رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

صوفي سوري يروي لـ«المرجع» حكاية خمس سنوات مع التكفيريين

الأربعاء 09/مايو/2018 - 04:58 م
عمر رحمون، الصوفي
عمر رحمون، الصوفي السوري
سارة رشاد
طباعة
المتصوفة يعملون بصفوف «داعش» و«النصرة» بدافع الخوف
التَّصَوُّف لا يمنع الناس من ممارسة السياسة
الدول الداعمة للإرهاب لم ترضَ بوجود كيان غير تكفيري بسوريا

يُمكن فهم وقوف «الصوفي» خلف شيخه، ليقلده في حركات آلية تساعده على استعادة روحه، لكن غير المفهوم هو أن يقف هذا الصوفي خلف مدفع ليُفقِدَ غيره أرواحهم.

عمر رحمون، الصوفي السوري، المتورط في تجربة مسلحة بدأت في 2012، عندما دشَّن كيانًا مسلحًا عُرف بـ«حركة أحرار الصوفية»، إلى 2016، حين أعلن ولاءه للنظام السوري، وصف حمله للسلاح بالتجربة الأسوأ على الإطلاق، متابعًا في حوار مع «المرجع»: «تصوفي وانخراطي في الصوفية هو أفضل عمل بحياتي؛ لأن التصوف هو التقرب إلى الله، بينما حمل السلاح هو مقدمة للجريمة».

ينحدر «الشيخ رحمون»، كما يُعرف في الأوساط السوريَّة، من أسرة صوفيَّة بقرية حلفايا، بمدينة حماة، وسط سوريا، وحصل على درجة الماجستير في الشريعة الإسلاميَّة من جامعة دمشق؛ ليتولى العمل بمسجد قريته إمامًا وخطيبًا، وفي هذه الأثناء عُرِف «رحمون» كمنشد صوفي في حضرات الطريقة الرفاعيَّة «طريقة صوفيَّة ينتشر أتباعها في العراق ومصر وسوريا وغرب آسيا، وتنسب إلى القطب الصوفي أحمد الرفاعي»، ولم تكن هذه هي تجربته الأولى مع الحضرات، إذ يقول: إنه تربى في الحضرة والزوايا الصوفيَّة منذ طفولته؛ حيث كان يصحبه والده إلى هناك.

هذه النشأة الصوفية، يبدو أنها لم تكن كافية لحماية «رحمون» من الانخراط في مشهد متطرف طرأ على المجتمع السُّوري مع اندلاع أحداث 2011، ففي 2012 أسس ما يُعرف بـ«حركة أحرار الصوفيَّة الإسلاميَّة»، التي قيَّم المراقبون تجربتها بأنها مثلت تناقضًا مع الصورة النمطية المأخوذة عن الصوفيَّة، حول كونها منهجًا رافضًا للعنف وحمل السلاح، ويقولون في ذلك إن الحركة جاءت لتقول إن الصوفيَّة بإمكانهم أيضًا حمل السلاح.

«رحمون»، بدوره لم يرَ هذا التناقض، إذ يقول: «هناك مفهوم خاطئ شاع بين الناس بأن الصوفيين لا يتعاطون السياسة، في حين أن التصوف هو منهج روحي قائم على تهذيب الخُلُق وتقويم سلوك الفرد المسلم، والتصوف يمنع المنتسب إليه من تعاطي المحرمات، ويزهدها بالمباحات، لكنه لا يجعل من الشخص الصوفي إنسانًا معزولًا عن محيطه ووسطه»، مشددًا على أن دافعه حين أقدم على هذه التجربة كان صوفيًّا، وهو خدمة الناس كما يقتضي التصوف.

ولكن ما وجه الخدمة في حمل السلاح في مشهد يزدحم بالمتشددين؟ يجيب الشيخ بأنه كان في صف المعارضة مع بداية التظاهرات الشعبيَّة ضد النظام السوري في 2011، ورأى بحكم قربه من المشهد تحكُّم الفكر المتشدد، والتحاق الشباب به بسرعة غريبة، ولقناعة لديه بأن «ذهاب الناس خلف هذه التيارات سيؤدي إلى الخسارة المطلقة والهزيمة المنكرة؛ لأنه لم يَسِرْ أحد في ركاب هذه الجماعات إلا وهُزِمَ»، ذهب إلى تكوين كيان صوفي ينخرط فيه المتصوفة الملتحقون بالمعارضة؛ وفي الوقت نفسه لنفي صفة التطرف والتكفير عن كل فصائل المعارضة.

ورغم ما تضمنه بيان الحركة -التي يعود إنشاؤها إلى 7 أبريل 2012- من أنها تُرحب بالتعاون مع أي فصيل مسلح، بغض النظر عن فكره، طالما معارض للنظام السوري، فإن «رحمون» نفى لـ«المرجع»، أن يكون قد حمل في أي فترة من عمره الفكر المتطرف، ويقول: «أنا لم أعتنق الفكر المتشدد أبدًا، بل أنا على خلاف مع الفكر المتشدد قبل الأزمة، ويوم كنت مع المعارضة، واليوم، وانخراطي مع المعارضة لا يعني أنني أصبحت متشددًا»، ولتأكيد ذلك، أوضح أن منهج «أحرار الصوفية»: «صوفي معتدل غايته الإصلاح وليس التخريب».

ولم يُبدِ «رحمون» أي ندم على حمله السلاح، مؤكدًا أن تجربته كانت وطنية وجيدة، وشهدت إقبالًا من قبل المتصوفة لولا محاصرتها من قِبَل الدول الداعمة للإرهاب التي لم ترضَ بوجود كيان غير تكفيري في المشهد السوري، ولهذا السبب لم تستمر «أحرار الصوفية» إلا عامًا واحدًا، بحسب كلام مؤسسها.

حديث «رحمون» لا يعني وجود رضاءٍ سوري كامل للحركة في نشأتها، إذ تلقت انتقادات داخلية من قِبَل التيارات التكفيرية التي استعانت بالنبرة التاريخية في الهجوم على الصوفية، وكونها تيارًا لا يخرج مطلقًا ضد الأنظمة، وجزءًا من الصوفية أيضًا كانوا ضد الحراك السياسي لـ«رحمون»، إذ كانوا يرون أن الأمان في ظل الأحداث المتسارعة يختصر في الانعزال ودعم النظام.

ولم يكن الشيخ الصوفي النموذج المتصوف الوحيد الذي خاض في العمل المسلح، إذ كانت معه شخصيات مثل الصوفي عبدالقادر الصالح، الذي قاد كيانًا عُرف بـ«لواء التوحيد»، لكن «رحمون» نفى أن يكون هناك أي كيانات مسلحة صوفية اليوم في المشهد؛ حيث حُلت أغلبها أو اندمجت في كيانات أخرى.

إذن.. ما مصير المتصوفة الذين انخرطوا في العمل المسلح بداية الأزمة؟ يقول «رحمون» إن أغلب الموجودين اليوم في صفوف التيارات المتشددة يرجعون إلى أصول صوفية، مرجعًا اندماجهم في هذه الكيانات، لسيطرتها على أغلب المناطق السورية، ومن ثم اضطروا للالتحاق بها، لحماية أنفسهم وذويهم.

ولفت إلى أن نهاية المعارك لصالح النظام سيلحقها عودة هؤلاء المتصوفة إلى الصوفية، وتركهم السلاح على الفور؛ لأن تجربتهم في وسط هذه التنظيمات أكدت قناعتهم بصواب الفكر الصوفي.

ويثق «رحمون» في كون المنهج الصوفي قادرًا على معالجة ما سيتركه المتطرفون في سوريا بعد انتصار الدولة عليهم، قائلًا: إن «السنة من الشعب السوري في جموعها، جاؤوا من خلفيات صوفية أو محبة للتصوف، ومن ثم فنبذ الأفكار المتطرفة أمر مضمون»، مستطردًا: «وكلي يقين بأن سوريا ستعود كما كانت خالية من هذا الفكر الوهابي التكفيري لسببين: إرادة الدولة السورية وجيشها على محاربة هذا الفكر، وقناعة الشعب السوري بخطورة هذا الفكر على سوريا كدولة ووطن».

وتكون المواجهة الصوفية بحسب «رحمون»، عبر الدور الدعوي والتوعوي، مشيرًا إلى أن تلك المواجهة ستكون سهلة؛ لأن الفكر المتطرف لم يكن موجودًا في سوريا قبل 2011 إلا في حالات شاذة ونادرة.

ومن باب الوقاية، أوصى «رحمون»، بضرورة تنظيم حملات فكرية توعوية تنشر الوعي بين الناس، وتُبين لهم مدى خطورة الفكر الوهابي، حتى لا يقعوا بالحفرة مرة أخرى، وفيما يخص مستقبل الصوفية، رأى أنها ستكون أقوى بعد الحرب؛ لكونها اكتسبت مناعةً وقوةً في حجتها، بعد اختبار الناس أفكار المتشددين.

مر «رحمون»، بمراحل عقب تأسيسه لـ«أحرار الصوفية»، إذ انخرط مع التنظيمات التكفيرية في تركيا وسوريا، إلى أن اختفى في 2015، وعاد في ديسمبر 2016 ليسوي أموره مع النظام السوري، وينشغل بالقضايا الإنسانية، مبقيًا على الجانب الصوفي في حياته.

وعن عودته إلى دعم النظام، قال إنه لم يَثُرْ ضد الحاكم ليسمح للمتطرفين من «داعش» و«القاعدة» باعتلاء المشهد في بلده، ولا يعني دعمه الحالي للنظام، أنه راضٍ بشكل كامل عن سياساته، لكن تحفظاته -بحسب حديثه- لن تؤدي إلى الوقوف في صفوف المتشددين المدعومين من الخارج.

الكلمات المفتاحية

"