رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

وجوه وأجنحة الإخوان الـ(عشرة) بالسودان

الثلاثاء 16/أبريل/2019 - 11:12 ص
المراقب العام لجماعة
المراقب العام لجماعة الإخوان بالسودان
ماهر فرغلي
طباعة

يؤكد البيان الذي نشره المراقب العام لجماعة الإخوان بالسودان عوض الله حسن سيد أحمد على صفحته في فيسبوك، والذي دعا فيه جماهير الشعب لمواصلة اعتصامها في الميادين وأمام القيادة العامة للجيش حتى يتحقق التغيير، أن هناك كثيراً من الوجوه، كما بالضبط كثيراً من التنوعات، لكن المحصلة النهائية هي أن تلك الأجنحة التي بينها صراع مكتوم هي شيء واحد وهو جماعة الإخوان بالسودان، التي تخضع كحركة بشرية إنسانية لما تخضع له الحركات الأخرى من وجود رؤى مختلفة، لكنها تسعى لتحقيق ذات الهدف، وهو الوصول للسلطة.

الطبيعة الهلامية للجماعة

بعد بيان المراقب العام للجماعة بدأ يطرح السؤال: من الذي يريد الثورة بالميدان، ومن الذي كان في قصر الحكم؟!.. وأية خلافات بين المؤتمر الشعبي العام وبين جماعة الإخوان؟ وما الفروق بين المؤتمر الشعبي العام والمؤتمر الوطني الحاكم، أليس كلهم إخوان؟.. إنها أسئلة منطقية، لكنها بذات الوقت تشير إلى الطبيعة الهلامية للجماعة.

لقد بدأ الإخوان المسلمون في السودان في الأربعينيات كامتداد لحركة الإخوان التي أسسها البنا في مصر، لكنها اكتسبت وجوداً مستقلا بنظريات خاصة بها، بعد قضاء عبد الناصر على المنظمة الام في الخمسنيات، وظهرت في خلال هذه الفترة وجوه متنوعة للجماعة بنكهة يسارية اشتراكية، وكان منها: الحزب الاشتراكي الإسلامي، الذي تأسس عام 1949 ـ 1954، بمجهود طلاب جامعة الخرطوم بقيادة “بابكر كرار” و”ميرغنى النصرى” وغيرهم، ولم يكن لهذا التنظيم ارتباط مباشر بجماعة “الإخوان”، لكنه وقادته تأثروا بالكتيبات والمجلات الصادرة إليهم من مصر.

التقى قادة الحزب بوفد زائر من حركة الإخوان في عام 1952 وتحاوروا معه مطولاً حول اقتراح بالالتحاق بالحركة بحيث تصبح فرعاً لها بالسودان على غرار ما تم في الأردن وسوريا والعراق وغيرها، لكن اللقاء انتهى بدون اتفاق، ما شجع فيما بعد على التداخل بينها، حيث كان بعض أعضاء حركة الحزب يرتادون منتديات حركة الإخوان التي كان يتزعمها علي طالب الله، لدرجة أنه صار من الصعب التمييز بين التيارين.

الهلامية والتداخل أدى إلى استقالة زعيم الحزب في أواخر عام 1952، وفي أغسطس/آب 1953 قرر بابكر كرار العودة وتدبير "انقلاب" ضد الإخوانيين، حيث إعادة التأكيد على اسم حزب التحرير الإسلامي الاشتراكي وبرامجه التي تتمحور حول الاشتراكية الإسلامية. وقد جرت محاولة لحسم هذه الخلافات بعقد مؤتمر آخر في أغسطس/آب 1954، اشتهر بمسمى مؤتمر العيد، حيث قرر تسمية الحركة رسميا باسم الإخوان المسلمين وانتخب لها قيادة جديدة على رأسها أمين عام (اختير محمد خير عبد القادر للمنصب)، لكن هذا الإجراء أدى إلى مزيد من الاضطراب والانشقاقات، حيث أعلنت مجموعة كرار انفصالها وأطلقت على نفسها اسم الجماعة الإسلامية، بينما اعترضت مجموعة علي طالب الله على المؤتمر ونتائجه وتمسك طالب الله بشرعية قيادته، وتمت تسوية الخلافات جزئياً وتم انتخاب قيادة جديدة من أنصار طالب الله، حيث أصبح المحامي الرشيد الطاهر بكر هو المراقب العام للجماعة.

الترابي وسودنة الإخوان

نشأت خلال فترة الخمسينات والستينات تشكيلات عدة تنسب نفسها إلى الإخوان، حتى ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في السودان بشكل رسمي عام 1954 ـ 1964، وكان مراقبها الأول هو “محمد الخير عبد القادر"، وفي هذه الفترة التحق أعضاء سوادانيون بالحركة في مصر، كان أبرزهم جمال السنهوري، الذي أصبح مسؤول قسم أفريقيا في مكتب الاتصال بالعالم الإسلامي، وصادق عبد الله عبد الماجد.

وظهر الترابي الذي أعلن عن تأسيس جبهة الميثاق الإسلامي: عام 1964 ـ 1969، كتحالف إسلامي بين “الإخوان المسلمين” و”السلفيين” والطريقة “التيجانية” الصوفية، وكانت جزءاً من الإخوان المسلمين، ويقود مكتبها التنفيذي وزير الثروة الحيوانية “محمد صالح عمر”، وتم اختيار الترابي كأمين عام، لكن تم رفضه من قبل “محمد صالح عمر”، والشيخ “محمد مدني سبال”، والشيخ “جعفر الشيخ إدريس”، والشيخ “على جاويش”، الذين انشقوا وأسسوا جماعة “الإخوان”، التي يترأسها الآن المراقب العام "عوض الله حسن سيد أحمد".

وثق السوداني منصور خالد في كتابه (الفجر الكاذب) وجهاً جديداً للجماعة، وهو (الاقتصادي) حيث بدأ تغلغلها في أطراف الدولة بالتركيز على جانب الإقتصاد والمال واستغلال النفوذ والتشريع بما يخدم مصالح عصبتهم، فتأسست البنوك الإسلامية التي كانت تنال قسطاً وفيراً من عدم المراجعة الحكومية، وتم وضعها خارج نطاق مسئوليات بنك السودان المركزي، بحجة أنها تحرم الربا وجاءت بالجديد غير الذي كان في ذلك العهد، الذي وضع فيه الإسلاميين بداية أقدامهم في سلم الترقي لأعلى مراتب التشريع والتنفيذ، والمفارقة أن ذات العصبة عادت للتحدث عن جواز القروض الربوية خلال السنوات الأخيرة.

وحينما تم تأسيس التنظيم دولياً في بداية السبعينيات كان “الترابي” ـ الذي سيطر على الجماعة في السودان ـ لا يريد أي صلة بالحركة الأم في مصر تنظيمياً وتربوياً وفكرياً، وهذا ما جعل الحركة العالمية تتهيبه، على الرغم من اتصال الدعم المعنوي والمادي، حتى انقطعت هذه الصلة في عام 1988م حينما حاول “الترابي” أن ينشئ تنظيماً موازياً للتنظيم العالمي ووصفته الجماعة الأم آنذاك بـ” تنظيم الضرار”، وأصبحت حركة “الترابي” منفلتة وبعيدة عن النبض الإخواني العام للتنظيم.

الجناح الإخواني نجح في الالتزام بتعليمات مكتب الإرشاد العام ومجلس الشورى العام بمصر، وحتى الآن هو جناح تنظيمي خالص، يتميز بتقديمه التربية التنظيمية على حساب السياسية، ويختلف عن الجناح (المسودن) الذي كان يقوده حسن الترابي حتى وفاته، والذي أصبح اسمه فيما بعد (الجبهة الإسلامية القومية) وخطط ونجح في الولوج إلى باب الاقتصاد والسيطرة على مراكز السلطة والثروة، بدءاً من عام 1986 ـ 1989.

الوجه الإخواني المتمصّر

بعد أن ولج من باب الاقتصاد والسياسة نجح الترابي في انقلاب 30 حزيران (يونيو) 1989، وظهر في هذه الآونة وجهان في الجماعة: الأول إخواني، والثاني سلفي، وانتهى الخلاف بينهما إلى انشقاق جماعة «الإخوان» -جناح أبو نارو- وجماعة «الإخوان المسلمون ـ الإصلاح»، التي غيرت اسمها لاحقا إلى «جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة»، وأعلنت فيما بعد بقاءها داخل التنظيم الأم بحجة أن ما حدث كان «خصماً وتلبيساً على المنهج، وخلطاً المواقف، وحيرة للمدعو، وحرجاً على الداعي».

في هذه الآونة تأسس حزب المؤتمر الوطني الحاكم عام 1994، وبعد الخلاف بينهما أسس الترابي حزب المؤتمر الشعبي عام 1999، ليكون حزباً معارضاً، ولتتحول العلاقة بين التنظيم الإخواني المتمصّر ونظام الرئيس “البشير” إلى علاقة تكاملية أكثر من أي وقت مضى لحاجة الطرفين الى بعضهما البعض، وهذا ما سيفسر فيما بعد استقبال السودان للهاربين من جماعة الإخوان عقب وصول السيسي للحكم بمصر.

وفق ما كتبه مسلم محمد هنيدي بالمركز الديمقراطي العربي، توغلت الجماعة عبر السيطرة على الاقتصاد السوداني، وأسست الشركة المصرية الإسلامية، وشركة كنانة، والشركة المتحدة للحديد والصلب، وكانوا من أسباب الانهيار الاقتصادي في السودان، وذلك لأنهم ضاربوا بأموالهم في الدولار، كما بدأوا يسحبون أموالهم من السوق ويضخونها في عمليات نوعية. كما توسع النشاط الاقتصادي للإخوان في السودان، واتجه للولايات السودانية، وخاصة مجال السلع الاستهلاكية والسلع الكمالية، ولهم حاليًا نشاط اقتصادي بالمدن الريفية كمدينة “كسلا” و”مدني” و”الأبيض”، وذلك بعد قرار إبعاد نشاطاتهم الاقتصادية عن العاصمة، ليتمثل وجودهم الاقتصادي قاعدياً في تلك المدن بورش ومكابس حديد، ومحال تجارية.

وشكّلت السودان نقطة التقاء وبيئة مناسبة لجمع شتات الإخوان الهاربين من الملاحقات الأمنية والشعبية في مصر، وكذا شكلت بيئة مناسبة لجمع وحشد كل العناصر الحركية التي تستهدف الداخلين المصري والليبي أو غيرهما في أفريقيا والمنطقة العربية بالمشاركة في عملية الخراب والتدمير.

يضيف: فتح “البشير” البلاد للراغبين بالإقامة الدائمة من الإخوان وذلك بعد أن وجه التنظيم الدولي للإخوان أتباعه في مصر وقطر وتركيا ومناطق أخرى بالسفر للسودان للإختباء والاستقرار، أو حتى العمل فيه بعقود بسيطة، لتصبح السودان مقر إقامة دائمة للعديد من عناصر الإخوان المسلمين، بعد أن كانت مجرد منفذ للخروج من مصر هرباً إلى قطر وتركيا بعد تورطهم في عمليات إرهابية في مصر.

وساعدت سياسة التوظيف بالمؤسسات الإسلامية التى فضلت المتدينين إلى ارتقاء طبقة جديدة من رجال الأعمال الذين أصبحوا أغنياء في يوم وليلة وفتحت مجالات من التحرك الاقتصادى للكثير ممن كانوا سيصبحون، في أعلى تقدير، موظفين كبار بالخدمة المدنية، وفتح ذلك المجال للفساد المتجذر بالدولة والذي أدى إلى سقوط حكم البشير فيما بعد.

ومع علاقة الجماعة بالسلطة متمثلة في عمر البشير، ومع المناورة التي كان يقوم بها الأخير لاستخدام الجماعة لمواجهة خصومه، جرى انشقاق جديد داخل الجماعة الحركية التنظيمية، بين رفقاء الأمس؛ الشيخ الحبر يوسف نور الدائم، والشيخ علي جاويش، اللذيْن رفضا من قبل ابتعاد الترابي عن التنظيم المصري.

حسب بيان المراقب العام للجماعة الشيخ علي جاويش قبل عامين من الآن، فإنه اتخذ قراره بحل مجلس الشورى بسبب ما أسماه: محاولات جيوب حرف خط الجماعة عبر محاولتهم إخراج الجماعة من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وترفيع أعضاء للمؤتمر العام دون المرور بأمانة التربية والعضوية، وأن هذه المجموعة أعلنت أنها ترغب بتحويل الجماعة لحزب سياسي.

واجتمع مجلس شورى الجماعة بشكل طارئ ونظر في قرارات المراقب العام فوجدها تهدد وحدة الجماعة ولها تداعيات سالبة جدا؛ فقرر المجلس اتخاذ قرارات حاسمة هي: عزل المراقب العام الشيخ علي جاويش، وتجميد عضوية أعضاء المكتب التنفيذي الذين أيدوه، ومبايعة المراقب العام السابق للجماعة، الشيخ الحبر يوسف نور الدائم، مراقباً عاماً مؤقتاً لحين انعقاد المؤتمر العام، والذي قرر في النهاية تكليف الشاب الأربعيني، عوض الله حسن، طبيب، بتولي المراقب العام في ديسمبر (كانون الأول) 2017، مقابل تنحية المراقب العام السابق للجماعة الشيخ علي جاويش.

ما نود قوله في الختام، إنه برزت الوجوه الإخوانية السودانية كأكبر مثل على الاستخدام الحركي الخفي من أجل المرور بالمجتمع، وتسويق المرونة الأيديولوجية والسياسية، عبر صناعة تنظيمات مختلفة تستطيع عقد التحالفات مع قوى سياسية غير إسلامية وأحيانا غير مسلمة، واستخدام ذلك في توغل التنظيم، ومن هنا يجيء بيان المراقب الإخواني عقب الإطاحة بحكم البشير كدليل واضح على كيفية تحقيق ذات الهدف، وهو القفز للسلطة.

 

"