رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

بافتتاح أكبر وكالة استخبارات في العالم.. ألمانيا تسعى للريادة وتحجيم الإرهاب

الخميس 21/فبراير/2019 - 02:23 م
المرجع
آية عبد العزيز
طباعة

افتتحت المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» المقر الجديد لوكالة الاستخبارات الفيدرالية الألمانية في العاصمة برلين، بالقرب من جدار برلين السابق، بعد ما يقرب من 12 عامًا من بدء البناء بتكلفة أكثر من مليار يورو، ليعد بذلك أكبر مقرات للمخابرات في العالم على مساحة تصل إلى 36 ملعبًا لكرة القدم.



كما يمثل واحدًا من أكثر المناطق السرية في ألمانيا؛ إذ يخضع العاملون فيه لعدد من القواعد الأمنية الصارمة التي تدير نطاق عملهم. ومن المتوقع أن يبلغ عدد العاملين في المقر الجديد ما يقرب من 4000، فيما توظف الوكالة بشكل عام نحو 6500 شخص في ألمانيا وحول العالم. (1)


التأسيس 

تأسست الوكالة في عام 1956، في ضاحية بولاخ، إحدى ضواحي ميونيخ، باعتبارها جزءًا من الإرث النازي، وكان أول رئيس لهذه الوكالة هو «راينهارد جيهلين» الذي كان مسؤولاً في الجيش الألماني عن الاستخبارات العسكرية في الرايخ الثالث.


وفي السنوات الأولى للوكالة استخدمت لتعقب النازيين المطلوبين بعد الحرب العالمية الثانية، كما تم تطويع الوكالة ضد الشعب الألماني إبان المخابرات السرية الشيوعية. وبعد الحرب العالمية الثانية، ساعدت الوكالة القوات الأمريكية في تنسيق أنشطة الاستخبارات التي تستهدف الاتحاد السوفيتتي.


وفي هذا السياق، استطاع جهاز المخابرات الفيدرالي أن يتطور من ذاته ويغير من نمط العمليات والمهام التي يقوم بها منذ نهاية الحرب الباردة، فخلال معظم تاريخه الممتد على ستة عقود، ركزت المخابرات على أعداء الحرب الباردة، لا سيما ألمانيا الشرقية. وهي تتعامل مع المعلومات الاستخباراتية خارج الحدود الألمانية، وهي واحدة من اثنتين من أهم أجهزة الاستخبارات غير العسكرية في ألمانيا.


كما ساهم في الكشف عن بعض عمليات الاختراق الخاصة بالدول التي تهدد أمنها القومي من خلال التنسيق والتعاون مع الدول الأخرى. تجلى في كشف تفاصيل قضية إدوارد سنودن في 2013 عبر التعاون مع دائرة عمليات الاستخبارات الأمريكية. (2)


دلالات الافتتاح 

تأمل «ميركل» أن تؤدي هذه الخطوة إلى ضمان انتقال مهام ومسؤوليات الوكالة من سياق الحرب الباردة إلى خدمة أهداف ألمانيا وشعبها، ومواجهة التحديدات والتهديات التي تعاني منها برلين بصفة عامة، كما تسعى إلى بناء سمعة ومستوى ثقة المؤسسة؛ حيث تؤمن «ميركل» بوضوح بعظمة الموقع الجديد، مشيرة إلى أنها «ستثير إعجاب أي جهاز استخبارات أجنبي» كما تكمن دلالاته على النحو التالي:


1- تحدي الثقة؛ يُنظر إلى فكرة الخدمة السرية في ألمانيا بشكل تقليدي، لإنها تستحضر ذكريات المخابرات التابعة للحكومات النازية والمعروفة باسم «الجستابو»، والمخابرات الشيوعية السرية التي تعرف باسم «الستاسي»، لذا تحمل الوكالة أهمية كبيرة لبرلين التي تسعى إلى تجديد ثقتها بنفسها من الناحية الدفاعية والأمنية، مع استعادة مكانتها العالمية.


2- انتهاج استراتيجية استباقية؛ يساهم المقر الجديد للوكالة في التعامل مع المخابرات الألمانية بشكل أكثر جدية؛ إذ أنه سيكون قادرًا على لعب دور أكثر استباقية في جمع المعلومات الاستخبارية، مع قدرة أكبر على العمل، وقد أعربت «ميركل» عن ذلك إبان الافتتاح أن «برلين تحتاج إلى خدمة استخبارات أجنبية قوية وفعالة».


3- الريادة الاستخباراتية؛ تعد الوكالة رمزًا لإيمان ألمانيا بكونها ستصبح رائدة عالميًا في مجال الاستخبارات، على الرغم من أن تاريخ جمع المعلومات الاستخبارية ينظر إليه بازدراء شديد في ألمانيا. نتيجة إنعدام الثقة التي نبعت من سياسات المنظمات الاستخباراتية في عهد الحكم الشيوعي والنازي. هو ما أوضحته «ميركل» أيضًا إن «عدم الثقة السليمة أمر مفيد، لكن كونها مشبوهة بشكل مفرط هي عائق». (3) 


4- إعادة الحركة الرمزية إلى ألمانيا الموحدة؛ إن الابتعاد عن مقر ميونيخ هو الخطوة الأخيرة في السعي الألماني للتغير عقود من الزمان لإنه يوفر فرصة لإعادة الحركة الرمزية إلى ألمانيا الحديثة الموحدة، بعيداً عن العلاقات النازية القديمة. (4)


لماذا الآن؟!

يأتي الافتتاح بالتوازي مع التهديدات التي تواجه برلين على الصعيد الداخلي والتي تتجلى في تنامي صعود القوى اليمينية والشعبوبية المناهضة لسياسات الحزب الحاكم، وإدارته لعدد من الملفات الدولية المثارة التي تأتي في مقدمتها ملف الهجرة واللجوء. بجانب  الصعود الروسي الموازي للغرب خاصة في أوروبا الشرقية، علاوة على التحول الاستراتيجي في النهج الأمريكي تجاه دول القارة بصفة عامة وبرلين بصفة خاصة، فمنذ مجيء الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» إلى السلطة، انتهج سياسات أحادية الجانب تدعم المصالح الأمريكية على حساب الحلفاء في الغرب تبلور ذلك الضغط المستمر عليهم في تحمل أعباء الدفاع عن أنفسهم، مع زيادة مخصصات الدفاع والأمن لتصل إلى ما يقرب من 2% من الناتج الإجمالي المحلي.


ترامب
ترامب
كما تزامن الافتتاح مع تهديد «ترامب» العواصم الأوروبية، بما فيها برلين باستعادة أكثر من 800 مقاتل من  تنظيم «داعش» من سوريا، تم اعتقالهم ومحاكمتهم، مع بالتوازي مع الانسحاب الأمريكي منها، بدلًا من إطلاق سراحهم وعدم السيطرة عليهم، وعليه، فقد سعت المستشارة الألمانية إلى مواجهة هذه التهديدات والتحديات من خلال إعادة هيكلة المؤسسات الدفاعية والأمنية الداخلية تمهيدًا لزيادة المخصصات المالية، مع تبنيها نهجًا حذرًا في التعاطي مع هذه المسألة التي قد تعصف بمستقبلها السياسي مرة ثانية بعد أزمة الانقسام السياسي داخل الحكومة حول ملف اللجوء والهجرة، بجانب التنسيق والتوافق مع الضامن التقليدي للأمن الأوروبي فرنسا، بقيادة الرئيس «إيمانويل ماكرون» لطرح مبادرات خاصة بتأسيس جيش أوروبي يرتكز على المقدرات أوروبية خالصة، لا يتعارض مع مهام حلف شمال الأطلسي «الناتو»، مع تدشين اتحاد دفاعي لحماية الأمن الأوروبي.

إجمالًا: تسعى ألمانيا لاستعادة ريادتها عالميًّا في سياق المتغيرات الدولية والإقليمية المتلاحقة بما يعزز من وجودها، وحماية لأمنها القومي بل والأوروبي. 

الهوامش:

1.       "World’s biggest intelligence headquarters opens in Berlin", The Guardian, 8-2-2019. https://www.theguardian.com/world/2019/feb/08/worlds-biggest-intelligence-headquarters-opens-berlin-germany-bnd

2.       Daniel Clark, "Germany opens massive Intelligence headquarters in Berlin", UK Defence Journal, 11-2-2019. https://ukdefencejournal.org.uk/germany-opens-massive-intelligence-headquarters-in-berlin/

3.         Daniel Clark, Ibid.

4.       Christopher F. Schuetze, "Germany Opens Massive Intelligence Complex (Maybe the World’s Largest) in Berlin", New York Times, 9-2—2019. https://www.nytimes.com/2019/02/09/world/europe/germany-intelligence-service-headquarters-berlin-bnd.html

"