رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

هاني عمارة لـ«الْمَرْجِع»: سياسة «الإخوان» براجماتيَّة.. والخطاب الإسلامي تلوَّن بفكرهم

الأربعاء 09/مايو/2018 - 10:46 م
الكاتب والمهندس هاني
الكاتب والمهندس هاني عمارة
حور سامح
طباعة
أكد المهندس هاني عمارة، الكاتب والباحث في التراث الإسلامي، أن سياسة جماعة الإخوان يغلب عليها البراجماتيَّة، وأنه من المُستحيل فهم الإخوان، أو التمكن من الحديث عنهم؛ دون مخالطتهم، والتعرف عن قرب على طبيعة التعامل بين أعضاء الجماعة، وقوة تأثير بعضهم دون الآخرين.

«عمارة»، الذي اشتغل لسنوات بالبحث في التراث، أضاف في حواره مع «الْمَرْجِع»، أن انضمامه للتيارات الإسلاميَّة، خاصة جماعة الإخوان لمدة سبع سنوات، «تجربة ثريَّة، أثبتت لي أنه من المستحيل فهم الإخوان، أو التمكن من الحديث عنهم؛ دون مخالطتهم، والتعرف عن قرب على طبيعة التعامل بين أعضاء الجماعة، وقوة تأثير البعض دون الآخرين، وقد كانت مشكلتي معهم هي تطور أفكاري بصورة لم تستوعبها الجماعة؛ لأن أفكاري ورؤيتي تطورت بشكل فاق قدرتهم على الاستيعاب، وانفصالي عام2006 لم يَكُن بسبب مُشكِلة داخليَّة أو رد فعل لسلوك سياسي أو أخلاقي، كما حدث مع بعض المنشقين، خاصة أن سياسة الجماعة يغلب عليها البراجماتيَّة».

تفكيك التراث

وأوضح، أن الخطاب الإسلامي العام تَلَوَّن بفكر الإخوان، وأن المواجهة مع الجماعات المُتطرفة جزءٌ منها مرتبط بتفكيك التُراث، وجزءٌ آخر يتعلق بتفكيك مفاهيم فرضها الخطاب الإسلامي العام، ورددها الناس بلا وعي، بما فيها المؤسسات الدينيَّة الرسميَّة، قائلًا: «أحاول التركيز في جزئية الفكرة التي استطاعوا من خلالها تجنيد الشباب، وكسب تعاطف العامَّة، وهنا أود أن أؤكد ضرورة وضع تعريف لكلمة الدين؛ لأن العديد يفهمون الدين على أنه مُرادف للأخلاق، ولابد أن نُحَدِد بدقة نسخة إسلام كل جماعة، ومدى اختلافها عن الإسلام التقليدي والرسمي والشعبي، ومدى خطورته؛ لأن الدين في النهاية خطابٌ يَستخدم الآلات البشريَّة من لغة وكتابة، وهما مكونان بشريان؛ بهما جوانب من القصور التي بالتأكيد تنعكس على فهم الخطاب، وهذا الفهم على أساسه تتكون الأيديولوجيات والتنظيمات وتتم عمليات التجنيد والتجييش».

وأكد أن «هناك العديد من الفخاخ التي نقع فيها في الخطاب الديني، وتحتاج إلى شرح مطول وتفكيك، ومن أمثلتها: فخ الدعوة، والشمول، والصلاحيَّة لكل زمان ومكان، وازدواجية المدني والديني، والأسلمة، وأخيرًا فخ الحجاب».

 ويُفضل عند الحديث عن التراث، استخدام مصطلح «تفكيك التراث»، وليس نقده؛ لأن النقد يحمل نوعًا من الوصاية، مصحوبًا بمجموعة من قيم حديثة نحاول فرضها على النص عند التعامل مع التراث، مضيفًا: «تفكيك التراث، يعني التوصل للعناصر الخفيَّة في تكوين النص، ولا يعد نقدًا له بل هو محاولة لإعادة فهمه، ومع ذلك لا نفترض صوابه، وفي الوقت ذاته نرفض فكرة إنكار وجود نصوص التراث، ونؤكد ضرورة إبعاد وتحييد المعيار الأخلاقي في تقييم النصوص؛ لأن الأخلاق نسبيَّة، وهذا ما لا تفعله جماعات النقد».

وأشار إلى أن كتابته حول التراث، تأتي في سياق محاولاته لتوضيح الأسباب السياسيَّة المُحيطة بالأمور، مؤكدًا: «توصلت لبعض النتائج في هذا الصدد، ومن أهمها أن أغلب الأسباب السياسيَّة تكون ممزوجة بغطاء ديني؛ فعلى سبيل المثال أنا لا أبحث في حكم تارك الصلاة هل هو كافر أم لا؟ ولكني أبحث عن الدوافع التي شكلت نصوص تكفير تارك الصلاة مثلًا، وأترك التقييم للقارئ»، مُفسرًا عدم توضيح رأيه أو تقييمه للموضوعات التي يتناولها في غالبية كتاباته، بأنه يحترم ذكاء القارئ، ويحاول مساعدته في كشف الظروف والملابسات التي قد تكون غائبة عنه، ومن خلال قراءته يكّون قناعته الشخصية ويستطيع التقييم.

وعن إشكاليَّة الاعتراف بالسنة النبويَّة، أوضح «عمارة»، أن السنَّة موجودة بالفعل ولا يملك حق إنكارها، مؤكدًا أن دوره هو كشف الدوافع السياسية والاجتماعية في زمن التدوين، من خلال عرض يبني حكمه بأن الحديث أصيل أم تم تدوينه في زمن النص؟ وهل أثَّر الزَّمن على الكتابة أم لا؟ موضحًا أن الأمر يَكمُن في ربط النص بزمن التدوين، والبحث في وجود تأثير مباشر أو غير مباشر، ومن خلال ذلك يستطيع القارئ تقييم الأمر.

السُّنَّةُ النبويَّة
وتابع «عمارة»، أن «السُّنَّة النبويَّة تخضع للحكم العقلي، ولابد أن نلتزم بما نراه مُناسبًا؛ حيث إن النص النبوي غير مقدس، وبالتالي يحق لنا تفكيك عدد منها، خاصة إذا تأثرت تلك النصوص بالسياسة وقتها، لذلك أنا ضد إلزاميَّة السُّنَّة في التشريع؛ فالسنة في العبادات والطقوس، ولكن لكل شخص الحرية في أن يلزم نفسه بما شاء، كما أن السياسة والصراعات التي وقعت بين الصحابة أنفسهم على الخلافة، يُعد أكبر مؤثر على الأحاديث النبويَّة، وبالتالي يجب الالتفات لجزئيَّة الظروف المُحيطة بعمليَّة التدوين والكتابة».

وأضاف، أن التأثير السياسي وُجِدَ في حديث لا يتوقع أحدٌ أنه فيه، مثل حديث المعازف الشهير في كتاب البخاري، والذي جاء في نصه: «ليكوننَّ من أُمَّتي أقوام يَستحلُّونَ الْحِرَ والحَريرَ والخمر والمعازِف، ولينزِلنَّ أقوام إلى جَنبِ عَلم يَروحُ عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم ـ يعني الفقيرَ ـ لحاجة فيقولوا: ارجِعْ إلينا غَدًا فيُبيِّتُهمُ الله، ويَضَع العَلَمَ، ويَمسَخُ آخرينَ قِرَدةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة»، قائلًا: «هذا الحديث شامي، وكل رواته شوام باستثناء الصحابي الراوي، وولاؤهم أموي، وهذا الحديث ضمن جملة أحاديث الملاحم الأموية، مثل أحاديث الطائفة المنصورة ببيت المقدس، وقتال المسلمين لليهود في آخر الزمان، ونزول عيسى، وحديث تداعي الأمم».

واستطرد، أن «هذه الأحاديث وضعت في فترة الصراع الأموي الهاشمي، في صيغة نبوءات نبويَّة بانتصار الأمويين باعتبارهم الطائفة المحقة، وكانت في فترتين، الأولى بعد حصارهم بالشام في الفترة التي سيطر فيها الهاشميون على الحجاز والعراق ومصر، ولم يبقَ لهم إلا الشام في خلافة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في الفترة ما بين عامي 35 و40 هجريَّة، والفترة الثانية كانت فترة الصراع الثلاثي «الشيعي - الأموي - الزبيري» في الفترة ما بين أعوام 64 و73 هجرية. 

وصمة عار
وأشار إلى أن تأثر المسلمين بالثقافات الأخرى لا يُعد وصمة عار؛ لأن النص ليس أزليًّا مقدسًا، قائلًا: «الذين يعتبرون النص أزليًّا مقدسًا هم وصمة العار؛ لأن المقدس بالنسبة لهؤلاء منزه عن التأثر والاقتباس والمحاكاة، كما أن التأثر أمر طبيعي، ولا توجد ثقافة مستقلة بذاتها، وهذا لا يمنع وجود ثقافة إسلاميَّة أو دولة إسلاميَّة، ولكن لا تُعد ثقافة مستقلة بذاتها، والدولة الإسلاميَّة مفهوم شائك ويستغل سياسيًّا، وهناك من يستخدمه بمعنى دين الأغلبية، والبعض يستخدمه بمعنى سياسي أيديولوجي».

وشدد على أن السبب الأكبر أو المشكلة الرئيسيَّة، تكمن في برامج الجماعات والأحزاب الإسلامية، حيث يملك كل منهم نسخته الخاصة من الإسلام، وتلك الجماعات الإسلاميَّة تمتلك مفهومًا آخر ونظرة أخرى للدين، تختلف عن نظرة العوام، وفي الفترة الأخيرة أصبح هناك تأثير لنسختهم في المجال العام، خاصة خلال الـ40 سنة الأخيرة.

وطالب بخضوع النص المقدس لإعادة القراءة والتفكيك؛ حيث إنه لا يوجد ما يجعلنا نحجم عن إعادة قراءة وتفكيك النصوص المقدسة، مؤكدًا «أكبر مشكلات المتدينين أنهم يحصرون عددًا من الآيات في سبب نزولها؛ لغرض معين، وهذا ينسف فكرة صلاحية النص المقدس لكل زمان ومكان، وعلى سبيل المثال السلفيون ليست لديهم أدنى مشكلة في فكرة الزمان والمكان، لأنه بالنسبة لهم عمادة جامدة».

وأوضح، أن هناك مشكلة يقع فيها التنويريون، وهي التقييم الأخلاقي للنص بمعايير حديثة؛ فعلى سبيل المثال في مسألة قتل الأسرى، ينتقد التنويريون النص بدعوى «اللاأخلاقية»، ولو اعتقدنا بنسبية الأخلاق سنكتشف أن تقييم زمن بأخلاق زمن لاحق يُعد تقييمًا غير موضوعي، والسلفيون لديهم نفس المشكلة، ولكن بطريقة أخرى، فهم يسعون إلى العودة بالقانون الأخلاقي العام للقرن السابع، وكلا الطرفين انطلق من ثبات الأخلاق وكونها مطلقة، كما أن أكبر مشكلات التنويريين تكمن في أنهم يريدون نسخة إسلام وسيرة رسول تتفق مع مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وفيما يتعلق بمفهوم «الجهاد»، أوضح «أن الجهاد مفهوم قديم، وفكرة تصنيفه والتفرقة بين أنواعه مع الإصرار على وجوده يُعد التفافًا حول المفهوم؛ فالأمر لا يقتصر على الجهاد وحده، ولكن النظام الاقتصادى مثلًا لو رأى البعض أن الدولة الحديثة فيها كل مكونات التشريع القديم بصورة متطورة وحديثة؛ بحيث تحل الضرائب والتأمينات محل الزكاة وبيت المال، والسؤال هنا لماذا لا نعتبر الضرائب بديلًا للزكاة؟ ولو بحثنا جيدًا في جوهر التشريعات سنجد أنها تؤدى نفس الغرض، لكن هناك من يقدس الشكل، وهذه الجزئية تكمن في الخطاب الديني غير القادر على تجاوزها، وعامل ازدواجية بين الديني والمدني في كل نواحي الحياة».

وفيما يخص «رشيد إيلال»، صاحب كتاب «نهاية أسطورة البخاري»، أوضح «عمارة»، أن «إيلال» اعتمد على أسلوب الهجوم والتهكم على البخاري وموضوعاته، وهذا يعود بنا إلى نفس فكرة المعيار الأخلاقي ونسبيتها، كما أن البخاري لم يكن واضعًا للحديث؛ لأن كل الأحاديث التي أوردها موجودة في كتب من سبقوه بنسبة لا تقل عن 90%.
"