يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
محمد حافظ
محمد حافظ

أسوأ من هزيمتنا في «موهاكس»

السبت 23/مارس/2019 - 05:58 م
طباعة

معركةٌ بقيَ أثرها مغروسًا في ذاكرة الأوروبيّين عامّةً، والمجريّين بشكلٍ خاصّ، حتّى أنّه إذا ما مشيت في شوارع المجر ستسمع حتمًا أحدهم يقول:  «أَسْوأُ من هزيمتنا في مُوهاكُس»، وهو مثلٌ شعبيّ يضربونه كلّما تعرّضوا لحادث أليم.


أشار«برنتون تارانت» إرهابيّ {مذبحة الساجدين} بـ«نيوزيلندا»  من خلال سلاحه، إلى معركة «مُوهاكُس»، وهي معركةٌ أُخرى، اندلعت قبل أكثر من 400 عامٍ، عندما ذَبَحَ ملكُ المجر وزعيم أوروبا «فيلاد يسلاف الثّاني»، رسولاً أرسله سلطان الدّولة العثمانيّة وقتها، سليمان القانوني.


أسباب المعركة

حادثة ذبح الرّسول الّذي بعث به السّلطان سليمان القانوني، جدّت في العام الأوّل الّذي تولّى فيه هذا الأخير السُّلْطة خلفًا لوالده سليم خان؛ ليستخفّ الأوروبيّون بالسُّلطان الشَّاب، معلنين، وفي مقدّمتهم المجر، نقض كلِّ العهود مع الدّولة العثمانية.


انتفض السُّلطان سليمان القانونيّ، ما إن علم بخبر ذبح رسوله على يد ملك المجر، الّتي كانت تملك واحدًا من أقوى الجيوش في أوروبا، صارخًا: «أيُقتَل سفير الدولة العثمانية وأنا حي! غدًا تعلم أوروبا عاقبة أمرها»، وأمر بعد ذلك بتجهيز 100 ألف مقاتلٍ و350 مدفعًا و800 سفينةٍ؛ استعدادًا للغزو» .


وبحسب مؤرّخين، فإنّ أوروبا كانت تستعد مسبقًا للحرب مع الدّولة العثمانيّة؛ حيث كثّف ملوك القارّة العجوز تحالفاتهم، وهو ما يفسّر إقدام «فيلاد يسلاف الثّاني» على ذبح مبعوث سليمان القانوني.


ومع وصول خبر قرار الدّولة العثمانيّة شنّ حربٍ على المجر، أعلن الفاتيكان وقتها «كليمنت السّابع»، حالةً النّفير في أرجاء أوروبا، مكلّفًا ملك المجر بقتل السّلطان سليمان القانونيّ، كما تمّ تكوين حِلْفٍ عسكريّ يضمّ كلاّ من «إسبانيا، إيطاليا، ألمانيا، النمسا، هولندا، بلجيكا، سويسرا، لوكسمبورغ، ومناطق واسعة في فرنسا، وأراض أوروبّية أخرى ومملكة المجر الّتي تشمل «المجر، وسلوفاكيا ورومانيا، إضافةً لشمال صربيا، والتّشيك، ومملكة كرواتيا، ومملكة بولندا، وإمارة بافاريا الألمانيةّ» .


خُطَّة الالتحام

انطلق السّلطان سليمان القانوني، في 23 من شهر أبريل لسنة 1526، بجيشه، إلى وادي «مُوهاكُس» بعد أن أعدّ خُطّةً لاستدراج جيش أوروبا، تمثّلت في أن تصمد القوّات الانكشاريّة والفرسان في نقطة الالتحام مع الجيش الخصم، حتّى تأتي إشارة الاستدراج، فينشطر صفّي القّوات العثمانية، إلى الجانبين ويهربون في تَقَهْقُرٍ مُمَوَّهٍ إلى نقطة محدّدة، فيندفع الخصم دون دراية خلفهم لملاحقتهم، ظنًّا أنهم هُزِمُوا، إلى أن يدخلوا مرمى المدافع والقنّاصة المتمركزة في الصّف الخلفي، فتحصد أرواحهم.


بثُّ روحِ الحماسة

صرخ السّلطان سليمان القانونيّ في جنوده: إنَّ «روحَ رسول الله تنظر إليكم وتطوف بينكم»، وبعد صلاة العصر بدأت المعركة.

هجم المجريّون على الجيش العثماني، ونجح الفرسان والقوّات الانكشاريّة في تنفيذ أوامر السلطان سليمان القانوني، فأبادوا القوّات الأوروبيّة المدرّعة الّتي كانت بمثابة القوّة الضّاربة للأوروبيّين، إلى أن جاءت إشارة التَّقهقُرِ وتطبيق الخُطّة، ففرّوا من جانبيْ الوادي وصار قلب الجيش العثمانيّ مفتوحًا.


الحربُ خُدْعةٌ

ظنّت جيوش أوروبا أنّها انتصرت، وهجمت بشراسةٍ لتجد نفسها وجهًا لوجه أمام المدافع العثمانيّة وقد فتحت نيرانها عليهم من كل النّواحي، ولمدة زمنية قدرت حوالي ساعة ونصف تقريبًا، قضت عليهم بالكامل.


وكان  الجيش الأوروبي قد أراد الاستسلام ؛ لكن قرار السلطان سليمان القانوني الذي لن تنساه أوروبا له حتى الآن وللأتراك العثمانيين وتذكره بكل حقد : لا أسرى ! .


أخلاق الحرب

 وأخذ الجنود العثمانيون يناولون من يريد الأسْر من الأوروبيين سلاحه؛ ليقاتلَ أو يُذْبَحَ حيًا ! لأنهم لا يقتلون العُزَّل من السلاح، وبالفعل قاتلوا قتال الميئًوس واليائس، وانتهت المعركة بمقتل فيلاد، وأساقفته السبعة، ومبعوث البابا، وسبعون ألف فارس، ورغم هذا تم أسْر 25 ألف جريح ، وتم عمل عرض عسكريّ في العاصمة المجرية من قبل العثمانيين، وقبَّل الجميع يد السلطان سليمان تكريمًا له، بما فيهم الصدر الأعظم، ونظَّم شؤون الدولة ليومين ورحل، وانتهت أُسْطورةُ أوروبا والمجر، وقد استُشهِد من العثمانيين 150 جنديًا فقط (مختلف عليه)، وجرح 3000 آلاف، والجيش في كامل قوته لم يُستنزَف أبدًا. 


معركة «موهاكس» في ميزان التاريخ

معركة «مُوهاكُس»، قال عنها المؤرّخ التّركي «يلماز أوزتونا»: إنّ «هذه المعركة لهي أكبرُ حروب الإبادة النموذجيَّة والكلاسيكية في التاريخ، استمرَّت الحربُ ساعةً ونصف فقط، وفي نهاية هذه المدَّة أصبح الجيشُ المجرِيِّ الذي عاش 637 سنةً في ذِمَّة التاريخ» .


نتائج المعركة

كانت تلك المعركة حادثةً نادرةً في التاريخ؛ حيث ترتب عليها ضياع استقلال المجر، بعد ضياع جيشها على هذه الصورة في هزيمةٍ مُرَوِّعةٍ فى ساعةٍ ونصفٍ فقط.  


وماذا بعد؟

بعد مُوهاكُس، دخل المسلمون عاصمة المجر «بودا» وهي جزءٌ من العاصمة الحالية للمجر «بودابيست»، بعد أن اتحدت مع مدينة بيست، دخل المسلمون المدينة وهم يكبرون، وتَصادَفَ أن يدخلوها في عيد الأضحى، فتلقَّى سليمان القانوني تهاني عيد الأضحى والنصر في «بودا»، بعد أن كان قد تلقَّى تهاني عيد الفطر و النصر في «بلغراد» .


وكان من نتائج هذه المعركة أيضًا، أن استولى العثمانيون على كل المنطقة الممتدة بين عاصمتهم إلى أسوار فيينا، وانهار الحاجز المجري الذي كان يقف في وجه العثمانيين للوصول إلى النمسا وألمانيا.


لماذا «مُوهاكُس» من أغرب المعارك؟

هذه المعركة من أغرب المعارك في التاريخ، من حيث سرعة الحَسْم، ومازالت تثير تساؤلات واستهجان وحقد ودهشة بعض المؤرخين الأوربيين، على الرغم من انقضاء أكثر من ٤٠٠ عام.

"