رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

«الأوف شور» الطريق السري لإخفاء أموال الإخوان

الثلاثاء 12/فبراير/2019 - 11:12 ص
«أوف شور» والإخوان
«أوف شور» والإخوان
ماهر فرغلي
طباعة

الـoff-shore»» في القواميس العربية تعني «بَعِيدًا عنِ الشَّاطِئ»، وفي الترجمة الاقتصادية «مؤسّسة مالية خارجية»، واصطلاحًا يشير إلى جزر قريبة من النفوذ الأوروبي، مثل: جزر البهاما، وجرسي، والكايمان، والتي كانت جزءًا من مستعمرات سابقة، ورغم أنها تتمتع في غالبيتها باستقلال ظاهري عن البلد الأم، فإنها مرتبطة عن كثب بالعواصم المالية والسياسية الكبرى، وتُعَد ملاذات آمنة لإيداع أموال الأثرياء أو تلك الناتجة عن الفساد والجريمة المنظمة.



«الأوف شور» الطريق

بدأت الملاذات الآمنة للأموال عملها الجدي أثناء الحرب العالمية الأولى، حينما زادت الضرائب بنسب كبيرة؛ لتغطية نفقات الحرب، وبعدها سَنَّت سويسرا عام 1934 قانون السرية الشهير، الذي جعل من انتهاك السرية المصرفية جريمة جنائية، ويُطلق على «الأوف شور» عدة ألقاب تكشف عن مستويات عدة لتعريفها، تختلف باختلاف استخدامها، فهي جزر الملاذ الضريبي، أو السياحة الضريبية، من حيث قدرتها على إخفاء الأموال عن الضرائب، كما أنها الفردوس المالي للأثرياء، باعتبارها ليست أماكن لتهريب الأموال أو الحماية من الضرائب فحسب، بل هي مشروع للأثرياء والأقوياء؛ لمساعدتهم على استلاب الميزات من المجتمع دون أن يدفعوا ثمنها.

 

«وثائق بنما» المُسَرَّبَة من شركة «موساك فونسيكا» للخدمات القانونية، التى تتخذ من بنما مقرًا لها، أوضحت أن الإخوان المسلمين نجحوا بالتوازي مع بداية ظاهرة البنوك الإسلامية الحديثة، التي عرفها العالم في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، في بناء هيكل متين من شركات «الأوف شور»، التي أصبحت جزء لا يتجزأ من قدرتها علي إخفاء ونقل الأموال حول العالم، وتمحور عمل المسؤولين الاقتصاديين التابعين للجماعة في التلاعب الزائف بمسار التعاملات الورقية للأموال عبر الحدود، بين ما هو مشروع قانونيًّا وما هو محظور، مثل: تجنب الضرائب، والإيداعات الزائفة، والتلاعبات غير القانونية في الفواتير، وذلك تحت مسميات خادعة مثل الحلول الضريبية، وحماية الأصول، وهيكلة الشركات.

«الأوف شور» الطريق

«الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين»، ومقره واشنطن، تُولِى تفسير وثائق بنما، التي كان عددها نحو 11.5 مليون وثيقة تحتوي على بيانات تتعلق بعمليات مالية لأكثر من 214 ألف شركة عابرة للبحار (offshore) في أكثر من 200 دولة ومنطقة حول العالم، جرت على مدى أكثر من أربعة عقود (1977-2005) لشركات تولى تسجيلها مكتب المحاماة البنمي، وورد فيه بيوم 4/4/ 2016 في تقرير مفصل نقلته واشنطن بوست، أن الجماعة استفادت من تكتيكات التعامل في «أوف شور»، الذي أطلق عليه خبراء الاقتصاد أسلوب «سباطة الموز»، وهو  المسار المحاسبي الأكثر التفافًا؛ حيث الموز يُزرع في هندوراس التي تضم أشهر مزارع الموز؛ لحساب شركات متعددة الجنسيات بالولايات المتحدة الأمريكية، ويباع أغلب إنتاجها في بريطانيا، وهذا هو المسار الطبيعي، أو باستخدام أسلوب الملاذات الضريبية، فإن إدارة شركة الموز ستكون في جزر الكايمان، وستكون الخدمات المالية للشركة تقدم من لوكسمبورج، بينما الاسم التجاري للشركة يتم تغييره بسجل تجاري في أيرلندا، بينما فرع الشحن للشركة في جزر الآيل أوف مان، ويكون الخبراء الإداريون في ولاية جيرسي الأمريكية، والذراع التأميني في جزر برمودا؟، وبهذا المسار الأكثر التفافًا تُصبح الالتزامات المالية بالغة الانخفاض، وتختفي فاتورة ضرائب ضخمة، ويُنقل رأس المال إلى «الأوف شور».

«الأوف شور» الطريق

هناك أسلوب يسمى «تقطيع إصبع السجق»، أي السري الدائري، الذي يشبه عملية التقطيع إلى شرائح مما يزيد السرية والتعقيد في نقل واستثمار الأموال، ويوفر بالتالي أكبر حماية لها، وهذا ما صعّب أمام هذه الخريطة المعقدة تحديد التمويل الحقيقي للجماعة.

 

المركز الإستراتيجي للتقييم الدولى بولاية فيرجينيا الأمريكية، وهو مركز يركز على قضايا الأمن متوسطة وطويلة الأجل، وأثرها على أمن الولايات المتحدة ومصالحها وحلفائها الرئيسيين، فى تقرير له صدر فى 2006، عن إمبراطورية المال الاقتصادية لجماعة الإخوان المسلمين فى مصر حول العالم، ومصادر تمويل الجماعة الأكبر فى العالم، أشار إلى الجماعة استفادت من شركات الأوف شور، وأن ما يظهر من ثرواتها وأموالها لا يزيد علي كونه الجزء الظاهر من جبل الثلج، يختفي معظمه تحت الماء.

 

موقع الوثائق السرية المسربة Panama Papers»» ذكر في تحقيق استقصائي، أن الجماعة اعتمدت استراتيجية قائمة علي أعمدة من السرية والخداع والخفاء والعنف والانتهازية، مشيرًا إلى قادة تمويل الإخوان، كإبراهيم كامل مؤسس بنك دار المال الإسلامي «دي إم إي»، وشركات الأوف شور التابعة له في «ناسو» بجزر البهاما، ويوسف ندا، وغالب همت، ويوسف القرضاوي، في بنك التقوي في ناسو، وإدريس نصر الدين مع بنك أكيدا الدولي في ناس، وهي بنوك وشركات تم تأسيسها، وتتمتع بغموض كبير، جعلها بعيدة عن الرقابة، وكانت الفرضية الأساسية للجوء إليها هي الحاجة لبناء شبكة في الخفاء، بعيدًا عن أنظار الحكومات وأجهزة الأمن.

 

كانت الشركات الأكثر وضوحًا في شبكة تمويل الإخوان، هي بنوك الأوف شور في جزر البهاما، التي خضعت لتحقيقات سريعة بعد أحداث 11 سبتمبر؛ حيث أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية ساعتها، أن بنكي التقوي وأكيدا الدولي، متورطان في تمويل عدد من الجماعات الأصولية، من بينها حركة حماس، وجبهة الخلاص الإسلامية، والجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، وجماعة النهضة التونسية، إضافةً إلى تنظيم القاعدة.

«الأوف شور» الطريق

في وثائق بنما، التي نشرت عنها في تقرير مفصل صحيفة واشنون بوست، أن جزءًا كبيرًا من أنشطة الإخوان المسلمين، قد تم تأسيسه كشركات «أوف شور»، من خلال صناديق استثمارية محلية في إمارة ليختنشتاين، الواقعة علي الحدود السويسرية النمساوية؛ حيث لا توجد هناك حاجة لتحديد هوية أصحاب هذه الشركات، ولا توجد أي سجلات عن أنشطة الشركات ومعاملاتها.

 

كانت صحيفة واشنطن بوست نشرت تقريرًا معتمدًا علي وثائق بنما عنونته بـ«اكتشاف جزء صغير من إمبراطورية شركات الأوف شور لجماعة الإخوان المسلمين الدولية»، جاء فيه إن جماعة الإخوان نجحت منذ أوائل الثمانينات في بناء هيكل متين من شركات «الأوف شور» بالتوازي مع نمو ظاهرة البنوك الإسلامية، ومن خلال هذا الهيكل تمكنت الجماعة من إخفاء ونقل الأموال عبر العالم.

 

ونقل التقرير عن أحد مسؤولي الحكومة الأمريكية، أن استثمارات الجماعة في أوروبا غير معلومة الكم بشكل دقيق، لكنه قدرها بما يتراوح بين خمسة إلى عشرة مليارات، تتوزع بين سويسرا وجزر كايمن والبرازيل والأرجنتين وبارجواي وقبرص ونيجيريا وبنما وليبيريا.

 

ونقل التقرير، أنه في وقت مبكر، كشفت المخابرات المركزية الأمريكية، أن بنك التقوى وغيره من المؤسسات المالية للإخوان، تم استخدامها ليس فقط من أجل تمويل القاعدة، لكن أيضًا لمساعدة المنظمات الإرهابية على استخدام الإنترنت والهواتف المشفرة، وأسهمت في شحن الأسلحة.

 

وأعلنت وزارة الخزانة نقلًا عن مصادر في أجهزة الاستخبارات، أنه «مع حلول أكتوبر 2000، كان بنك التقوى يوفر خط ائتمان سري لأحد المساعدين المقربين من أسامة بن لادن، وأنه مع نهاية شهر سبتمبر 2001، حصل أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، على مساعدات مالية من يوسف ندا».

 

كما كشفت واشنطن بوست، أن الشبكة المالية للإخوان المسلمين من الشركات القابضة والتابعة، والمصارف الصورية، وغيرها من المؤسسات المالية، أصولها تتراوح ما بين 5 و10 مليارات دولار، وهذا غير ثروات بعض أعضاء التنظيم الدولي مثل يوسف ندا الذين يملكون عشرات الشركات، سواء حقيقية أو «أوف شور»، ويصعب التمييز بينها وبين أموال الجماعة.

 

إن بحثت عن الفساد المالي في العالم وتهريب الأموال والطرق السرية؛ لإخفاء الثروات وطرق التمويل، لا بد وأن تجد جماعة الإخوان أعلى القائمة في استخدام أوكار شركات الـ «Offshore».

الكلمات المفتاحية

"