رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

البغدادي في رسالة الموت التقليدية.. أنا بن لادن

الخميس 02/مايو/2019 - 12:41 م
أبو بكر البغدادي
أبو بكر البغدادي
ماهر فرغلي
طباعة

في الفيديو الذي يحمل عنوان "في ضيافة أمير المؤمنين"، ظهر البغدادي بنفس صورة بن لادن التي كان يخرج بها في إصداراته، مفترشاً الأرض، ممتلئاً بالدهن، بلحية طويلة بيضاء مخضبة بالحناء على الأطراف، واضعاً منديلاً أسود على رأسه، وخلفه سلاح آلي بجانب آخرين أخفيت وجوههم لمدة 18 دقيقة، ليقول في البداية "إن معركة الباغوز انتهت".

يعتبر الفيديو الذي ظهر به البغدادي أمس هو الظهور الأول له منذ تموز/ يوليو 2014. حيث تطرق فيه إلى الاعتداءات التي استهدفت سريلانكا في عيد الفصح وتبناها التنظيم المتطرف، ليؤكد حداثة تصوير هذا الإصدار، الذي أنتجته وكالة الفرقان للإعلام التابعة للتنظيم.

أكد ظهور البغدادي على أنه على قيد الحياة، وأن تلك الدعاية التي تحدثت عن مقتله أو إصابته كانت خاطئة وغير صائبة، وأن استراتيجية التنظيم الذي يقوده سيعتمد على تحويله من مركزي منحسر، إلى عابر للقارات، فالانتشار الأيديولوجى لن يتحقق نسبياً عبر العمليات المسلحة بقدر ما يتحقق عبر شبكة التنظيمات والجماعات المختلفة، التي تمثل الرصيد الفعلي لأي اختراق محتمل وواسع النطاق، وهذا هو ما أكد عليه حين قبل البيعات الجديدة.

قال البغدادي في بداية إصداره وفق وكالة الأنباء الفرنسية، إن "معركة الباغوز انتهت" (في إشارة إلى طرد التنظيم من آخر جيوبه في شرق سوريا قبل ما يقارب الشهر)، وإن "الله أمرنا بالجهاد ولم يأمرنا بالنصر"، مؤكدا أن الاعتداءات الأخيرة التي استهدفت سريلانكا في عيد الفصح وتبناها تنظيم "الدولة الإسلامية" جاءت "ثأرا" للباغوز.

أصرّ البغدادي على أن "معركة الإسلام وأهله مع الصليب وأهله معركة طويلة، وأنه سيكون بعد هذه المعركة ما بعدها"، مشيراً إلى أن مقاتلي التنظيم المتطرف الذي مني بهزائهم عسكرية متتالية على مدى السنتين الماضيتين "سيأخذون بثأرهم".

تحدث عن الباغوز وقوة الحملة على التنظيم، مؤكداً أن الحرب لم تنته بعد، وعن القادة السابقين ذاكراً كنياتهم في الإعلام أو الناحية العسكرية.

كما أكد على عملية سريلانكا، ثم قبل بيعات جديدة، ومنها بوركينا فاسو ومالي، مشجعاً الأمير أبو الوليد الصحراوي، وقبل بيعة جديدة بأفغانستان، مشيراً إلى أن الفترة المقبلة اسمها الاستنزاف والمباغتة.

لقد كتب في صفحات للتنظيم في إعلان الفيلم أنه أمير الدولة الإسلامية، ولم يكتبوا الخليفة، ليؤكدوا على انتهاء السيطرة المكانية، وظهر الرجل وحوله ملثمون ويمينه رجل يقدم له ملفات، منها ملف خاص بسيناء المصرية، التي خصها بالحديث، وتحدث عن أمرائها، وذكر كنياتهم، وكلهم سعوديون، ما عدا واحد عراقي، وآخر سيناوي، وآخرهم السعودي أبو مصعب، الذي خصه بالثناء، ثم تحدث عن ليبيا مشجعاً عناصره على إكمال العمليات بها، ومؤكداً على أن التنظيم قام خلال الشهر الماضي بأكثر من ٩٢ عملية.

طقوس الموت الواحدة

كانت نفس التعبيرات، والصياغات اللغوية بعينها، هي التي كتبها سيد قطب، وذكرها أسامة بن لادن، وأعادها أبو بكر البغدادي.. المفاصلة.. المرتدين.. الجهاد.. دار الكفر.. الحرب الجهادية التي لا تنتهي.. هي بعينها نفس الكلمات وتعني أن داعش لم ولن تقبل بوجود المختلف.. ورسالة التكفير موجهة للجميع.. ومن هنا تتحول الرسالة إلى العنف، الذي يريده الرجل ممارسة جماعية تساهم في استمرار طقس الموت وتحويل القتل إلى مهنة، والإنسان من خائف إلى مخيف.

وتساهم صورة المجلس الذي يتوسطه البغدادي، والعنوان (في ضيافة أمير المؤمنين) في ترسيخ حالة الاسترخاء والهدوء، وعدم المبالاة بالهزيمة، واستمرار التحشيد، والتحريض، وقبول البيعات ليوصل من خلالها المفردات التالية:

-          لا تحولات عقدية داخل أيديولوجية التنظيم.

-          استمرار عمليات التجنيد والاستقطاب، وتحولات القاعدة تجاه داعش، كما في الحالة التي ذكرها وهي أبو الوليد الصخراوي في بوريكنا فاسو ومالي.

-          انتقال العمليات من حروب النخبة إلى الخلايا.

-          سياسة التنظيم الجديدة هي الاستنزاف، التي ستعتمد على عمليات مفاجئة مباغتة وفي مكان متغير غير متوقع ولا يحدها حدود.

-          استمرار التنظيم بالعراق وسوريا والمعركة التي ستطول في أماكن التمركز القديمة.

-           الهيكلة الأمنية الجديدة للتنظيم الذي سيدار من قبل الأمنيين وليس العسكراتيريين القدامى.

استراتيجيات الاستنزاف

تحدث البغدادي عن سقوط عمر البشير في السودان، وما يجري بالجزائر، منتقداً ثورات الشعوب، ومؤكداً أن الجهاد وحده هو السبيل، والغريب أنه أشار إلى العملية الفاشلة في المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن لها ما بعدها، ومهاجماً في ذات الوقت حكامها، في استمرار لسياسته الرامية دائماً إلى التشكيك في إسلاميتها.

إن مناكفة الأنظمة وتحول التنظيمات من الملاذات الآمنة فيما بعد للبحث عن أخرى مؤقتة، واضح في هذا الإصدار، وظهور البغدادي في هذا التوقيت وبعد خروجه من آخر جيب له في (الباغوز) جاء ليؤكد على التحول إلى استخدام استراتيجيات الاستنزاف، التى أطلق عليها تنظيمه فى أحد بياناته من قبل «المنازلة«.

إن هذا التنظير ليس جديدًا، بل هو تنظير استخدمه القاعدة، وأطلق عليه «المناكفة الجهادية للأنظمة العربية»، وبرز هذا التنظير خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حتى بدأت الحرب الأفغانية السوفيتية، وبرز ما يسمى «الجهاد التضامني»، وأطلق قادة الحركة على المنابر شعار «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم». عقب فترة أفغانستان برز الجهاد «النكائي»، أو ما أطلق عليه بن لادن «قاعدة الجهاد»، وأطلقت عليه الجماعة الإسلامية، وتنظيم الجهاد «دفع الصائل»، ومع بروز العولمة، ثم الاحتلال الأمريكى للعراق، ظهر ما يسمى الجهاد «التضامني»، وظهرت الشبكات الجهادية، الذى بدأ بربط التنظيمات المحلية، بتنظيمات مماثلة إقليمية، دمجت كل الأبعاد من قتال العدو القريب إلى البعيد. ففى الوقت الذى أصرت فيه قيادة القاعدة على أولوية قتال العدو البعيد، والمضى قدما فى مناكفة «الصليبيين» عبر حروب النكاية، كان داعش يقاتل عبر استراتيجيات التمكين، وحين انتهت دولته، عاد مرة أخرى إلى ما قبل عام 2006، أي حروب الخلايا، واستنزاف الأنظمة، عن طريق ضرب اقتصادها وأمنها والأقليات.

لقد تغيرت استراتيجية داعش الآن نتيجة الانقلاب فى الظروف التي جرت، وهنا تبدلت التكتيكات بحسب الوقائع الناشئة، لكن هذا لا يمكن أن يكون إلا فى بيئة فاشلة، ومن هنا يتبين أن عمليات التنظيم المقبلة والمتوقعة سترتبط بشكل أو بآخر بالواقع الذى يمكن أن يتحكم فيه التنظيم، وبالوضع على الأرض أو ما يسمونه بـ«فقه الواقع»، لأنه لا يستطيع العيش والعمل والتخطيط إلا فى بيئة مضطربة ومنقسمة على نفسها أو مرشحة للانقسام، أو مناطق فوضى، أو معازل اجتماعية وسياسية، أو ضمن تجمعات مذهبية أو طائفية، أو ذات نزاعات مسلحة واضطرابات سياسية.

من المؤكد أنه بعد هذا الإصدار وفقد داعش أماكن الجبهات المفتوحة لم يعد لديها من سبيل إلا اعتماد استراتيجية بناء السرايا الصغيرة ذاتية النشأة والتكوين والدفع والمنقطعة عن بعضها، والعمل بصورة منفردة بعيداً عن الأمير المؤسس لها، والالتجاء لسياسة توسيع ساحة المواجهة، وهذا أخطر ما يمكن تصوره، لأنها ستجعل بلدان العالم مجتمعة أو منفردة ساحة مواجهة حقيقية بكل ما يترتب على ذلك من كوارث، فصناعة مساحات شاسعة للتحرك حتى لا يتمكن أحد من محاصرة رجال البغدادي، يعنى أن المواجهة القادمة ستطول.

في نهاية الإصدار يلتقف البغدادي ملفات كل منها مكتوب عليه اسم "ولاية" من ولايات التنظيم، وبالصورة البطيئة يقلب الأوراق ثم يعطيها لحارسه، في إشارة إلى التحول الجديد من الدولة إلى التنظيم، ومن السيطرة المكانية إلى فلسفة المواجهة الجديدة وهي الضربات المباغتة، والاستدراج الاستراتيجي، والمواجهات الطويلة، ومن قوات النخبة بسوريا والعراق إلى الخلايا الشاردة.

يفصل ما بين ظهور البغدادي في جامع الموصل والظهور الأخير في مكانه المجهول تلك الصورة التي أراد أن يوصلها، الأولى وهي الخليفة المتمكن من الأرض بزيه الأسود العباسي، الذي صعد على المنبر واعداً بالمكاسب التى ستتحقق وأنه سينتصر بالنهاية، وأن دولته هي الباقية، كما نبؤة دابق التي ستتحقق على أيدي أتباعه، والثانية صورة الرجل الذي يعترف بهزيمته بكل هدوء، ناعياً رفقاء الدرب، ومتوعداً بالجحيم، وأن استمراره في المواجهة هو انتصاره الحقيقي الذى يبحث عنه.

الكلمات المفتاحية

"