رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad
يان هامل
يان هامل

الأذرع المالية للتنظيم الدولي للإخوان

الجمعة 30/مارس/2018 - 09:33 م
طباعة

سوف أبدأ بفَزُّورة: هل تعرفون كامبيوني؟ هي مقاطعةٌ صغيرةٌ في حجم الفاتيكان، ويسكنها 2500 نسمة، سوف أساعدكم أكثر.. إنها مقاطعة إيطالية تُطِلُّ على بحيرة لوجانو في الأراضي الإيطالية، وهذه البلدة تُعتبر كجيب منفصل، فهي تَقَع في إيطاليا، ومُحاطة من كُلِّ الجهات تقريبًا بمقاطعة تيسينو السويسرية، لماذا أتحدث إليكم عن كامبيوني؟ المقاطعة مشهورة بالكازينو الخاص بها، ومنذ عقود وهي تستقبل اثنين من أقطاب جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، رجلان يعملان بالقطاع المصرفي، يوسف ندا من أصول مصرية، وقد بلغ من العمر 87 عامًا، وعلي غالب همت البالغ من العمر 78 عامًا. 


مَن قرؤوا كتاب «مسجد بميونخ ـ النازيون والاستخبارات الأمريكية وصُعُود الإخوان في الغرب» الذي صدر عام 2011 للكاتب يان جونسون الحاصل على جائزة بوليتزر، يعرفون مِن قَبْل مَن هو علي غالب همت. في الستينيات بمعاونة سعيد رمضان والد طارق رمضان، قام الإخوان بوضع يدهم على هذا المسجد بمباركة الغرب.


وهناك بعض الأسئلة الأولية: لماذا اتخذ هذان الرجلان من كامبيون مقرًّا لإقامتهما؟ هل هناك علاقة مع وجود الكازينو؟ سأُجِيب على هذا السؤال من ناحية؛ خاصة أن هذا الكازينو لن يحبذ مُطلقًا أن يرتبط اسمه مع هذين الشخصين، فلا يوجد سوى أصحاب الأَلْسِنَة السَّيئة الذين قد يجعلوننا نتخيل أن كازينو يمكن استغلاله في عمليات غسيل الأموال، ويبدو أنه لم يصبح كذلك؛ خاصة أن كازينو كامبيوني يعاني من عجز يتعدى الـ100 مليون فرانك سويسري (90 مليون يورو)، كما أن إيطاليا لا تهتم بإنعاشه.


من ناحية أخرى، يوسف ندا رجل عجوز حسَّاس جدًّا، فقد لجأ في عام 2012 إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد سويسرا، وحكمت له بالفعل المحكمة التي رأت أن السلطات السويسرية قد اغتصبت حقَّه في احترام حياته الخاصة، ودفعت له مدينة بيرن غرامة قدرها 30 ألف يورو. يوسف ندا لم يحتج لهذا المبلغ فهو ملياردير، كما أنه لم يقم أحد بعمل أي تحقيقات لمعرفة مصدر ثروته، وأعني هنا بـ«لا أحد» لا رجال العدالة ولا رجال الشرطة.


أعتقد أنكم فهمتم بشكل جدِّي مدى أهمية هذا المكان الصغير، والذي يتمتع بوضع استثنائي. في حقيقة الأمر، كامبيوني تُعْتَبَر سويسرا داخل سويسرا، خاصة أنها من أفضل الملاذات الضريبية، ورغم أنها تقع في منطقة لومبارديا، فكامبيوني خارج الأراضي الضريبية للاتحاد الأوروبي، والعملة الرسمية فيها هي الفرنك السويسري، وتستخدم طوابع البريد السويسرية، والسيارات تحمل لوحات سويسرية، فالأمر ليس من قبيل الصدفة أن يختار رجلا المال الإقامة بكامبوني التي تُعْتَبَر قرية؛ فالأمر ليس متعلقًا فقط بجمال غروب الشمس على بحيرة لوجانو. 


«بَنْكُ التَّقْوَى» إِخْفَاقٌ عَلَى كُلِّ الْمَحَاوِر


لولا أحداث 11 سبتمبر 2001، لما كانت السلطات انتبهت إلى أنشطة هذين المصرفين اللذين يتسمان بالحصافة، ورغم ذلك كانا يديران منذ 1988 مؤسسة مالية صغيرة تسمى بـ«التقوى» تقع بسويسرا، بلوجانو، بليخنتنشتاين بالباهاماس، والباهاماس تقع بجوار الولايات المتحدة الأمريكية، يجب ألا نقذف الحجر فقط على سويسرا.


بالتأكيد تتذكرون كل ما كُتب –حينذاك- عن التقوى في آلاف المنشورات، فقد قيل إن البنك مَوَّل العمليات الإرهابية لأسامة بن لادن. كَصَحَفِيٍّ تحدَّثْتُ أكثر من مرة عن هذا البنك الصغير، المؤسسة تمَّت تصفيتها في ديسمبر 2001، مُخَلِّفَة بذلك خسائر تُقَدَّر بمئات ملايين الدولارات. حيث اتُّهِم المسؤولون بمشاركة ومساندة منظمة إجرامية، وماذا حدث منذ ذلك الوقت؟ في عام 2005 أُغْلِق التحقيقُ لعدم كفاية الأدلة. 


في أغسطس 2010 قام مجلس الأمن بالأمم المتحدة بشطب اسم البنك من قائمة الأشخاص والكيانات الموالية للقاعدة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية لم يتم اتخاذ أي إجراء ضد أعضاء مجلس إدارة بنك التقوى، وذلك ما حدث في سويسرا، في ليخنتنشتاين وفي سويسرا وبلدان أخرى، ونَذكر أيضًا أن الأردن كان قد اتهم البنك بمساندة المنظمات الإرهابية. 


هل أيدي القائمين عليه ناصعة البياض كالثلج؟ بالتأكيد لا، ولكن هناك من ناحية، صعوبة حقيقية لتتبع التدفقات المالية التي تُغَذِّي الإرهاب. رسميًّا بنك التقوى كان يُمَوِّل عمليات إنسانية صغيرة في البلاد الإسلامية؛ فَمَن سيذهب ليتحقق من الأمر على الأرض؟ مَن يستطيع تحديد القيمة المالية الفعلية لبناء جِسْر أو لحَفْر بِئْر؟ 


وعلينا أن نأسف لعدم كفاءة بعض القُضَاة الذين لا يدعمهم خبراء حقيقيون؛ فعمليًّا كل التحقيقات التي تَمَّت في سويسرا بعد 2001 على يد المدعي الفيدرالي المسئول عن قضايا الإرهاب أخفقت على نحو بائس. فلنتذكر أنه بعد سبتمبر 2001 تم تقديم كتاب بعد شهور من العمل بعنوان «بن لادن.. الحقيقة الممنوعة» على أنه بمثابة كتاب مُقَدَّس لفَهْم «القاعدة» ولمعرفة كل شيء عن تمويلها. هذا الكتاب بَاعَ أكثر من 200 ألف نسخة، وتم ترجمته إلى عدة لغات، إلا أنه لم يكن سوى عملية تجميع لمقالات نُشِرَت على الإنترنت. وتمت الاستعانة فيما بعد بأحد كُتَّابِه ليساعد العدالة السويسرية. كما أن المُدَّعي المسئول عن ملف الإرهاب كان قاضيًا سابقًا في نيوشاتيل -مقاطعة صغيرة يسكنها 180 ألف نسمة- ولم يحصل على تدريب مُتخصص في الأمر.


يُوسُف نَدَا الْغَامِض


كلُّ التحقيقات التي تَمَّت حول بنك التقوى ومديريه كانت بلا فائدة، غير أن المُحَقِّقين اكتشفوا أن يوسف ندا سافر إلى أفغانستان عام 1989 وقابل قلب الدين حكمتيار، أحد الإسلاميين المتشددين، أما عن علي غالب همت، فتنقله إلى أفغانستان يعود إلى عام 1993، ولم يُقَابِل هناك مسلمين معتدلين هو الآخر، هذه السَّفَرِيَّات تُثْبِت أن الإخوان المسلمين الذين يدينون -على المستوى الرسمي- الإرهاب، يُمكنهم أحيانًا إقامة صلات مع الحركات الجهادية، وعَلَى الرَّغم من ذلك علينا أن نَذْكُر أن هؤلاء الإرهابيين كثيرًا ما تمَّ تمويلهم عن طريق الأمريكان.


أعودُ إلى مسار يوسف ندا المُثير للاهتمام؛ خاصة أنَّه من كبار الإخوان القليلين الذين اعترفوا على شاشات الجزيرة بأنَّهم ينتمون إلى هذا التنظيم، وَسُجِنَ عَلَى يَد جمال عبد الناصر بَيْن عام 1954 و 1956، ثم اخْتَبَأَ في لِيبْيَا، وأُرْغِم على الهروب عندما أمسك العقيد مُعَمَّر القذافي بزمام الأمور، وبدأ طريق المنفى الطويل مارًّا باليونان ثم النمسا وإيطاليا. قام بتكوين ثروته من خلال العمل في مجال الأسمنت، إضافة إلى ذلك فإنه أحد أقطاب التمويل الإسلامي، اليوم هو رَجُلٌ مُسِنٌّ، وأعتقد أنه سيموت في سريره دون أن تُثبت التحقيقات علاقاته منذ عقود بالمنظمات الإرهابية.


غَزْوُ الْغَرْبِ 


أهم شيء في كلِّ هذا، هو اكتشاف مستند من 14 صفحة داخل فيلا يوسف ندا، يحمل عنوان «المشروع»، ويعود تاريخه إلى 1 ديسمبر 1982، ومُحْتَوَى هذا المستند نُشِرَ -لأول مرة- في فرنسا عام 2005 في كتاب بعنوان «غزو الغرب.. المشروع السري للإسلاميين» بقلم الصحفي السويسري سيلفان بيسون، وأكد المستند -دون أدنى شك- أن الجماعة الإخوانية أرادت أن تَصْنَعَ مِنَ الإسلام الحضارة المهيمنة ليضع نهاية لهيمنة الغرب المادية على البشرية، وبشكل جلي الهدف الرئيسي للإخوان هو الغرب وتحديدًا أوروبا، وسأكتفي بأن أعطي لكم بعض التوصيات اللطيفة من المشروع: 


- عمل دراسة عِلمِيَّة على إمكانية إقامة حكم الله في كلِّ أنحاء العالم.


- قبول تعاون مؤقت بين التيارات الإسلامية والتيارات القومية، غير أن الحيطة تَتَطَلَّب ألا يتم الوثوق في التيارات القومية.


- المساعدةُ عن طريق التَّزود بأنظمة مراقبة عديدة ومتنوعة في أكثر من مكان لجمع المعلومات، ولتبني اتصال واعٍ وفَعَّال في خدمة تيار إسلامي عالمي.


- دعوةُ الجميع للمشاركة بالمجالس البرلمانية والمحلية والنقابية، وكذلك بمجالس بعض المؤسسات الأخرى التي يتم اختيارها عن طريق الشعب؛ وذلك لتَحْقِيق صالح الإسلام والمسلمين.


- أَخِيرًا إقامة جسور بين التيارات المنخرطة في الجهاد بالعالم والأقليات المسلمة، ومساندتهم قَدْرَ المُسْتَطَاع.


- بالتأكيد عمل دراسات على اليهود، أعداء المسلمين.


ولأني لم أَنْسَ أنَّ الموضوع يتعلق بتمويل الإرهاب، فهناك نصائح أخرى بـ«المشروع»: 


- جمع أموال كافية لاستمرارية الجهاد.


- البحث عن امتلاك أغلب رؤوس أموال البنك، بما يتيح القدرة على إدارته والسيطرة عليه.


- خلق تغطية في إطار قانوني للاستثمارات؛ للحفاظ على سِرِّية التعاملات المالية.


ماذا يمكنني القول أكثر من ذلك؟ أريد فقط مقارنة القائمة السوداء للملاذات الضريبية الآمنة في العالم، والتي تقترحها بروكسل، والتي تضع سانت - لوسي، ومنغوليا، وترينداد وتوبادو، على قائمة الدول التي تنعدم فيها الشفافية المالية، وهذه القائمة أَعَدَّتْهَا مؤسسة تاكس جاستس نتورك (شبكة الضرائب العادلة) رقم واحد، سويسرا، رقم 2 الولايات المتحدة، رقم 3 جزر كايمان، رقم 4 هونج كونج، رقم 5 سنغافورة، رقم 6 لوكسبمورج، رقم 7 ألمانيا. لماذا الاختلاف؟ بالتأكيد سانت - لوسي، على سبيل المثال، ثقب أسود. لكن من يجرؤ على وَضْع مَالِهِ بهذه الجزيرة؟ ولا حتى 0,00001 من المحتالين. في المقابل 22.3% من التدفقات المالية في العالم تَمُرُّ من خلال الولايات المتحدة الأمريكية. إذن ووسط آلاف مليارات الدولارات التي تُسافر ويتم استثمارها في هذا البلد، هناك فُرص أكبر لتنمو وتزدهر أموال الإرهاب.

"