رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

بتماهي الحرباء ونعومة الأفاعي.. منهج التجنيد لدى حسن البنَّا

الأربعاء 13/مارس/2019 - 06:02 م
حسن البنا والإخوان
حسن البنا والإخوان
ماهر فرغلي
طباعة

انطلق حسن البنَّا في تكوينه لجماعته، من رؤية شُمُوليةٍ تجميعيةٍ؛ تهدف إلى إعادة بناء الدولة الإسلامية وأستاذيتها للعالم، عبر التمسك بالإسلام في مفهومه العام [1]، كان قادمًا من العالم الصُّوفيِّ الرَّوْحَانيِّ، إلى الفضاء السّلفيٍّ ذي الخصوصية المصرية، في ظل بيئةٍ ليبراليةٍ مصريةٍ متأثرةٍ بروحٍ تغريبيةٍ، لم تكن بَعْدُ قد غزتها تيارات السَّلفية القادمة من الجزيرة العربية، كان للحياة المصرية طابعُها الخاص، فهي بيئةٌ حضريةٌٌ ريفيةٌ لها دولة مدنية منذ آلاف السنين تبعد كثيرًا عن البداوة، وتميل كثيرًا إلى التصوف والتسامح مع المخالفين، والتيسير في أمور العبادة وبساطة الاعتقاد[2].


بتماهي الحرباء ونعومة
في ظل هذه البيئة أطلق حسن البنا دعوته قاصدًا بالأساس تجميع جموع المسلمين عليها، وإنْ عَمِلَ بعد ذلك على وضع أُسس وقواعدَ عامة كمرجعية لهذه الجماعة، تمثَّلت في الأصول العشرين، لكن إطلاق فكرة الجماعة كان سابقًا على تحديد منهجها الذي يبدو أنه ظلَّ في رؤية الرجل غير محدد المعالم بشكلٍ قاطعٍ، فالرجل كان ما زال شابًّا دفعته العاطفة لمحاولة طرح دعوته وتنفيذها حركيًّا، فظل ينقصها التنظير، وشغل نفسه بتحقيق المشروع الكلي دون الوقوع في وحل التفصيلات التي كان من الممكن أن تعصِفَ بمشروعه أو تعيقُه على الأقل.

كان البنا من الناحية العملية غير متشددٍ فقهيًا، فروى رفيقُه فريد عبدالخالق، أن «شابًا مترفًا من بني مزار – صعيد مصر- دعا حسن البنا أن يُلقِي درسًا في عزبته فقال له هذا الشاب: إني أحب الصلاة لكني لا أريد الوضوء فقال له: لماذا؟ قال: أنا مترفٌ وأظل ساعةً في البانيو بالصباح وساعةً في البانيو بالمساء قبل النوم فأظل طاهرًا فقال له: لا ضَيْرَ ما دمت طاهرًا صلِّ من غير وضوء، فقال فريد عبدالخالق: ففزعِتُ من ردِّهِ وقرأ في عينيِّ استنكارًا وعجبًا، فالوضوء أمره معروفٌ وليس فيه إفتاء فكيف يحدث هذا؟! ونصلي من غير وضوء؟! كيف؟!.. الفتوى وجدتُها جاوزت الحد، وعندما خرجنا من العزبة قال لي: أظن أنه لم يعجبْك ما قلته؟ قلت له: نعم لم يعجبني؛ لأنك تحدثت في موضع يوجد فيه نص صريح، فعندما يوجد نص لا يوجد اجتهاد، قال لي: اسمع كن رجلاً عمليًّا، فإما أنه سيصدُقُ مع الله ويحسن الصلاة فيحسن الوضوء وإلا ما خسرنا شيئًا... إلخ».[3]

يضيف «البنا» لم يكن متشدّدًا فقهيًا، فلم تكن مضت على معرفتي به سنتان، إلا أنني فوجئت أنه يطلب منى أن أصحبه للصعيد منفردَيْن، عرفت بعد ذلك أنه كان يريد الانفراد بي؛ لإحداث تغييرات في ذاتي، وكنت آنذاك أُدخِّن، فأخرجت علبة السجائر وأخذت أدخن بدون تكلف وتركني حتى انتهيت وتودَّد إلى هامسًا: «أريد أن أقول لك شيئًا: أنت في طريقٍ سيؤدى بك إن أردت أو لم تُرِد إلى السجن والاعتقال، فعندما تكون هذه عادتك التي لا تستطيع الاستغناء عنها، والتي تتحكم فيك، كيف سيكون حالك وأنت في الزنزانة؟ أستنتظر استجداءً من الحارس ليعطيك سيجارة؟! فيا للمذلة والهوان التى ستحيا فيها، ولم يذكر لي حرامًا أو حلالًا، ولم يناقشني من حيث الشرع، فلم أجدني إلا وقد ألقيت علبة السجائر التي كانت في جيبي من شباك القطار، هذا هو عمل أهل الدعوات، وهذه هى الرسالة الحقيقية للجماعات الإسلامية (التربية).[4]

كما أن البنا ظل محافظًا على أوراده الصوفية حتى مماته، كما ذكر أبو الحسن الندوي في كتابه التفسير السياسي للإسلام[5]، وهذا يؤشر على بُعْدِهِ عن المنهجية السلفية الصارمة، ويثبت تأثير التصوف عليه، قال عباس السيسي في كتابه في قافلة الإخوان المسلمين: «دعا الإخوان المسلمون بالإسكندرية إلى الاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، في حفلٍ يحضره فضيلة المرشد العام بمسجد النبي دانيال، وبدأ الأستاذ المرشد حسن البنا محاضرَته، ثم دخل فى موضوع الذكرى فقال: نحيي ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن حق الناس جميعًا مسلمين وغير مسلمين، أن يحتفلوا بهذه الذكرى المباركة فرسولنا صلى الله عليه وسلم لم يأت للمسلمين فقط[6].

في يوم الإثنين 19 من سبتمبر سنة 1927، توجه الأستاذ حسن البنا إلى مدينة الإسماعيلية؛ ليتسلم عمله مدرسًا في مدارس وزارة المعارف.. تلك المدينة التي لم يعرفها من قبل، ولم يكن له حظ التعرف على شيء من أحوالها، وكعادة أيِّ غريب فقد نزل في منزل خاصٍّ مع أحد أصدقائه، ولا يجد في أول أمره من وسيلة سوى قضائه الوقت بين المسجد والمدرسة، دون أن يحاول التعرف على شيء في البلد، لكنَّ قضاء الوقت بهذه الطريقة مكَّنَ البنا من التعرف على كثير من أبناء الإسماعيلية المتعلقون بالمسائل الدينية والاجتماعية[7].

لقد عرف أن الإسماعيلية – قديمًا- تغْلُبُ عليها النزعة الأوروبية؛ إذ تحيط بها المعسكرات البريطانية من كل جانب، ومعظم أهلها يعملون مع الإنجليز في المعسكرات؛ ولذا فهم متصلون بالحياة الأوروبية من قريب، فهم يطالعون وجوه الحياة الأوربية في كل مكان، ومع هذا كله فقد كان في الإسماعيلية شعور إسلامي قوي، والتفاف حول العلماء وتقدير لما يقولون، كما عرف أن رجلًا غيره قد سبقه في الدعوة إلى الإصلاح، لكنَّ فكرته كانت مستغربةً، فقاومها العلماء، فانقسم الناس إلى قسمين: فريق يؤيد وفريق يطعن، فعلم أن التحيز للآراء لا يصح أن يكون طريقًا لاجتماع القلوب و«بناء الوحدة المنشودة، ومن هنا نشأت عنده ضرورة دراسة مجتمع الإسماعيلية، التي صارت في عُرْفِ فن تبليغ الدعوة بعنصر «دراسة المجتمع المحليِّ»؛ للتعرف على مشاكله، وثقافته، وعاداته، وتقاليده؛ لتحديد الباب الذي ينْفُذُ منه الداعية إلى المجتمع ويرضى الناس عنه.
 الطريقة الحصافية
الطريقة الحصافية والبنا
(أ‌)المنهج مع المجتمع:

أولاً- لتتعرف على تاريخ المجتمع المحليِّ ومعرفة أحداثه وقضاياه ومقوماته.

ثانيًا- تحديد القطاعات الرئيسية في المجتمع التي لها جاذبية فعَّالة داخل نفوس الناس.

ثالثًا- تحديد وسائل الاتصال بكل مستوىً في المجتمع؛ لتوصيل الدعوة إليه أو لتجنبه وقتيًا.

رابعًا- تربية دعاةٍ يقومون بدور التهيئة للدعوة ويساعدون في العمل على انتشارها وتأسيس مؤسساتها.

يقول حسن البنا في ( مذكرات الدعوة والداعية):

«قضيت على هذا الأسلوب أكثر من نصف العام الأول الدراسي بالإسماعيلية، أعني ما بقى من سنة 1927، ثم أوائل سنة 1928م، وقد كان هدفي في هذه الفترة دراسة الناس والأوضاع دراسةً دقيقةً، ومعرفة عوامل التأثير في هذا المجتمع الجديد».

وقد عرفت أن هذه العوامل أربعة:

أولًا: العلماء.

ثانيًا: شيوخ الطرق.

رابعًا: الأعيان.

خامسًا: الأندية.

أما العلماء فقد سلكتُ معهم مسلك الصداقة والتوقير والإجلال الكامل، وحرِصتُ على ألا أتقدم على أحد منهم في درس، أو محاضرة أو خطبة، وإذا كنت أدرس وتقدم أحدهم تنحيت له وقدمته للناس.. وكان لهذا الأسلوب أثُرهُ في أنفسهم فظفرت منهم بالكلمة الطيبة[8].

تطبيق هذه المرحلة من المنهاج قد تصادفها كُدْرةٌ يحكيها «البنا» على أنها من النِّكات اللطيفة فيقول: من النكات اللطيفة أن أحد قُدامَى المشايخ الذين قضوا بالأزهر الشريف سنواتٍ طُوَالاً على نظامه الأول تقريبًا، وكان من المُولَعِين بالجدل ومحاولة إحراج الوعاظ والعلماء، بطرح مسائل غير مطروقة، والتعرض لمعانٍ وموضوعاتٍ من حواشي الكتب القديمة.. حاول هذا الشيخ إحراجي ذات يوم، وأنا أقص قصة إبراهيم الخليل عليه السلام على الناس، فسألني عن اسم أبيه – سيدنا ابراهيم- فابتسمت وذكرت له آراء العلماء في المسألة، غير أنني تلفظت بكلمة تارخ بكسر الراء فقال لي هي بضم الراء، فقلت له هذا اسم أعجمي وضبطه يتوقف على معرفة اللغة، والمهم من القصة هو العبرة والعظة، لكنَّ الشيخ أراد أن يتخذ معي دومًا هذا الأسلوب ليهرب العامة، وتضيع الجهود سدىً، ففكرت في علاج هذا الشيخ، فدعوته إلى المنزل وأكرمته وقدمت له كتابين: في الفقه، والتصوف، وطمأنته على أني مستعدٌ لمهاداته بما شاء من الكتب، فسُرَّ الرجل سرورًا عظيمًا، وواظب على حضور الدَّرس والإصغاء إليه، فقلت في نفسي: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا».[9]

يُكْمِلُ البنا: أما رجال الطُّرق فقد كانوا كثرةً كاثرةً في هذا البلد الطيبة قلوبُ أهلِه، وكان يتردد عليهم الكثير من الشيوخ، ولا أنسى مجالس الشيخ حسن المسلميِّ، والشيخ عبود الشاذليِّ، والشيخ عبدالوهاب الدندراويِّ وغيرهم، وفي هذه الفترة زار الإسماعيلية الشيخ عبدالرحمن سعد وهو من خلفاء الشيخ الحصافي، فهو أخٌ في الطريق وكان يدرس ويعظ، ويرأس بعد ذلك حلقة الذكر في المسجد ولم أكن أعرفْه ولا يعرفني فدرس ووعظ، ثم دعا الناس الى الذكر، فرأيت أسلوب الطريقة الحصافيِّة، وتعرفت إليه أخيرًا، ولكنَّ الحقَّ أنني لم أكن متحمسًا لنشر الدعوة على أنها طريقٌ خاصٌّ لأسباب أهمها: أنني لا أريد الدخول في خصومةٍ مع أبناء الطرق الأخرى، ولأنني لا أريد أن تكون الدعوة محصورةً في نفر من المسلمين، ولا في ناحية من نواحي الإصلاح الإسلامي، ولكني حاولت جاهدًا أن تكون الدعوة عامَّةً قوامُها: العلم، والتربية، والجهاد، فهذه أركان الدعوة الإسلامية الجامعة، ومن أراد بعد ذلك تربيةً خاصَّةً فهو ما يختار لنفسه، لكنني مع هذا أكرمت الشيخ عبدالرحمن سعد وأحسنت استقباله ودعوت الراغبين في الطريق إلى الأخذ عنه والاستماع إليه حتى سافر، وأما العامل الرابع وهو الأندية فقد كان في الإسماعيلية نادٍ واحدٍ هو: « نادي العمل» الذي أنشأتْه جمعية التعاون.. وكان فيه نخبة من الشباب المثقف الذي يريد أن يستمع ويتعلم، وكان هناك كذلك فرع جمعية منع المسكرات تُلقَى فيه بعض المحاضرات والأحاديث المتعلقة بهذا الغرض، وقد انتهزتُ هذه الفرصة واتصلت بالناخبين وأخذت أُلقِي بعض المحاضرات الدينية والاجتماعية والتاريخية، التي كانت سببا في تهيئة نفوس كثيرٍ من المثقفين للدعوة المستقبلية[10].
البنا والطرق الصوفية
البنا والطرق الصوفية
(ب‌)استخدام الصوفية:

لحسن البنا التأثير الأكبر على جماعة الإخوان، فهو بمثابة المرشد الأول والأب الروحي والقدوة الكبيرة، والبنا انخرط في العمل الجماعي التنظيمي منذ نعومة أظافره، فكان أحدَ المؤسسين لجمعية الأخلاق الأدبية، وكان هدفها رفع مستوى الأخلاق والتخاطب بين التلاميذ، ووضع لها لائحةً ضمت جزاءات وتكليفات، ثم ذهب لتأسيس جمعية أخرى سماها وأقرانه «جمعية منع المحرمات»، ثم حماية الأخلاق من التدهور – الأمانة في العمل الاجتماعي- جمعية منع المحرمات وهو لم يبْلُغْ الحُلُمَ بعْدُ، ثم كان التأثير الأكبر للتصوف في وجدانه، وبدأ الانجذاب إلى حلقات الذكر في الطريقة الحصافيِّة، ووقع في حب وتأثر بكتاب «المنهل الصافي في مناقب الشيخ حسنين الحصافي».[11]

تفعل الصوفية بالمريدين فعلها، فأثَّرت في شخصية البنا، للدرجة التي أثَّرت في طريقة جذبه للأعضاء وطريقة تشكيله لجماعته وتنظيمه، فأطلق مُسمَّى الإخوان على جماعته، وهو مُسمَّىً صُوفيِّ وجعل لها أورادها، منها ورد الرابطة وهو مصطلح صوفي أيضًا كما يفعل الصوفية، وبات السمع والطاعة ركنًا لديه، كما هي علاقة المريد بشيخه، يقول البنا في مذكرات الدعوة والداعية: «قد أفادتني صحبة الشيخ أعظم فائدة وما علمت عليه في دينه وطريقته إلا خيرًا، وقد امتاز في شخصيته وإرشاده ومسلكه بكثير من الخصال الطيبة من العفة الكاملة عمَّا في أيدي الناس، ومن الجد في الأمور والتحرر من صرف الأوقات في غير العلم أو التعلم أو الذكر أو الطاعة أو التعبد سواءً كان وحدَه أم مع إخوانه ومريديه، ومن حسن التوجيه لهم وصرفهم عمليًا إلى طاعة الله .. وأذكر من أساليبه الحكيمة في التربية، أنه لم يكن يسمح للإخوان المتعلمين أن يكثروا من الجدل في الخلافيات أو المتشابهات أو يرددوا كلام الملاحدة أو الزنادقة أو المبشِّرين أمام العوام من الإخوان، وكان يقول لهم: اجعلوا هذه في مجالسكم الخاصَّة، تتدارسونها فيما بينكم أما هؤلاء العوام فتحدثوا أمامهم بالمعاني المؤثرة العملية التي توجههم إلى طاعة الله؛ لأنه يجوز أن تتعلق بنفس أحدهم شبهة ولا يفهم الرَّدَّ عليها فيتشوش اعتقاده بلا سبب)[12].

يُلِحُّ البنَّا في كتبه على هذه النقطة، ويُلِحُّ على التربية الروحية، وعلى الذكر والمداومة على الأوراد والوظيفة الجماعية، ويُلِحُ على الروحانيِّة الصُّوفيِّة[13].


[1] حسن، صلاح الدين، السلفيون في مصر، دار أوراق للنشر والتوزيع، صـــ 95

[2] المصدر السابق

[3] حوار مسجل للباحثين مع فريد عبدالخالق نشر جزء منه في جريدة الوطن المصرية

 

[4] المصدر السابق

http://www.elwatannews.com/news/details/105

 

[5] المصدر السابق

[6] المصدر السابق

[7] شلبي، رءوف، كتاب «الشيخ حسن البنا ومدرسة الإخوان المسلمون»، دار الأنصار، عابدين، القاهرة، صــــ 134

[8] المصدر السابق

[9] المصدر السابق

[10]  البنا، حسن، مذكرات الدعوة والداعية، دار الكلمة للنشر والتوزيع، صـــ 66/69

[11] المصدر السابق

[12] المصدر السابق

[13] ياسين، عبدالسلام، الإسلام بين الدعوة والدولة، الدار البيضاء، مطبعة النجاح، الطبعة الأولى
"