رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

نمو وهمي.. اقتصاد تركيا يدفع ثمن 16 عامًا من منطق أردوغان الواهي

الجمعة 29/مارس/2019 - 06:08 م
المرجع
شيماء حفظي
طباعة

على مدار 16 عامًا من انفراده بالسلطة المطلقة، صعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باقتصاد بلاده إلى «قمة وهمية» ساهمت في  تحقيق مكاسب سياسية له ولحزبه، لكنها ومع أول اختبار حقيقي لسياساته هوت بالبلاد إلى نفق مظلم.


تبنى أردوغان منذ بزغ نجمه السياسي على الساحة التركية، نموذجًا اقتصاديًّا يستهدف تحقيق أرقام قياسية في مؤشرات الاقتصاد التركي دون النظر إلى عواقبها، واستغلها  للترويج لأن في عهده أصبحت واحدة من أكثر البلدان نموًا في العالم؛ لكن هذا النمو كان بلا أساسات واضحة، لينذر بعد سنوات بأزمة مالية يتحملها الشعب التركي.

نمو وهمي.. اقتصاد
خلق أزمة الاقتصاد 

مرت تركيا بأزمة انهيار اقتصادي في عام 2001، شهدت فيه البلاد تضخمًا مُزمنًا وانخفاضًا لسعر العملة إلى 1.5 مليون ليرة مقابل الدولار الأمريكي، لكن منذ صعد أردوغان إلى السلطة في تركيا في 2003 عمد إلى تحسين الاقتصاد التركي من خلال زيادة تدفق الاستثمارت «بتسهيلات ائتمانية مغرية» بشكل يسرع من تحسن أحوال المعيشة للمواطنين الأتراك.

تمكن أردوغان من اكتساب سمعة طيبة لكفائته الاقتصادية – حسب ما تم الترويج له حينها  - وفي عام 2011، اجتاز النمو الاقتصادي 10%، وأصبحت تركيا تعرف بالنمر الجديد وأسرع الاقتصادات نموًا في مجموعة الدول العشرين، لكن تعرض الاقتصاد التركي إلى أول هزة انكماشية عام 2009.

ونتيجة الإجراءات لم تكن محسوبة العواقب المستقبلية، فتراكمت الديون على تركيا، لتعصف بها مع العام 2017 – 2018، وتشدها لما هو أسوأ في الأعوام المقبلة كما تشير التوقعات، فهناك شعور بأن ثمة أزمة اقتصادية تعصف بالبلاد، وبأن أيام الرخاء قد ولت.

وبحسب تقرير لوكالة بلومبرج، مارس الجاري، فإنه مع دفع أردوغان للنمو بأي ثمن وضغطه على البنك المركزي للحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة، تدفقت رؤوس الأموال إلى تركيا خلال حقبة من التحفيز النقدي القياسي في جميع أنحاء العالم.

لكن تدفق هذه الأموال، أنتج توسعًا غير متقطع تقريبًا أدى إلى رفع الاقتصاد بمعدل 7% تقريبًا كل ثلاثة أشهر منذ أواخر عام 2009، لكن هذا الارتفاع قد تلاشى بعد انهيار العملة وخطوات السياسة والخلاف الدبلوماسي غير المسبوق مع الولايات المتحدة.

وانهارت العملة التركية العام الماضي بعد مضاعفة الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم الوارد من تركيا، ردًّا على اعتقال أنقرة لقس أمريكي، اتهمته تركيا بالضلوع في عملية انقلاب فاشلة عام 2016، وأفرجت عنه لاحقًا.


وفقدت الليرة التركية 30% من قيمتها أمام العملة الأمريكية العام الماضي، وما تزال تسجل خسائر يومية في المعاملات أمام الدولار وصلت خلال اليوم فقط لخسائر نحو 5%.

ويقول خبراء الاقتصاد في بلومبرج: إن تركيا كانت واحدة من أسرع الاقتصادات الناشئة نموًا في عام 2017، لكن نموها لم يكن متوازنًا، تسبب الإنفاق الحكومي الزائد والنمو السريع للائتمان في زيادة الواردات وتوسع العجز في الحساب الجاري، مما لا يثير الدهشة، أن الاقتصاد يدفع ثمن تجاوزات الماضي.

وقال إنان ديمير  الاقتصادي في «نومورا إنترناشيونال بي إل سي» في لندن: إنه «على عكس التعافي السابق في تركيا، هناك خطر كبير من أن يكون التعافي أبطأ بكثير هذه المرة.. قد يواجه الاقتصاد التركي برمته ضغوطًا على المديونية».

محاولة إنقاذ تُزيد الخسائر

في محاولة لإنقاذ انهيار العملة، لجأت الحكومة التركية إلى حجب السيولة المتاحة بعملتها المحلية «الليرة» عن سوق لندن، لكن هذا الإجراء زاد من معاناة الليرة أمام الدولار الأمريكي.

واتخذ البنك المركزي سلسلة إجراءات لدعم الليرة الأسبوع الماضي، ورفع سقف إجمالي مبيعاته في معاملات مقايضة العملة المحلية إلى 30% من 20% للمبادلات التي لم تستحق بعد، ورفع البنك المركزي التركي السقف إلى 20% من 10% الأسبوع السابق، في خطوة تهدف إلى زيادة الاحتياطيات الأجنبية التي انخفضت بشدة في أول أسبوعين من مارس الجاري، لكن المؤشرات تفيد أن هذه الإجراءات ستلقي بآثار سلبية على سعر الليرة.

وأثارت تلك الانخفاضات تساؤلات حرجة بشأن ميزان المدفوعات التركي وقدرة البلاد على تمديد ديونها الخارجية، وكيف ستسعى للحصول على احتياطيات طارئة إذا اقتضت الضرورة ومن أي جهة.
 البنك المركزي التركي
البنك المركزي التركي
الديون تلاحق أردوغان

تشير تقارير البنك المركزي التركي إلى أن الحكومة مجبرة على سداد 173 مليار دولار أمريكي تعتبر ديونًا خارجية بحلول شهر أكتوبر المقبل، فيما بلغ إجمالي الديون الخارجية وفقاً للأرقام الرسمية نحو 448.4 مليار دولار.

وتشير التقارير إلى أن 306 مليارات دولار من تلك الديون خاصة بالقطاع الخاص، و137 مليار دولار خاصة بالقطع الحكومي، و5.5 مليار دولار خاص بالبنك المركزي التركي.

إلى جانب تراجع العملة تواجه تركيا تحديًا كبيرًا على مستوى الاقتصاد الكلي للبلاد، حيث شهد معدل نمو الاقتصاد التركي تدهورًا ملحوظًا بنهاية العام الماضي، ليصل إلى 2.6%، مقابل 7.4% في 2017.

ووفقًا لبيانات صادرة عن معهد الإحصاء التركي، منتصف مارس الجاري، فإن معدل نمو الاقتصاد التركي المحقق خلال العام الماضي، يعتبر الأقل منذ سنوات، تحت ضغط الانكماش الحاد الذي تعرض له خلال الربع الأخير من 2018، والذي بلغت نسبته 3%.

فيما انخفضت قيمة الناتج المحلي الإجمالي التركي مقومة بالعملة الأمريكية إلى 784.1 مليار دولار في 2018، مقابل 851.5 مليار دولار في 2017، حسب بيانات المعهد، وسجل الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الرابع من العام الماضي 184.9 مليار دولار، وهي أقل قيمة له منذ الربع الأول 2017 عندما بلغ 175.9 مليار دولار.

وتفاقمت معدلات التضخم في البلاد لتحوم حول 20% وهو أعلى معدل منذ 15 سنة، فيما وعد أردوغان مواطنيه بخفض معدلات التضخم بين 6% إلى 7%، لكنه لم يحدد جدولا زمنيا لهذا.
مستقبل قاتم

منذ أسس أردوغان لإمبراطوريته العثمانية الجديدة، متباهيًا بنمو اقتصادي ودور سياسي زعم أنه مؤثر، يبدو الآن أنه أمام اختبار أول صعب لقياس مدى قوة بنيانه إلا أن التوقعات تشير إلى انهيار اقتصادي سياسي.

وبحسب مذكرة بحثية لشركة «تي.دي» للأوراق المالية توقعت أن يكون العام الجاري 2019، الأصعب أمام الليرة التركي.

وتوقع رئيس استراتيجية الأسواق الناشئة بالشركة، كريستيان ماجيو، أن تفقد الليرة التركية نحو 40% من قيمتها مقابل الدولار الأميركي بحلول الربع الثالث من العام الحالي، وذلك بالتزامن مع التباطؤ الحاد للنمو الاقتصادي في البلاد.

كما توقع أن تواصل الليرة التركية هبوطها لتسجل مستوى قياسيًّا منخفضًا عند 8.90 لكل دولار بانخفاض 40% عن المستويات الحالية.

وتشتد مخاوف التراجع في نموذج النمو التركي في وقت حساس بالنسبة لأردوغان؛ حيث يستعد حزب العدالة والتنمية الحاكم للبلاد للانتخابات المحلية التي ستجرى أواخر الشهر الحالي.

وفي حين تضاعفت أسعار السلع وأصابت حالة الركود المحلات التجارية، تتهم الحكومة التركية، أطرافًا لم تسمها، بشن حرب تستهدف المواطن التركي ولقمة عيشه للتأثير على موقفه من الحزب الحاكم في الانتخابات.
"