رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

مبدأ الإخوان.. سم الخيانة في عسل العمل الخيري

السبت 04/مايو/2019 - 01:24 م
المرجع
سارة رشاد
طباعة

مثلت الإطاحة بجماعة الإخوان الإرهابية من سدة الحكم فى مصر، بثورة شعبية عارمة في 30 يونيو عام 2013، صدمة كبرى للتنظيم الدولي للجماعة، وعليه رأت حكومات أجنبية أن 30 يونيو ستغير شكل المنطقة كلها، لا مصر فحسب.


وبمرور الوقت اتضح أن تلك الإطاحة لكي تكتمل تحتاج لمزيد من الجهود لاستئصال أي حضور إخواني، بدليل أن التغلغل الإخواني يعمل وفق آلية موجودة منذ لحظة تأسيس الجماعة الأم في مصر، وحتى اليوم، وترك ذلك التغلغل أو الاختراق مئات الجمعيات التي تندرج تحت مُسمَّى العمل الخيري، إلا أنها تحمل أهدافًا سياسية مريبة، وبالطبع غير معلنة.


مبدأ الإخوان.. سم

من هنا بدأت
البداية تعود إلى المؤسس الأول للجماعة حسن البنّا، إذ أقر لجماعته مبدأ العمل الخيري أو التكافلي، وهو ما يبدو ظاهريَّا أنه عملٌ إسلاميٌ صوفي، لكن الأحداث التي تلت التأسيس أثبتت بما لايدع مجالًا للشك أن الهدف كان ولايزال سياسيًّا لا خيريًّا بالمرة، ولعل فكرة حسن البنا حول «أستاذية العالم» التي تزخر بها أدبيات الإخوان، أبرز دليل على سياسة الجماعة من النشأة بمدينة الإسماعيلية عام 1928م.


ووفقًا لموقع «إخوان ويكي» (الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان) فأول ما دشنه البنّا بالإسماعيلية عقب التأسيس كان مسجدًا وناديًا ومعهدين إسلاميين أحدهما للبنين باسم «حراء»، وآخر للبنات باسم «مدرسة أم المؤمنين»؛ بهدف التوغل أكثر بداخل المجتمع المصري، والوصول لأعرض شريحة ممكنة فيه.


ومن المنطلق الخدمي نفسه، كانت توجهات حسن البنّا، الذي اتخذ مواقف سياسية متباينة من الحكومات خلال الثلاثينيات والأربعينيات، فتّحت لجماعته الأبواب أمام برنامجها الاجتماعي.


ويؤرّخ المفكر السياسي، عمّار علي حسن، في دراسة بعنوان «الشبكة الاجتماعية والاقتصادية للإخوان والسلفيين» لهذه الفترة، فيقول: إن البنّا فضّل الوقوف إلى جانب الملك فاروق في بعض الفترات، وأيد إسماعيل صدقى رئيس الوزراء، في مواجهة حزب الوفد، الممثل السياسى الحقيقى للأمة المصرية آنذاك؛ ليحصل في المقابل على منح من وزارة التربية والتعليم عام 1946، مكنت الجماعة من بناء مدارس تحملت الوزارة نفقاتها التعليمية والإدارية.


ليس ذلك فحسب، إذ ينقل المُفكر السياسي عن  أحمد حسين زعيم مصر الفتاة، أن الإخوان عقدوا مع السعديين صفقة، مطلع الأربعينيات، تسمح للجماعة بدعم السعديين مقابل أن تغض الحكومة الطرف عن مخالفة الإخوان للقانون المصري بتأسيسها «نظام الجوالة».


ويكمل علي حسن، فيقول: إن الجماعة تمكنت من تكوين تفاهمات مع الحكومات المتتالية سمحت لها بتدشين المستشفيات والمدارس تحت رعاية وزارة الشؤون الاجتماعية، لاسيما تأسيسها لجمعية الكشافة التي شاركت في برامج اجتماعية وساهمت في انتشار فكر الإخوان وتغلغله في المجتمع.


وإذ كان «البنّا» استهدف من تفاهماته مع الحكومة والملك ذات الطابع البرجماتي- في أغلب الأحيان- غض الطرف عنه أثناء تكوينه للظهير الاجتماعي، فثمة سبيل مواز حرص البنّا على السعي به لدعم هذا الظهير، وهو خلق نشاط اقتصادي يمثل الممول للأنشطة الاجتماعية.

 


مبدأ الإخوان.. سم

الإخوان ما بعد البنّا

استمرت جماعة الإخوان على قناعتها فيما يخص ضرورة الظهير الاجتماعي، حتى بعد موت البنّا في 1949، إلا أن اصطدام الجماعة بالسلطة الجديدة عقب ثورة 1952، أوقف هذه المشاريع وكاد أن يقضي على أي ظهير اجتماعي عمل المؤسس على تكوينه؛ إذ أقرت قيادات إخوانية بأن جماعتهم كانت على وشك الانقراض بفعل سياسات الحقبة الناصرية؛ لكن الرئيس السادات جاء ليمنحهم قبلة الحياة بفرصة جديدة للبقاء.


ويستندون في ذلك إلى القيادى الإخوانى مصطفى مشهور، الذي صار مرشدًا للجماعة فيما بعد، إذ وجد أزمة في أعداد الكوادر الإخوانية عندما طالبته الدولة بإحياء جماعته من جديد.


ويُقال: إن مشهور عاد وقتها إلى كراسة قديمة كان قد سجل فيها أسماء هؤلاء وعناوينهم وخبأها، ولم يجد من يتواصل معه سوى خمسمائة شخص فقط.


وبفضل المساحة- السياسية والاجتماعية أيضًا- التي تركها السادات للجماعة تمكنت من استعادة تغلغلها الاجتماعي عبر خطابها الدعوي والخدمي، مستغلة غياب الدولة عن بعض المناطق المهمشة، وهو ما استمر خلال فترة حكم الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، الذي فُتحت النقابات في عهده أمام الجماعة، رغم خطاب الكراهية الذي كان يروجه رموز النظام تجاه الإخوان، واعتبرت الجماعة نفسها بديلًا للدولة في بعض المناطق التي أهملتها الدولة- تحت حكم مبارك- لظروف اقتصادية واجتماعية لا مجال لذكرها، وساعد ذلك الجماعة في زيادة  مصادر دخل الجماعة التي تضخمت للغاية في هذا الوقت.


ويحدد الخبير الاقتصادي، عبد الخالق فاروق، في دراسة بعنوان «اقتصاديات جماعة الإخوان المسلمين فى مصر والعالم.. محاولة أولية للتقدير»، هذه المصادر في اشتراكات الأعضاء، التبرعات، معونات تتحصل عليها من دول عربية وجمعيات بأوروبا وأمريكا، لاسيما مشاريع تجارية داخلية وأخرى خارجية، وتدفقات تحصل عليها من برامج الإغاثة الدولية، إلى جانب تدفقات وتمويل ما كان يسمى حركة «الجهاد الأفغانى»، والتى انتقلت فيما بعد إلى بلدان أخرى، آخرها التبرعات التى يتم جمعها لـ«الجهاد في سوريا».


ويتطرق فاروق إلى الجمعيات الإخوانية التي تستند إليها الجماعة في تغلغلها الاجتماعي، قائلًا: إنها تُدار عبر 1055 جمعية أهلية تتبع الجماعة بشكل مباشر أو غير مباشر، وفقًا لإحصاء الحكومة المصرية لجمعيات الإخوان عقب سقوطهم.


ويؤكد هذا الحديث الحكم الصادر عن محكمة الأمور المستعجلة فى 23 سبتمبر 2013، بالتحفظ على أموال 737 قيادة إخوانية داخل مصر وخارجها، وكذلك أموال 1107 جمعيات أهلية ثبت علاقتها بالجماعة، و527 قياديًّا إخوانيًّا بمن فيهم الرئيس المعزول محمد مرسى، علاوة على 81 مدرسة إخوانية، لعدم التزامها بمناهج وقواعد وزارة التربية والتعليم، محددًا إجمالي ما ربحته جماعة الإخوان خلال عام واحد فقط (عام حكمهم لمصر) في مليار دولار.


مبدأ الإخوان.. سم

الجماعة الأم.. دليل أبنائها في البراجماتية

على غرار تجربة الاختراق المجتمعي التي استهدفها الإخوان بمصر، سار نظراؤهم في البلدان العربية، مستغلين تقصير الحكومات، وربما تمثل تجربة امتدادهم في تونس، أحدث هذه التجارب، إذ يقول الكاتب التونسي، مختار الدبالي: إن حركة النهضة تمكنت في الفترة ما بعد الثورة التونسية من مضاعفة عدد جمعياتها الخيرية في المجتمع التونسي؛ لشغل فراغ الحكومة، لاسيما دورها الاجتماعي المتضخم الذي مارسته في فترة حكم الترويكا (2013:2012).


وأكثر ما أثار المجتمع التونسي على خلفية هذا الدور التعاون الذي تقيمه بعض الشركات التابعة للنهضة مع وزارات تونسية، ما فتح النار على هذه الوزارات التي اتُهمت بتسهيل الدور الإخواني في استغلال فقر التونسيين.

 


مبدأ الإخوان.. سم

التغلغل المجتمعي خارجيًّا 

إذ كان السابق يمثل تجربة الإخوان في تكوين ظهير اجتماعي عربيًّا، فثمة دور تتبناه نفس الجماعة في بلدان حول العالم، وأبرزها بالدول الغربية.


ووفقًا لخبير شؤون المجموعات المتطرفة، الهولندي رونالد ساندي، بمركز أبحاث «ميدل إيست فورام» الأمريكي، فقطر تنفق مبالغ ضخمة على مؤسسات خيرية تعمل في المجتمعات الغربية لحماية حلفائها الإسلاميين، وأبرزهم الإخوان، مضيفًا أن الدوحة تعتمد في ذلك على منظمة «قطر الخيرية»، التي أسست لها فرعًا في لندن 2012، يديره شخصيات إخوانية.


ويري الباحث: أن الفرع البريطاني للمنظمة القطرية وسّع أنشطة سريعًا في كل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، لاسيما التعاون الذي أقامه مع «اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا» وهو المظلة الإخوانية للجماعة في أوروبا.


ليس ذلك فحسب، بل بدأت «قطر الخيرية» في توسيع أنشطتها في أمريكا، حتى أنها شرعت في بناء مركز إخواني بولاية تينيسي، يحمل اسم «مركز ممفيس الإسلامي»، يقوده الإخواني الأمريكي البارز ياسر قاضي.


 وإلى جانب «قطر الخيرية» المهتمة بالعمل في أوروبا وأمريكا، فهناك «عيد الخيرية» التي تركز نشاطها في أفريقيا وآسيا إلى جانب القارة الأوروبية مؤخرًا.


ويقول الباحث الهولندي: إن في أوروبا، تتعاون «عيد الخيرية» بشكل وثيق مع المنظمات السلفية في السويد وألمانيا وهولندا وكوسوفو، ويؤكد أن المعلومات تؤكد تبعية مؤسسة «عيد الخيرية» لقطر، بينما توفر تركيا الحاضنة الجغرافية لجميع مؤتمراتها.


ويمتلك أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بهجت قرني، تفسيرًا لاهتمام الإسلاميين بالتغلغل الاجتماعي، قائلًا في دراسة بعنوان: «من السجن إلى السلطة والعكس: تجربة حكم الإخوان المسلمين فى (جمهورية مصر العربية): إن تلك الجماعات اهتمت بتكوين عمق مجتمعي في مقابل ما يسمى بالدولة العميقة، معتمدين في ذلك على اختراق الريف والمناطق ذات المستويات الاجتماعية الدنيا التي تعتبر القاعدة الاجتماعية الأكثر أهمية».

"