رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

مسجد في ميونيخ

الخميس 29/مارس/2018 - 02:08 ص
المرجع
إيان هامل
طباعة

«مسجد في ميونخ» نتاج عمل مشترك بين وكالة الاستخبارات الأمريكية والإخوان المسلمين والقذافي


استخدم الألمان خلال الحرب العالمية الثانية مواطني الشيشان وكازاخستان وداغستان لمحاربة الاتحاد السوفييتي السابق، وبعد الهزيمة استمرَّ هؤلاء المسلمون في ألمانيا؛ خاصة في ميونخ، وانضم إليهم الإخوان المسلمون، وذلك بعد وصول جمال عبدالناصر للسلطة في مصر، وتَنَاحَرت هاتان الطائفتان حول بناء مسجد.


بقلم: إيان هامل

في 23 أغسطس 1973 ارتفع صوت المُؤَذِّن للمرَّة الأولى داعيًا للصلاة من مسجد في مقاطعة بافاريا الألمانية، كان المركز الإسلامي يبدو جديدًا تمامًا، وكان يَقَع في مخرج مدينة ميونخ في وسط الغابة، وفي ذلك الوقت، لم يكن في ألمانيا الغربية سوى 5 مساجد فقط؛ تكلف «مسجد ميونخ» خمسة ملايين مارك، وصمَّمَه مهندس معماري ألماني من أصل تركي، وللمسجد مئذنة بارتفاع 35 مترًا، تمَّ بناؤها ببراعة فائقة، ويتوجها هلال ذهبي.


ويقول إيان جونسون، الحائز على جائزة «بوليتزر» في كتابه: «مسجد في ميونخ.. النازيون ووكالة المخابرات المركزية وصعود الإخوان المسلمين في الغرب» (*) إنَّ للمسجد سلمًا حلزونيًّا يؤدي إلى المنصة التي كان المؤذن ينادي للصلاة منها، كما تَحَدَّث عن تلك الحقبة التي كان فيها العدو الأول هو كتلة الاتحاد السوفييتي وليس الإسلاميين على الإطلاق.


وقَامَ الألمان ومِن خَلْفَهم الأمريكيون، وبصفة خاصَّة «السي أي إيه»، بمدِّ يد العون لثلاثة من الإخوان المسلمين الذين جاءوا لزرع الجماعة في الغرب؛ فلقد كان هناك أولًا المصري سعيد رمضان، صِهر حسن البنا، وحتى يتمكن رمضان من السيطرة على الجالية المسلمة في ألمانيا أَسَّسَ مجلس الجمعيات والمجتمعات الإسلامية في ألمانيا عام 1962، واعتمد بناء هذا المسجد الشهير على شخص إخواني من سوريا وهو غالب همت، في البداية راهن الأمريكيون على سعيد رمضان، ورأوا فيه متحدثًا مستقبليًّا باسم الغرب في العالم الإسلامي. يقول جان جونسون: «لقد ضغطت المخابرات الأمريكية على الأردن لإصدار جواز سفر لرمضان»؛ لكن ثمة مشكلة لم يكن والد هاني وطارق رمضان بعيدًا عن الشبهات.


تَمْوِيلٌ سُعُودِيٌّ

كان رمضان يحظى برعاية سخية من السعوديين، وكان يتحرك في سيارة كاديلاك ذات لون فاقع، وليس حقيقيًّا أنه كان لا يتأثر بسحر الفتيات الهابطات، والأدهى من ذلك أنه في عام 1960 أعلن أنه تَلَقَّى مبلغًا كبيرًا من المال لبناء المسجد من الملك سعود بن عبدالعزيز ملك السعودية، والملك حسين عاهل الأردن، ورجال أعمال أتراك وليبيين. وأنشأ سعيد رمضان فروعًا في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، وبيروت، وقام بتعيين مستشارين يقومون بجمع الأموال له؛ لكنَّه في الواقع لم يتمكَّن من جمع الكثير من المال. ويقول إيان جونسون في كتابه: «لم يكن أحد قد رأى بعد المبلغ الذي كان قد وَعَدَ به بمناسبة قدومه لأداء الحج في مكة في العام السابق».


وفي النهاية تخلى السعوديون عن سعيد رمضان ليغادر ميونخ ويعود إلى المركز الإسلامي في جنيف. لم يتلق حتى دعوة لحضور حفل افتتاح مسجد ميونخ الجديد، فقد قَامَت لجنة بناء المسجد باستبعاده من قائمة آخر الأعضاء! لم يتبعه غالب همت في هذا السقوط، واختار همت أن يقوم بدور «بروتوس»، وتَقَرَّب من إخواني مصري آخر هو يوسف ندا، وعلى عكس سعيد رمضان الذي تمكَّن من مغادرة مصر بعد فترة وجيزة من وصول عبدالناصر إلى الحكم، قضى يوسف ندا عدة سنوات في السجن بالقاهرة، وعند خروجه استقرَّ في ليبيا، وعمل بالأعمال الحرَّة، لكنه اضطر إلى الفرار بعد الانقلاب الذي قاده العقيد القذافي في عام 1969، لكنَّ الكراهية ليست أبدية كما هو معلوم في العالم العربي؛ ففي عام 1971 وافق الزعيم الليبي -الذي كان يريد تحسين صورته في العالم الإسلامي- على تمويل مسجد ميونخ بمبلغ مليون ونصف المليون مارك، وفضَّل يوسف ندا -الذي يعتبره الكثيرون وزير خارجية الإخوان- البقاء في ميونخ، تاركًا غالب همت في الصدارة لثلاثة عقود على رأس المسجد، وكان الرجلان القريبان جدًّا يعيشان في بلدة كامبيوني الإيطالية التي تقع علي شريط ضيق من الأراضي في إقليم تيتشينو السويسري.


بِاسْمِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ

كتاب «مسجد في ميونخ» يحكي بالتفصيل التعايش الصعب بين المسلمين القادمين من الاتحاد السوفييتي لدعم النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، والذين كثيرًا ما كانوا ينسون دائمًا الصلاة ويشربون الكحول، والطلاب الإسلاميين الذين تُشرف عليهم جماعة الإخوان المسلمين، ونرى أيضًا أنه في يوليو 1963 تم استقبال وفد من المسلمين؛ من بينهم سعيد رمضان في البيت الأبيض، وقال لهم الرئيس دوايت ايزنهاور: «يجب أن يمنحنا إيماننا بالله هدفًا مشتركًا.. محاربة الشيوعية وإلحادها». وبعد ذلك بوقت قصير تعامل سعيد رمضان -اللاجئ في أوروبا- مع بوب دريهر أحد عملاء المخابرات المركزية الأمريكية المقيمين في ميونخ.

 

(*) مسجد في ميونخ، ايان جونسون، دار نشر لاتييس، باريس 2011.

"