أيضًا خلف اعتبارات إنسانية، غير أن التقارب الديني بين قطر وهؤلاء الخاطفين يُلقي بظلاله على «كرم» الدوحة في هذه المياه العكرة من الصفقات المشبوهة. 

عندما قمنا بسؤال أمير قطر، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن وجود أفراد في بلاده مثل الشيخ نعيمي على
القوائم السوداء الأمريكية والأوروبية، أجاب الشيخ تميم بأن «هذه معلومات مغلوطة متداولة في الصحافة».

ولم يقل الرئيس الفرنسي شيئًا، وستستضيف باريس يوم 26 أبريل مؤتمرًا حول هذه الإشكالية المتعلقة بتمويل الإرهاب، وإذا كانت السلطات الفرنسية تريد الحفاظ على علاقات جيدة مع قطر، فإن لديها أيضًا قناعة بأنه يجب ممارسة ضغط قوي على الدوحة لإنهاء هذا الدعم للإرهاب، والتوقف عن الخطاب المزدوج، ويجب أن يُؤخذ في الاعتبار أن أمن حلفاء قطر الغربيين بات على المحك.
"