رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

كتاب: جذور الأصولية في أمريكا ودورها في نشر التطرف

الأحد 17/مارس/2019 - 10:51 ص
 حادث المسجدين الإرهابي
حادث المسجدين الإرهابي في نيوزيلندا
محمد عبد الغفار
طباعة

جاء حادث المسجدين الإرهابي في نيوزيلندا بمثابة الصفعة على وجه العالم والإنسانية، فإذا ما كانت القوى السياسية الدولية قد حاولت تغطية فشلها في مواجهة الإرهاب، من خلال لصق تلك التهمة بدين بعينه، غير آخذة في الاعتبار أن الإرهاب لا دين ولا جنس ولا وطن له، فإن الحادث الأخير قد وضع العالم في مأزق، وأجبره أن يواجه حقيقة الأحداث، والتي تؤكد أن الإرهاب ينتمي للأصولية الدينية والعرقية والفكرية، بغض النظر عن مكان ممارسة تلك الأصولية، سواء في الشرق أو الغرب.


بدأت الأصولية في الظهور داخل الولايات المتحدة الأمريكية خلال مطلع القرن العشرين، ويرجع ذلك إلى أسباب عدّة، منها هجرة الكاثوليك واليهود من أوروبا إلى أمريكا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بحثًا عن العمل والظروف الاقتصادي الأفضل؛ ما ساهم في ظهور أفكار ورؤى ثقافية مختلفة.


إضافة إلى الحرب الأهلية في ستينيات القرن التاسع عشر، والتي ساهمت في تعزيز الخلاف بين الشمال والجنوب في المجالات الاقتصادية والمالية، مع نشر داروين لنظريته حول التطور، ودخولها في صراع مع قصة الخلق في سفر التكوين بالكتاب المقدس.


وكلها عوامل ساهمت في ظهور تيارات أصولية عدّة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، مثل التيار المسيحي الأصولي، والتيار المسيحي الليبرالي، والتيار العلماني، ويمكن التمييز فيما بينهم بسهولة؛ نظرًا لتباين آرائهم المختلفة.


وتناول كيمبرلي بلاكر ومؤلفين آخرين عدة هذه القضية وأصولها ومآلاتها في كتابه «أصول التطرف: اليمين المسيحي في أمريكا»، والذي ترجمه كلٌّ من هبة رؤوف وتامر عبدالوهاب، ونشرته مكتبة الشروق الدولية بالقاهرة، في ديسمبر 2005، وجاء في 426 صفحة.


ويدافع المؤلف بصورة مباشرة عن التيار العلماني، الذي ينتمي إليه، ويبرز بوضوح خطورة الأصولية المسيحية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، والمنتشرة في مجالات السياسة والقضاء والتعليم والدين والاقتصاد وغيرها.


ويرى الكاتب بأن الأصوليين في أمريكا يرون بأن بلادهم هي بلاد الواسب «البروتستانت الأنجلوساكسون البيض»؛ لذا فهم يرفضون أي وجود لمن يحالفهم في العرق أو الدين أو الفكر داخل أمريكا؛ ثم يبرز الأصولية الكاثوليكية وتعاونها مع الأصولية البروتستانتية، قبل الحديث عن الأصولية الإسلامية.


ثم يتناول الكتاب كيفية تحويل الأصوليين في أمريكا لأفكارهم المعتمدة بصورة أساسية على التوجهات الدينية، والأساطير الشعبوية، إلى سياسات فيدرالية وسياسات خارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يساعد في سيطرة رؤيتهم على العالم.


واعتمد المؤلف في كتابه على عوامل رئيسية عدّة، منها أن التيارات الأصولية الأمريكية لا تتعارض مع الفكر الرأسمالي، ولكنها كانت داعمة، كما أنه يرى بأن المسيحية قد تم تهويدها عبر تلك الطبقة، من خلال الاعتماد على العهد القديم بصورة تفوق الاعتماد على العهد الجديد.


ويبرز الكاتب بوضوح أن هناك فرقًا كبيرًا بين المسيحية اليهودية التي تعمل على التأثير في السياسة الأمريكية الخارجية، وتساعد في دعم المنظور التوسعي، والسيطرة على باقي دول العالم، وذلك تحت غطاء ديني، وما بين الكنائس المعتدلة، التي مازالت محتفظة بجوهر المسيحية، وقيمها، وأسسها؛ لذا فإنها تدعم السلام، وترفض التطرف والحروب.


وجاء الكتاب في 8 فصول؛ الفصل الأول جاء بعنوان «الأخطار الأصولية وتقويض الديمقراطية»، وكتبه كيمبرلي بلاكر، وأبرز خلاله الآليات التي اعتمد عليها اليمين المسيحي في تكوين إمبراطوريته الناعمة، وكيف أصبح أحد أهم جماعات المصالح في الولايات المتحدة الأمريكية، وأبرز قدرته على تشكيل الرأي العام وتوجيه المواطنين داخل البلاد.


ويرى كيمبرلي أن جماعات اليمين المسيحي استطاعت القيام بذلك، من خلال التحكم فيما يتم تدريسه للشباب، وفي الخبرات والرؤى والأفكار التي يتم زرعها داخل عقول الشباب، ومن ثم استطاعت التحكم في رؤيتهم وتقييمهم للأمور، ومن ثم نجحت في تحديد مسار الأمة الأمريكية وفقًا لما يتلاءم مع رؤيتها.


وفي الفصل الثاني يعرض الكاتب إدوين إف كاجين رؤيته تحت عنوان «نذر العاصفة»، ويتناول خلاله التطهريون، وهم يمثلون جزءًا من المذهب البروتستانتي، وهو تيار متطرف داخل الديانة المسيحية، يؤمن بقضايا عدّة، أبرزها الكاتب في هذا الفصل.


ومن ضمن تلك الآراء ضرورة إقامة الصلوات المسيحية في الساحات العامة، وتدريس الدين كمادة أساسية داخل الكتب الدراسية؛ بهدف فرض الدين المسيحي ومثالياته على المجتمع، ومهاجمة نظرية التطور والتأكيد على حرفية الكتاب المقدس.


وجاء الفصل الثالث بعنوان «الأطفال ملك الرب»، للكاتب بوبي كيركهارت، والذي أبرز أن هدف هذه الحركة هو تعطيل المدارس وليس تطويرها للأفضل، وتقديم الدعم المالي واللوجيستي لها بحيث تستطيع تقديم وصنع أجيال أكثر قدرة على التفكير الحر والإبداع.


ويؤكد المؤلف هذه القضية من خلال شرح فكر الحركة والتي ترى في الطفل صورة الوحش، الذي يجب العمل على ترويضه وإعادة تشكيل أفكاره ورؤاه بما يتلاءم مع أفكار الكتاب المقدس، وفقًا لفكرهم المشوه، ولا تستطيع تلك الحركة أن ترى في الأطفال صورة الشخص، الذي يجب تعليمه، ومنحه الحق في الاختيار والحرية في عرض آرائه.


وفي الفصل الرابع، تعود كيمبرلي بلاكر للظهور مرة أخرى داخل الكتاب، في فصل بعنوان «الخضوع الأبدي»، ويناقش هذا الفصل المعاناة التي تواجه النساء والفتيات في المجتمعات المحافظة، وممارسة السلطة الذكورية عليهم من أزواجهن وآبائهن وحتى أبنائهن.


وتبرز المؤلفة فكرة رؤية المجتمعات المحافظة، والأفكار الأصولية للمرأة، فهي في نظرهم مجرد تابع للذكر، ولا تستطيع اتلفكير أو التصرف بصورة أفضل منه، ولكنها تظل تابعة له، ويتم صبغ تلك الفكرة برؤى وتفسيرات دينية تدعمها.


واستمرت الكاتبة في الفصل الخامس في عرض وجهات نظرها، ولكن هذه المرة تحت عنوان «المضامين الاجتماعية لمعركة هرمجدون»، وتقارن خلالها ما بين رأي جاري باور، والتي أصل خلاله للحرب الأهلية داخل أمريكا، والتي سوف يسعى المشاركون بها إلى فرض معاييرهم الأخلاقية والاجتماعية.


ومن جهة أخرى معركة الأصوليين مع باقي فئات المجتمع، والتي يهدفون خلالها إلى تخليص المجتمع من كل ما يتعارض مع الأحكام الدينية، وفقًا لرؤيتهم، فهم يرون في النساء ومعتنقي الأديان الأخرى والملحدين كأعداء لهم.


وأبرزت الكاتبة نموذجًا لهذه الحرب الأهلية، وإن كانت خفية، وكمن النموذج في المدارس الكاثوليكية، والتي تمارس الفصل العنصري ما بين الطلاب، ويرجع ذلك كميراث عنصري منذ فترة الفصل العنصري، وسيطرة الشمال على الجنوب، والفوارق الاقتصادية الموجودة ما بين الطرفين.


وجاء الفصل السادس بعنوان «الطريق إلى الحكم الديني: تطهير التعديل الأول»، بقلم جون إم سوارز، ويبرز خلاله الخلاف الكامن ما بين الجماعات الأصولية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية وما بين الدستور الأمريكي.


وترى تلك الجماعات في النص الدستوري القائم حاليًا عائقًا أمام تحقيق أحلامهم، والممثلة بإنشاء دولة دينية، تعتمد على الأيديولوجية المسيحية، والتي تسمح لهم بدورها في تحويل أفكارهم النظرية إلى أفعال سياسية قائمة، وهو ما يعد نجاحًا كبيرًا لهم.


وفي الفصل السابع، يؤكد المؤلف هيرب سيلفرمان في موضوعه المعنون «تسييس مفهوم العصمة» الرسالة المراد إيصالها في الفصل الماضي؛ حيث يعتقد بأن اهلدف الأساسي لأعضاء الجماعات الأصولية في الولايات المتحدة الأمريكية هو تحويلها إلى أمة مسيحية، معتقدين بأن هذا الأمر تكليفًا من الله لا يجوز لهم معارضته، كما أن من ضمن أولوياتهم السماح بالصلاة في الأماكن العامة، وتنصير الوظائف العامة والأساسية بالبلاد.


ويبرز الكاتب في هذا الفصل الخلاف الجذري ما بين السياسة والدين الذي يريد الأصوليين تطبيقه، فإذا كانت السياسة قائمة بصورة أساسية على التفاوض والوصول إلى أفضل الحلول، فإن الدين قائم على الحكم المطلق والذي لا يقبل التفاوض؛ لذا فإن الوصول إلى حل وسط فيما بينهما يعد أمرًا صعبًا.


وفي الفصل الأخير، يوضح الكاتب إدوارد م. بكنز في موضوعه المعنون «الفوز بالمعركة الملكية: الحلول والبدائل للخطر المتزايد»، أوجه التشابه بين الأصولية المسيحية والأصولية الإسلامية، مع إبراز حالات عدّة لتطبيق الأصولية الإسلامية مثل إيران، كما يبرز مدى التقارب ما بين الأصوليتين، والتشابه الكبير ما بين رؤية الطرفين لباقي فئات المجتمع.


ويبرز المؤلف أن الحل من وجهة نظره هو دعم الفكر العلماني؛ كي يكون بمثابة حائط الصد أمام الفكر الأصولي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، معتبرًا أن انتشار العلمانية وسيطرتها على الفكر العلمي داخل البلاد، سيمنع القوى الأصولية من تنفيذ مخططاتها.


ويتضح من خلال الكتاب أن الأصولية بمختلف أشكالها وانتماءاتها الدينية هي من أخطر القضايا في العصر الحديث؛ فهي ليست مجرد أزمة أو خلاف فكري ما بين الأطراف في الأروقة العلمية والأكاديمية، ولكنها خطر يداهم المرأة والمجتمع والنظم الديمقراطية، وسبل الحياة الكريمة كافة؛ بهدف تطبيق ما يرونه أوامر الرب.

"