رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

«الشعوبية» والسياسات العالمية.. علاقات معقدة وصدامات دورية

الأحد 31/مارس/2019 - 09:52 م
الاتحاد الأوروبي
الاتحاد الأوروبي
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة
تعد «الشعوبية» خطرًا جسيمًا على الديمقراطية الغربية، كون الشعوبيين دومًا ما يكونون قوميين ويتسمون بمعارضة الإندماج مع أي دول أخرى نظرًا لما يمثله الاندماج من ضرر جسيم على الثقافة المحلية وسيادة اتخاذ القرار الوطني. 

وبالتأكيد سوف تزداد الأمور سوءًا إذا ما تمكن «الشعوبيين» من الوصول إلى سدة القرار في عديد من الدول الأوروبية، الأمر الذي يهدد بدمار الاتحاد الأوروبي نفسه وتدمير نسيجه الاجتماعي الذي يتسم بالتنوع، حيث لا تفرق القوانين المحلية بين السكان المحليين وغيرهم من المهاجرين، وإن كان هناك تمييز مجتمعي محدود. 

بصفة عامة، تندمج الدول من أجل تحقيق التنمية الإقتصادية وحفظ الأمن القومي، وتم تشكيل الاتحاد الأوروبي وفقًا لاتفاقية «ماستريخت» في بداية التسعينيات من القرن الماضي، لكن خطة تشكيل الاتحاد نفسه، بدأت قبل ذلك بفترة طويلة للغاية، حينما تم إنشاء مجتمع للحديد والفحم بين خمس دول أشهرهم فرنسا وألمانيا في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. 

وفقًا للشعوبيين البريطانيين، فقد أثر الاتحاد الأوروبي بالسلب على نسب العمالة بالنسبة للبريطانيين، إذ منح الأوروبيين وغيرهم الفرصة للذهاب إلى بريطانيا ومنافسة أصحاب البلد على وظائفهم، وقد كان هذا الادعاء أحد أهم مرتكزات حملة «بريسكت» للخروج من الاتحاد الأوروبي. 

وعلى صعيد متصل، يري عدد من الشعوبيين أن فكرة الإندماج مع غيرهم من الدول تأتي بالضرر على الثقافة المحلية، إذ أن اختلاط السكان بغيرهم من الشعوب يأتي بتأثير ضار على اللهجة المحلية، بل يدفع نحو إنشاء أنماط ثقافية شاملة تحتوي كل الخلافات بين الثقافات المتنوعة، وهو الأمر الذي قد يسهم في تلاشي التراث المحلي لبعض الدول مع مرور الوقت. 
الاتحاد الأوروبي
الاتحاد الأوروبي
الحدود المفتوحة 

في الإطار ذاته، يرفض الشعوبيون فكرة الحدود المفتوحة ويعتبرونها تهديدًا واضحًا على أمنهم القومي، وبما أن الاندماج الاقتصادي في أمس مراحله يتطلب فتح الحدود من أجل تسهيل عبور العمالة والبضائع والخدمات المتنقلة، فإن الشعوبيين يقفون بالمرصاد لفكرة الاندماج الاقتصادي، ويعتبرونها آلية تستغلها التنظيمات الإرهابية من أجل المرور وتهديد أمنهم القومي، ولذلك يطالب الشعوبيون والأحزاب اليمينية المتطرفة بإعادة التفاوض حول اتفاقية «شنجن» وجميع الاتفاقيات التي من شأنها أن تمثل تهديدًا للأمن القومي بشكل غير مباشر. 

ويقصد من كلمة «غير مباشر» هنا أن الاتفاقية تم إقرارها من أجل تحقيق غاية معينة، لكنها رغم تحقيقها لهذه الغاية، تحمل أضرارًا جانبية واضحة لا يمكن تجاهلها، ومثال ذلك، هجمات باريس الإرهابية في 2015، إذ تم التخطيط للهجمات في بروكسل وتم تنفيذها في باريس، ما يؤكد أن مزاعم اليمين المتطرف في هذا الشأن مبررة للغاية. 

وتعد فكرة القومية إحدى أهم النقاط التي من أجلها يرفض اليمين المتطرف فكرة الاندماج الاقتصادي والسياسي مع غيره من الدول، إذ أن الأجيال الجديدة يتم تنشئتها على الولاء للقومية العابرة للحدود فضلًا عن القومية الوطنية، فعلى سبيل المثال نجد أن عددًا من الألمان الآن لديهمم انتماء للاتحاد الأوروبي يضاهي اعتزازهم بقوميتهم الوطنية الألمانية، وهو الأمر الذي يعتقد اليمني المتطرف أنه يمثل خطرًا جسيمًا على الأمن القومي. 

وتأتي فكرة «السيادة الوطنية» في مقدمة أولويات اليمين المتطرف، وبعبارة أخري، ماذا سوف يحدث إذا تبنت مؤسسة قارية تابعة للاتحاد الأوروبي قرارًا الزاميًا ترفضه المؤسات الوطنية داخل الاتحاد نفسه. 

الإجابة واضحة، إذ يجب على المؤسسة الوطنية أن تقوم بالالتزام بقرار المؤسسات الاتحادية وإلا سوف يتم توقيع عقوبات عليها قد تتضمن حرمانها من حق التصويت لفترة زمية محددة وفقًا للإجراءات المتخذة داخل الاتحاد. 

والمثال على هذه الحادثة واضح للغاية، إذ دار جدالًا ساخنًا بين عدد من الدول الأوروبية بخصوص اللاجئين، فألمانيا أرادت أن تعيدهم للدولة الأولي التي استقبلتهم، وهو الأمر الذي رفضته ايطاليا كونها دولة شاطئية تستقبل العديد من اللاجئين بسبب موقعها، قبل أن يتفق البلدان على إعادة توزيع اللاجئين على كل الدول الأوروبية، وهو الأمر الذي رفضته بولندا والمجر معتبرة إياه تهديدًا للأمن القومي. 

وقد استغلت حملة «بريسكت» فكرة تأثير الاتحاد على السيادة القومية، من أجل حشد نسب تصويت مرتفعة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ روج القوميون لفكرة أن الاتحاد الأوروبى يحتل بريطانيا ويفرض عليها قرارات ضارة بالسيادة الوطنية. 

كما يري اليمين المتطرف أن سلطة الاتحاد يمكن أن تمارس تأثيرًا واضحًا على السيادة المحلية، وهو الأمر الذي يعد انتهاكًا للسيادة المحلية، فعلى سبيل المثال، مارس الاتحاد الأوروبي ضغطًا واضحًا على الحكومة الإيطالية برئاسة سيلفيو بريلسكوني وأجبرته على الاستقاله وتسليم السلطة لماريو مونتي في 2011، قبل أن يتم عقد انتخابات جديدة في 2013 فازت بها حركة «النجوم الخمسة» الشعوبية بنسبة 25.6 % متفوقة على الحزب الديمقراطي الذي حل في المرتبة الثانية بنسبة 25.4 %. 

وربما صب هذا التدخل في صالح الحركة الشعوبية في ايطاليا لكن بصفة عامة، يتدخل الاتحاد الأوروبي ويمارس ضغوطًا من أجل تحييد نفوذ اليمين المتطرف الرافض لفكرة الاتحاد الأوروبي نفسه. 
ترامب
ترامب
مخاوف التهاوى

في السويد، تطالب الأحزاب اليمينية بإعادة التفاوض حول الاتفاقيات الأوروبية مهددة بمغادرة الاتحاد في حالة عدم تحقق مطلبهم، ما يعني أن أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الشعوبية في حال وصولها للحكم فإنها سوف تدفع بالاتحاد الأوروبي نحو الهاوية، وستعود كل دولة لاستخدام عملتها الوطنية مرة أخرى، وستعود النزعة القومية لتصبح أكثر قوة، وهو الأمر الذي سوف يدفع النزاعات العرقية للعودة مرة أخرى. 

ويسعى الشعوبيون لتعظيم مصالح دولهم القومية من خلال اتباع سياسات صدامية غير تعاونية، فعلى سبيل المثال، ومنذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم بالولايات المتحدة في 2016، أثار نوعًا من عدم الاستقرار في علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها حول العالم. 

وبعبارة أخري، أثار ترامب جدلًا مع الدول الأوروبية مطالبًا إياها برفع نفقاتها العسكرية لتصبح 2% من إجمالي الناتج المحلي، معتبرًا أن الولايات المتحدة هي من تتحمل العبء الأكبر في حماية الأوروبيين. 

وطلب «ترامب» زيادة النفقات العسكرية دون أن يضع في الاعتبار أن عددًا من الدول الأوروبية صغيرة الحجم وليس لديها جيشًا ذا عدد كبير العديد، وتعد أيسلندا مثالًا لذلك. 

في عام 1999 حقق حزب نمساوي شعبوي يسمي ( FPO) المركز الثاني في الانتخابات المحلية بنسبة 26.69 %، وبناء على ذلك، قام هذا الحزب بتشكيل حكومة ائتلافية مع الحزب المحافظ ( OVP) في فبراير عام 2002. وإثر ذلك، توترت العلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي والنمسا ووصلت بين الطرفين إلى مستويات بيروقراطية تامة، وقام الاتحاد بتهديد النمسا بفرض عقوبات عليها، قد تتضمن تجميد حقها في التصويت في المجلس الأوروبي، إذا خالفت قوانين الاتحاد، وهذا يؤكد دعاوي اليمن المتطرف التي استندت عليها حملة «بريسكت» حينما روجت لأن الاتحاد الأووربي يتدخل في شؤون دوله الأعضاء الداخلية ويمارس تأثيرًا سلبيًّا عليها. 

في النهاية، من المؤكد أن قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع عددٍ من القضايا الأمنية والإقتصادية المهمة، مثل الهجرة والإرهاب، سوف تلعب دورًا في تحديد دور اليمين المتطرف في الفترة المقبلة سواء بالصعود أو بالهبوط. 

الكلمات المفتاحية

"