رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

«الجماعة الكاذبة».. الإخوان ترقص على الدماء بالشائعات والتدليس

الإثنين 04/مارس/2019 - 07:55 م
المرجع
محمد عبد الغفار
طباعة

الحرب النفسية المعتمدة بصورة أساسية على الشائعات، من أدهى الأساليب التي يتم الاعتماد عليها لمحاربة الأوطان، فهي لا تظهر العدو بصورة واضحة؛ لذا يقع عامة الناس فريسة لمكره، فتزيد مخاطر الشائعات، وخاصةً مع انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين الشباب والكبار على حد سواء، ويصبح المجال مفتوحًا للجماعات الإرهابية؛ لنشر الشائعات عبرها.


«الجماعة الكاذبة»..

ويرى علماء الاجتماع أن الشائعات هي رسائل اتصالية وتقارير غير مؤكدة أو مجهولة المصدر، أي أنها لا تحتوي على معايير المصداقية المعروفة، وتنتقل من شخص لآخر عبر مختلف الوسائل، سواء المنطوقة أوالمسموعة أوالمرئية، أي عبر وسائل الاتصال الجماهيري؛ بهدف تشويه صورة شخص أو التأثير على الرأي العام.


وتتلخص أهداف الشائعات في عدة نقاط، لعل أبرزها:

أ‌- بلبلة الرأي العام: وذلك عن طريق نشر شائعات تثير البلبلة والتساؤلات لدى المواطنين، إذ يتداولها الرأي العام بسرعة، خصوصًا إذا كانت تمس المسائل والجوانب التي تهمُّ الجمهور حول القضايا العامة.


ب‌- تدمير المعنويات: تستغل الجماعات الإرهابية حالة الغموض في بعض القضايا؛ لبث شائعاتهم حولها ونشرها بين الجمهور، وترمي لتحقيق هذا الهدف خصوصًا في حالة الثورات أو الحروب.


ت‌- الشائعات في مقابل الحقيقة: تعتمد بعض الجهات على تسريب الشائعات؛ بهدف إخفاء الحقائق عن الجمهور، أو كوسيلة للحصول على معلومات حقيقية، وهذه التقنية تستخدم بصورة مكثفة في حالات الحروب. 


ث‌- تكدير السلم العام: بواسطة بثِّ الشائعات التي تنال من الرموز والمؤسسات الرسمية، ما يؤدي لإعاقة مساعي التنمية داخل الدولة.


ج‌- تدمير النمو الاقتصادي: تعمل العديد من الجهات الخارجية على استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها بعض الدول، مثل ارتفاع الأسعار، وانتشار البطالة، ونقص السلع، وإضرابات العمال؛ لنشر الشائعات؛ بهدف وقف خطوط الإنتاج في تلك الدولة، وتدمير البنية التحتية، ومنع الشركات التجارية من القيام بأعمالها.


دورة حياة الشائعة:

تمر الإشاعات بثلاثة مراحل، وهي: مرحلة النشأة، ومرحلة النشر، ومرحلة المواجهة والاندثار، وفي مرحلة النشأة، تسعى الجماعات الإرهابية ومروجيِّ الشائعات؛ لاستغلال وقت الأزمات والكوارث؛ لإطلاق سمومها نحو المجتمع؛ ويهدف منها إلى زرع بذور الفتنة والكراهية بين أفراد المجتمع، وبث حالة الخوف والفزع بين صفوف الشعب.


أما في مرحلة النشر، فيتم نشر الشائعة بين الناس، عن طريق ترويجها عبر مجموعة من الأفراد عبر وسائل إعلام مغرضة، ووسائل تواصل اجتماعي، وتبدأ الشائعة بصورة بسيطة ثم يتناقلها الناس سريعًا؛ لتصبح بعد ذلك في نظر الكثير من الجمهور حقيقةً دامغةً لا تقبل الشك، وقد تولد الشائعة كبيرةً وضخمةً، وذلك في حالة الكوارث.


وفي مرحلة المواجهة والاندثار، تبدأ الدولة أو الجهات المعنية في مواجهة الشائعة، ما يساهم في إظهار الحقائق، واندثار الشائعات، ولكن عملية الاندثار قد تأخذ وقتًا، ويعتمد ذلك على مدى استجابة الجمهور لنقاط المواجهة.


 نماذج تاريخية:

يمتد تاريخ الشائعات إلى فجر التاريخ، وهناك عدة أمثلة على ذلك، من ضمنها استغلال «جنكيز خان» إمبراطور المغول، هذه الوسيلة كي يسيطر على مناطق واسعة حول العالم، فقد أثبت العديد من العلماء أن طبيعة البنية الجسمانية لسكان وسط آسيا، لا يمكن أن تأتي بالمقاتلين الأشداء الذين ظهروا مع جنكيزخان؛ لذا كان لابد من معرفة كيف نجح في السيطرة على تلك المناطق، وأثبت العلماء أنه اعتمد على الحرب النفسية؛ حيثأمر الحراس بالحديث عن القوة الخيالية والأعداد الكبيرة أمام جواسيس الطرق الذين يتم القبض عليهم، وذلك قبل إطلاق سراحهم، وكان هؤلاء الجواسيس يقومون بنقل تلك الشائعات إلى شعوبهم، ما يساهم في سقوط المدن بصورة أسرع من المعتاد.


وأبرز المؤرخ الأوروبي «بول لا ينبرجر» هذه القضية، في حوار بين جاسوس محرر من المغول، وبين سلطان خوارزم، وشبه الأول مقاتلي المغول بأنهم لا يستنشقون سوى الدم والحرب، ولا يريدون سوى القتال والحرب، وهم نار مستعرة يدينون بالولاء التَّام والطاعة المطلقة لقيادتهم.


واعتمدت الثورة الأمريكية على الشائعات خلال القرن الثامن عشر، إذ نشط سام آدمز في ترويجها، كما أطلق بنجامين فرانكلين مواهبه في الترويج للشائعات ضد الإنجليز، وأبرز خلالها فظائعَ ومآسي من تأليفه ضدهم، كما تمَّ استخدامها أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، وغيرها من الأحداث، ما يدل على الاهتمام الكبير الذي توليه الدول لهذا الأسلوب.


حريق محطة مصر
حريق محطة مصر

الإخوان والشائعات:

لم تكن الجماعات الإرهابية عمومًا والإخوان خصوصًا، بعيدة عن مجال إطلاق الشائعات وترويجها، نظرًا للدور الخطير الذي يمكن أن تلعبه الشائعات فى خلخلة المجتمع، إضافةً إلى أن هذا الفكر يتلاءم مع طبيعة الجماعة، التي احترفت الكذب، فقد استغلت الجماعة حالة الحزن التي انتابت المواطنين عقب حادث قطار محطة مصر، صباح الأربعاء 27 فبراير الماضي، وحاولت كسب الموقف لصالحها، دون أي اعتبار لحرمة الشهداء، أو تقدير لمشاعر الحزن التي سيطرت على عموم الشعب، فانطلقت الأبواق الإعلامية الخاصة بالجماعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛لتعيد نشر مقطع فيديو مقتطع من سياقه للرئيس عبد الفتاح السيسي، عندما تطرق في افتتاح أحد المشروعات القومية فى محافظة قنا فى العام 2017، للحديث عن تطوير مرفق السكك الحديد، وأرادت الجماعة الإرهابية من خلال نشر الفيديو إلصاق تهمة الإهمال بالدولة، وتقديم النظام في صورة المتسبب والمسؤول عن تلك الأرواح.


وخلال مرحلة انتشار الشائعة، قامت الصفحات الإخوانية والمنتسبين للجماعة من الطابور الخامس داخليًا وخارجيًا، بإعادة نشر الفيديو على نطاق واسع؛ بهدف إيصاله إلى أكبر قدر ممكن من الجمهور، إضافةً إلى إيهام العامة بحقيقة ما يتضمنه المقطع، وبذلك تنتقل مهمة نشر الشائعة من مخبري الجماعة إلى الجمهور العام، ما يزيد من مصداقيتها لدى الآخرين.


وهنا انتقلت الجماعة من الجمهور الإخواني، الذي يتابع صفحات الإخوان، إلى الجمهور المحتمل، وهو الجمهور المتعاطف مع الجماعة، وإن لم يكن عضوًا رسميًّا بها، وصولًا في نهاية المطاف إلى الجمهور المحايد، والذي ظل على شبكة الإنترنت يبحث عن الحقيقة، ويريد تقديمها بدوره إلى الآخرين.


وعلى الرغم من الساعات القليلة التي فصلت ما بين ظهور الشائعة، وبين الرد الحكومي عليها، إلا أن عملية الانتشار جاءت واسعة، ويرجع ذلك إلى عاملين، الأول خطورة الموقف، نظرًا لسقوط العشرات من المصابين والشهداء خلال الحادث، والعامل الثاني، التركيز الإخواني الواسع على الحادث، ومحاولة استغلاله بصورة جيدة، وفقًا لأجندتهم، ضد النظام والدولة المصرية.


وجاءت مواجهة الشائعة تمهيدًا لتفنيدها من خلال نشر حقيقة الفيديو، والذي أظهر أن الدولة تسعى إلى تطوير هذا المرفق بصورة سريعة، وقام الرئيس خلال الفيديو الكامل بإبراز الدور الذي تقوم به الدولة في هذا المرفق، والآليات التي تعتمد عليها في عملية التطوير، والتكامل ما بين الدور الحكومي والشعبي في عملية التطوير، وبالفعل نجحت تلك الخطوة في دثر هذه الشائعة بصورة كبيرة، ما دفع الجماعة إلى إطلاق عدة هاشتاجات أخرى عبر وسائل التواصل؛ بهدف حفظ ماء الوجه، ولكن تلك الهاشتاجات سقطت بسرعة كبيرة نظرًا لعدم تفاعل الجمهور معها، ما سطر هزيمة شعبية جديدة للتنظيم الإرهابي على أرض مصر.


آليات مواجهة الشائعات:

لم تكن تلك المرة الأولى التي تعتمد فيها الجماعة على جيش إلكتروني لبث الشائعات، ولن تكون الأخيرة؛ هادفةً من وراء ذلك إلى خنق الدولة المصرية، وبث الرعب في صفوف المواطنين، وتزييف الوعي الجمعي، وخلق حالة سوداوية في عيون المجتمع، وتعتمد الجماعة الإرهابية في ذلك على إضفاء هامش واقعي وحقيقي على شائعاتها، فبدلًا من بث تلك الشائعات بصورة مكتوبة، تقوم باقتطاع جزء من فيديو كامل، اعتمادًا على أن الصورة الثابتة أو المتحركة أكثر مصداقية من الكلمة المكتوبة والمطبوعة؛ لذا فهي تهدف إلى إيهام أكبر عدد ممكن من الأفراد بالمعلومات المزيفة التي تبثها.


ولمواجهة الأهداف المسمومة للجماعة، لابد من اتباع عدة خطوات: 

1- خنق الشائعة بالحقيقة: تعدُّ هذه الآلية من أبرز وأهم الخطوات الواجب اتباعها عند صدور إشاعة معينة، فلابد من إظهار الحقيقة، ويقوم على ذلك مجموعة من الخبراء والاستشاريين والباحثين؛ بهدف الإسراع من عملية نقل الشائعة من مرحلة الانتشار إلى مرحلة المواجهة والاندثار.


وكانت الدولة المصرية تعاني من بطء شديد في مواجهة الشائعة، بل يمكن القول: إنها لم تكن تعمل على مواجهتها بصورة مطلقة، تاركةً الرأي العام فريسة لتلك الشائعات ومروجيِّها، فاتحةً الباب أمام مروجيِّها؛ لتحقيق أهدافهم في المجال العام المصريّ، وظهر ذلك بوضوح في عدة قضايا خلال العهود السابقة.


ولكن يمكن ملاحظة سرعة الاستجابة الصادرة من الدولة خلال الفترة الماضية، من خلال عدة جهات ومراصد إعلامية وبحثية، مثل مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، ومرصد الإفتاء، وغيرها من الجهات الحكومية، وهناك أمل ورغبة في أن تكون الاستجابة أسرع وأسرع، ويمكن أن يتم عرض المعلومات حول الأزمات والكوارث بصورة أسرع من صدور الشائعات، وذلك لقطع الطريق على الجماعة الإرهابية وأعوانها.


2- استغلال الشائعات؛ بهدف تعرية مصدرها أمام الرأي العام: قديمًا كان من الصعب معرفة مصدر الشائعة، أما حديثًا يمكن معرفة مصدرها، خصوصًا إذا ما جاء إطلاقها بصورة إلكترونية، إذ تساهم العديد من الأدوات في معرفة أول من تناول هذه القضية، وأول من نشر تغريدة أو مشاركة عنها، وبعد معرفة المصدر يمكن تعرية صاحبه أمام الجمهور، وذلك من خلال إبراز كذبه، واستغلاله لأزمات المجتمع؛ بهدف الحصول على منافع شخصية، وهذا ما حدث مع الجماعة الإرهابية عقب الحادث الأخير، فلم تفكر سوى في تحقيق مصلحتها، واستغلال الموقف، والرقص على الدماء كعادتها.


3- إتقان الحرب الإلكترونية: ساهمت الأدوات التكنولوجية في سرعة نقل المعلومات وانتشارها بين قطاع كبير من الجمهور، ويساهم إعادة نشر الشائعة في خلق وعي مزيف لدى المتلقي عن الأحداث، ويقنعه بأن هذه الشائعة هي الحقيقة المطلقة، والتي يؤمن بها السواد الأعظم من الجمهور، وهذا يفسر عملية النشر واسعة النطاق التي تمت للفيديو المقتطع من سياقه للرئيس السيسي حول تطوير السكك الحديدية؛ لذا فإن إتقان الدولة لآليات مواجهة الشائعات الإلكترونية، وتفتيت ما يظهر بها من معلومات وآراء، وإبراز أهدافها، من خلال سرعة إبراز مصدر الشائعة، والرد عليها في وقتٍ قياسيِّ، ونشر الحقيقة والمعلومات الفعلية بصورة واسعة النطاق، وغيرها من الآليات، يعدُّ أولوية قصوى بالنسبة خلال الفترة الماضية؛ حيث يؤدي ذلك إلى قطع الطريق أمام الجماعات الإرهابية؛ لتحقيق أهدافها، وبث سمومها، ويعطي الفرصة لأن تكون هناك وجهتي نظر على ساحة الفضاء العام، ما يسرع من عملية إبراز الحقيقة وتأكيدها لدى قطاع واسع من الجمهور. 


ويبدو واضحًا وجليًّا أن الحرب الإلكترونية سواء على مستوى الدول أو الأفراد، هي الحرب المستقبلية، وسوف يشهد العالم الكثير منها خلال الفترة المقبلة؛ لذا لابد أن تتخذ مصر خطوات فعالة بها، خصوصًا مع تربص جماعة الإخوان الإرهابية وبعض الدول الإقليمية مثل قطر وتركيا بها.

"