رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

كيف وظف أردوغان مذبحة نيوزيلندا لصالح «العثمانية الجديدة»؟

الأربعاء 20/مارس/2019 - 06:53 م
 مذبحة نيوزيلندا
مذبحة نيوزيلندا
نهلة عبدالمنعم
طباعة

بينما شيع المكلومون، اليوم الأربعاء جثامين اثنين من ضحايا مجزرة كرايست تشيرش، شهد المجتمع الدولي تراشقًا حادًّا إثْر الأصداء العالمية لتلك الحادثة، إذ قررت رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أردير إرسال نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وينستون بيترز إلى تركيا؛ للرد على رجب طيب أردوغان حول تصريحاته عن الواقعة، والتي وصفها رئيس وزراء أستراليا بالمشينة والمتهورة.


بدم بارد وخلل عقائدي، اقتحم «مُضطربٌ» في يوم الجمعة 15 مارس 2019 مسجدين في مدينة كرايست تشيرش في نيوزيلندا وأوقع 50 قتيلًا، من خلال سلاحه الذي كَتب عليه عبارات عنصرية كريهة، صرعت العالم بمدى تصاعد وتيرة الكراهية والعدائية بين الأطياف المختلفة.


ووسط ما يعانيه المجتمع الدولي من حزن على سفك دماء الركع السجود، وما يعتريه من ذعر إزاء تنامي موجات العنصرية التي تهدد بقاء القيم الإنسانية المعتدلة، انشغل الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بكيفية استغلال هذا الحادث الأليم؛ للتكسب السياسي من نتائجه المأسوية.


 أردوغان
أردوغان
توظيف سياسي

يستخدم أردوغان حادث نيلوزيلندا الإرهابي؛ من أجل حشد أكبر عدد من المؤيدين والمناصرين لحزبه للفوز بالانتخابات المحلية المقبلة والمقرر عقدها في 31 مارس المقبل، فمن خلال حملات الدعاية الانتخابية التي يحضرها الرئيس التركي في مواقع مختلفة بالبلاد، تم عرض فيديو الحادث أكثر مرة برغم حذفه من الموقع الالكتروني الشهير «يوتيوب» لما يحمله من دموية مفرطة.

وبدلًا من أن يقدم أردوغان كلمات العزاء والمواساة لأهالي الضحايا، تحدث أمس الثلاثاء عن الكلمات العدائية التي كتبها منفذ حادث نيوزيلندا «برينتون تارانت» عن الدولة العثمانية وتاريخ معاركها المشتركة مع دول أوروبا، إذ صرخ الرئيس أمام الحشود من جماهيره بعبارات أخرى تنافس في عنصريتها وعدم مسؤوليتها تلك الكلمات التي كتبها الإرهابي النيوزيلندي.

وقال زعيم حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان: إن «الإرهابي عدو الإسلام الذي يبغض تركيا»، لم يقرأ التاريخ جيدًا وذلك تعليقًا على عبارة «التركي الفج» التي كتبها تارانت، إضافةً إلى كتابته حول معركة فيينا التي دارت رحاها في 1683 بين الدولة العثمانية وقادة أوروبا حينذاك وخسرها العثمانيون، وتسببت في إيقاف تقدهم في القارة العجوز إلى جانب معركة ليبانت البحرية التي خسرتها الدولة العثمانية أيضًا لصالح أوروبا في 1571، إذ أشار الرئيس التركي إلى معركة جاليبولي التي وقعت في 1915 إبان الحرب العالمية الأولى، وتم بموجبها منع دول الحلفاء من احتلال إسطنبول قائلًا: لن تستطيعوا احتلال الدولة التركية أبدًا واصفًا مروِّجي هذا التاريخ بالتافهين الذين لا يعرفون الماضي السحيق للدولة العثمانية، التي يتباها بها أردوغان ويحلم بإعادتها مجددًا، كما صرح بأن الأشخاص الذين جاءوا إلى تركيا؛ لإيذاء مسلميها، تم إرجاعهم إلى دولهم في توابيت، منوهًا بأن بلاده ستكتب تاريخًا جديدًا إذا تعرض أي أحد إليها أو إلى المسلمين.
 كمال كليتشيدار أوغلو
كمال كليتشيدار أوغلو
مزايدة دينية

لم يكتفِ أردوغان بتوظيف الحادثة؛ لشحذ أنصاره عن طريق الحكايات التاريخية وتذكيرهم بما كانوا يملكونه من قوة في الماضي والتاريخ الطويل من التسيد العثماني، الذي يُروج ضمنيًا بأن حكمه سيعيده مرة ثانية، بل تجاوز ذلك إلى التشكيك في الولاء الديني لمنافسيه.

وتهكم أردوغان على كمال كليتشيدار أوغلو رئيس الحزب المنافس لحزبه في الانتخابات «حزب الشعب الجمهوري»، إذ قال له لماذا تأمر المسلمين بأن يراجعوا أيدلوجيتهم في حين يقتل الأوغاد إخواننا المسلمين في مساجد نيوزيلندا؟، متسائلاً «هل كليتشيدار مسلم؟» وذلك في انتقاص واضح من عقيدته.

ويعد حزب الشعب الجمهوري من أقدم الأحزاب في تركيا، وتم تأسيسه في 1923عن طريق مصطفى كمال أتاتورك (1881- 1938)، الذي أسس الجمهورية الحديثة، وأقر بالعلمانية كنظام لحكم الدولة معلنًا انتهاء نظام الخلافة.
أردوغان والانتهازية

تنبض عبارات أردوغان بمعايير واضحة تبرهن على محاولاته؛ لإظهار نفسه كوصي على المسلمين وكأمير مزعوم للإمبراطورية العثمانية، فاستغلاله لحادثة نيوزيلندا بخطابات شعبوية رنانة، يراد بها أهداف قريبة كالفوز بالإنتخابات وأهداف أخرى بعيدة ترتكن إلى الأيدلوجية التوسعية.

كما أن مواقفه الانتهازية ليست جديدة، فهو يقوم بصياغة الردود حسب المواقف والملابسات المحيطة بها وعن تلك النزعة ذكرت دراسة بعنوان «حروب أردوغان الانتهازية» نشرها موقع «Political Violence»، أن الرئيس التركي يدخل في نزاعات واشتباكات تكلف البلاد المزيد من الخسائر السياسية والدبلوماسية والاقتصادية أيضًا؛ بهدف فرض سطوته الحالمة بالسلطان العثماني الجديد.

علاوةً على ذلك، أشارت الورقة البحثية، إلى أن الرئيس التركي يتخذ من الدفاع عن المسلمين وحمايتهم من الإرهاب غطاءً؛ لتحقيق أهدافه السياسية، لافتةً إلى حروبها على داعش والتي تتبطن بنوايا إبادة للأكراد في المنطقة.

وفي دراسة أخرى نشرها موقع بوابة البحث أو «research gate» حول شخصية أردوغان الغير معتدلة، تم ذكر أن رجب طيب يعد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ السياسي التركي الحديث، فضلًا عن تمكنه من تلوين المعايير العلمانية للدولة، وإضعافه لقوى المعارضة التي تهدد سطوته، لا سيما المعارضة المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري الذي يمثل بداية الحياة الحزبية للدولة وألد المنافسين للحزب العدالة والتنمية، كما أن السمات الخاصة التي تصطبغ بها شخصية أردوغان هي من شكلت السياسة الخارجية الحالية للدولة والتي امتلكت أعداء في أغلب بقاع العالم.
آيا صوفيا
آيا صوفيا
تكتيكات متعددة

وفي إطار المناوشات الدولية، التي تسببت فيها كلمات أردوغان صرح كرم سعيد، الباحث المتخصص في الشأن التركي، بأن الحادثة التي وقعت في نيوزيلندا فجعت العالم بأكمله، فهي تمثل هجوم إرهابي شنيع؛ تسبب في إراقة دماء الأبرياء بخثة وعنصرية كريهة ومفرطة.

فيما أشار سعيد في تصريح خاص للمرجع، إلى أن تعليق الرئيس التركي على الواقعة هو أمر طبيعي ومنطقي بشكل عام، فالفاجعة كبيرة وأوجعت العالم بأكمله، لكن منفذ الحادث قد وفر لأردوغان عوامل متعددة لاستغلال الأزمة، وذلك بكتابته على السلاح عبارات تذم في الأتراك وتذكرهم بمعارك فيينا وليبانت التي خسرهم العثمانيون في الماضي إلى جانب إشارات احتلال إسطنبول، وتحرير «آيا صوفيا» من المآذن، وآيا صوفيا هي متحف ديني يقع في إسطنبول، وقد تم تحويله من كاتدرائية أرثوذكسية إلى مسجد على يد السلطان العثماني محمد الفاتح (1429- 1481) ولكن في عام 1935 أصبح متحفًا، إضافةً إلى تلميحه بعودة القسطنطينية إلى الحكام المسيحيين.

وفي حين يعتقد الباحث، أن معارضة وانتقاد الحادثة النيوزيلندية هي أمر إنساني بحت ولا خلاف عليه، ولكن النظام التركي سعى لتوظيفها تكتيكيًا في مناح متعددة:

أولاً: للرد على إشكالية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي التي تؤرق نركيا وبالأخص مع تصويت البرلمان الأوروبي في مارس 2019، بتعليق المحادثات المرتبطة بالتحاق الدولة التركية بالاتحاد نظرًا لملفها السيء في احترام حقوق الإنسان وتحقيق العدالة والحريات.

ثانيًا: لمحاولة إيجاد فرصة للتحايل على التراجع النسبي للتقبل الشعبي لحزب العدالة والتنمية؛ ومن أجل تحقيق الفوز بالانتخابات المحلية التي توفر فرصة عظيمة للنظام الحالي؛ للسيطرة على الهيئات المحلية وإعادة تشكيلها، ومن ثم تشكيل المجتمع وفقًا لمعطيات الحزب وأيدلوجيته الخاصة التي تسيطر بدورها على مؤسسة الرئاسة والهيئة البرلمانية.

ثالثاً: يريد أردوغان تسويق نفسه كامتداد للإمبراطورية العثمانية التي تتدافع عن الإسلام وتعتبر نفسها الحامي الأول لعقيدته، مشيرًا  إلى أن هذا الخطاب يلقى رواجًا واسعًا في الشارع التركي والإسلامي بوجه عام.

وأما فيما يخص تهكم أردوغان على منافسه المعارض كمال كليتشيدار أوغلو، يرى الباحث في الشؤون التركية، أن تلك المناوشات لا يمكن فصلها عن الاستثمار السياسي والانتخابي الذي يسعى له الرئيس التركي وبالأخص مع فشل المعارضة نسبيًا في مواجهة تمدد حزب العدالة والتنمية.

وعلى صعيد الجدل السياسي الدولي الذي أثاره خطاب أردوغان، لفت كرم سعيد إلى أن الكلمات والخطب الرنانة لن تحقق المرجو منها في عالم السياسة، إلا إذا كانت مصحوبة بإجراءات محكمة ومحددة تمكن من تطبيق المطلوب، لافتًا إلى تصريحات أردوغان السابقة والرنانة أيضًا إبان افتتاح السفارة الأمريكية في القدس في مايو 2018، وعلى قدر ما كانت تحمل من عدائية وتحدي للموقف الأمريكي ولكنها فعليًا لم تحقق شئ.

فيما أشاد الباحث بدور الحكومة النيوزيلندية مؤكدًا أنها اتخذت موقفًا جيدًا حيال الرد على الجريمة المأسوية، مشيدًا برد فعلها تجاه رفضها ذكر اسم منفذ الجريمة، حتى لا يحصل على شهرة كان يسعى إليها، إضافةً إلى أنها قامت ببعض الإشارات الرمزية التي تبرهن على احترامها للدين الإسلامي وإرادتها الحقيقية لمعالجة الأزمة الحالية، ولكن الحادثة تعكس واقعًا فعليًا مريرًا نحو تصاعد اليمين المتطرف في العالم الغربي، كما أن بعض الدول أضحى يحكمها هذا التيار بالفعل، ما يشكل خطر على الإنسانية وتصاعد العدائية ضد الدين الإسلامي ومعتنقيه.

"