رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

حماس نصف سلطة ونصف مقاومة

الأحد 19/مايو/2019 - 11:35 ص
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

من العسكرة للسياسة، ومن المقاومة لسلطة الواقع، ومن حكم القطاع لفقدان الأرض والجماهيرية والوقوع في الخطايا، هذا ما يلخص ما تشهده حماس بعد اختلافات الداخل، حول أهدافها ووسائلها، وإدارة عملها.

في مطلع سنة 2006 فازت حماس بعدد كبير من مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، وساعدتها دعاية المقاومة، لكنها ارتطمت بصخرة الواقع، الذي كسّر ضلاعها وعطّل مسيرتها، وجعلها تتحول إلى حركة سلطة وسياسة، لا مقاومة وتحرير.

وجدت حماس نفسها أمام استحقاقات ضخمة، ومعادلات تكاد تكون مستحيلة، وأدركت أن بقاءها في السلطة سيحمل أثمانا واستحقاقات باهظة، كما أن تركها السلطة قد يحمل أثمانا أكبر، لذا استمرت في السلطة، لأنها مكنتها من الانتقال من الهامش إلى المركز، لكن ذلك ساهم في تدني شعبيتها، حتى انتهى بها الحال إلى أن تصبح نصف سلطة ونصف مقاومة، بوجود كتائب عز الدين القسام، التى استخدمتها فيما بعد لدعم الإرهاب في مصر، على سبيل المثال.

أصرت حماس على عدم التعاون مع بقية الفصائل، ورفضت أي حكومة وحدة وطنية، وتحول المناضلون إلى موظفين، وقاموا بممارسة السلطة بما يتضمنه ذلك من قهر للمواطن الفلسطيني، مما أدى إلى تزايد وتيرة الخلافات بين الجناحين السياسي والعسكري للحركة ذاتها.

أعضاء الجناح السياسي في الحركة وأبرزهم خالد مشعل وموسى أبومرزوق وإسماعيل هنية، سعوا من خلال وسطاء أوروبيين لاتفاق طويل الأمد مع إسرائيل، بينما سعى الجناح العسكري إلى اتجاهات أخرى أقواها التقارب مع إيران لتقوية منظومة حماس العسكرية، فوقع الشقاق والاختلاف حتى اللحظة بين السياسيين والعسكريين، وبين اتجاهات السياسة داخل الحركة، وبين العسكرة، وبين الحل أو الحرب، بين الفهم أنه يجب اتخاذ قرارات في ظل الواقع المعقد الذي علقت به وبين مواصلة ذات التصرف الذي أوصلها الى الهاوية.

أعضاء الجناح العسكري الذين أنشأوا جيشًا ضخمًا في غزة منذ الانقلاب في يونيو 2007، يضم عشرات آلاف المسلحين اهتموا كثيراً بتوسيع الهيمنة العسكرية التي فرضوها في غزة، بينما فهم أعضاء الجناح السياسي أنه ومن دون حل سياسي مع إسرائيل فإن حماس ستفقد سيطرتها وحكمها في غزة.

إن آليات الحركة الدعوية التي تعمل منذ عشرين سنة في القطاع، لم تكف لتأسيس حكومة فلسطينية حقيقية، وما كان كافيًّا لأعمال الوعظ الديني، الخطابات المسجدية، توزيع أموال الزكاة، وضع القنابل وإطلاق صواريخ نحو إسرائيل، لم يكن نافعاً لتأسيس حكومة يجب أن تفي بالشروط الدولية.

بقية أضلاع حماس تهشّمت على صخرة الاقتصاد الغزّاوي المريض، لقد انتهى المطاف بها أن تبيع الكهرباء بأسعار باهظة (نصف شيكل لكل كيلواط ساعة)، وحين وزعت عددًا من المولدات الكهربائية في الأحياء المختلفة جبت على تشغيلها 4.5 شيكل للكيلواط ساعة، ووصلت أنبوبة الغاز المصري إلى 20 شيكل، وتبيعها حماس بـ60 شيكل، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

أرغمت التحديات الاقتصادية حماسَ إلى تأسيس اقتصادها على بنية الأنفاق على الحدود المصرية، التي شكلت 80% من تمويلها بعد أن باتت باقي البُنى الاقتصادية، بما فيها المناطق الصناعية والمنتجات الزراعية المعدّة للتصدير، التي أصبحت على شفا انهيار كامل.

ومع انهيار الأوضاع الاقتصادية برز عدد من الجماعات السلفية المتشددة، مثل: سيوف الحق، وسيوف الإسلام، وأنصار جند الله، وحزب الله الفلسطيني، وجيش الإسلام، وأخيراً داعش!، وبعد سنين من مهاجمة حماس للسلطة الفلسطينية بحجة تعاونها مع إسرائيل، اضطرت أن تستعمل القوة للجم إطلاق الصواريخ من التنظيمات، فيما اتهمها هؤلاء بالتعاون مع الاحتلال، وفرّ بعضهم منها لداعش والقاعدة، بل وانضم عدد من كتائب القسام للسلفية الجهادية دون أن يشعر بهم أحد مستفيدين من رواتبهم التي تدفعها.

إن الخلل بين الشعارت القديمة الإخوانية (الخلافة والشريعة وتحرير الأرض من النهر للبحر)، وبين الواقع دفع الكثيرين من الشباب المنخرط داخل صفوف الحركة، أن يسقطوا القناع تدريجياً عنها ويتركوها سراً، لقد رأوا القيادات الذين كانوا يرفضون الاعتراف بإسرائيل يتفاوضون معها من تحت المائدة عبر وسائط سرية كشفتها تل أبيب، ثم اتصالات بالجانب الأمريكي، وعشرات المرات طلبات هدنة طويلة الأمد وحدود مؤقتة ودولة فلسطينية فى غزة، وما زالت تدرس عرض تسليم السلاح مقابل مطار وميناء، ولولا وجود حركات راديكالية أخرى فى غزة تحمل السلاح وترفض التفاوض، كانت حسمت موقفها من قضية الوطن والمقاومة، بعد أن تمتعت بلعبة السياسة وذاقت لذة السلطة، وسكنت القصور وجابت شوارع غزة بالسيارات الفارهة والحراس المدججين.

إن أجندة حماس السرية مختلفة عن العلنية، فهي غارقة في لغة التقية، وأمسك الجناح المسلّح في حماس بزمام الأمور في غزة، فحولها لسجن كبير، وقدم نموذجاً ”طالبانیاً“ في الحكم بمنطق أمني.

حتى الآن لم يفقد المجتمع الفلسطيني قدرته على مقاومة هذا الشطط والتغوّل والشمولية.. لكن الوقت لم يحن بعد.. وهو قادم لا محالة طالما طال بها المقام في الحكم، وغابت الانتخابات وتبادل السلطة.

"