رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

ماهر فرغلي يكتب: أردوغان والإخوان.. الجماعة بوجه العاصفة

الأربعاء 06/فبراير/2019 - 04:24 م
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

من يعرف أردوغان يدرك أنه سريع التقلبات، براجماتي إلى أبعد حد ممكن، وبمراجعة سريعة لتاريخه مع الإسلام السياسي، سيدرك أن له تحولات كثيرة، أهمها انتقاله من مرحلة أربكان وتأسيسة العدالة والتنمية إلى الاستفادة من فتح الله كولن، ثم تحالفه مع مشروع الجماعة الأم وتوظيفه براجماتياً لأكبر حد ممكن.

أردوغان والإخوان علاقة مأزومة

أدرك أردوغان أنه يمكن أن يتوافق مع الرؤية الأمريكية ويستفيد منها لأقصى حد ممكن، وكانت تركيا رشحت لقيادة المشروع الذي صاغه مكتب التخطيط السياسي في الخارجية الأميركية تحت عنوان "ترويض مضمار التطرف"،  وهو المشروع الذي سيدمج الإسلاميين في أنظمة ليبرالية.

حاول أردوغان تطبيق هذا المشروع، واحتضن الإخوان، وقدم الدعم لكل جماعات الإسلام السياسي، لكن محركات التطرف لدى هذه التنظيمات ارتدت للداخل التركي، وأثرت فيما بعد بالسلب على اقتصاد وسياسة تركيا الخارجية والداخلية.

مع محاولة أردوغان تصليح العلاقة مع إسرائيل، وبعد الانسحاب الأمريكي المقبل من سوريا، والاتفاق على منطقة آمنة بالشمال الشرقي للدولة السورية، حدث التحول الأردوغاني، فالرجل تخلى عن رفقائه من قبل بالعدالة والتنمية، وأنكر اتفاقاته مع حزب العمال الكردستاني، وغدر بحليفه كولن، وتخلى عن شيخه أربكان، ومن السهل عليه التضحية بالإخوان المصريين.

الإخوان في وجه العاصفة

شعر الإخوان بالخطر، وأدركوا سرعة التغيرات التي تمر بالمنطقة، واستقرار النظام السياسي بمصر، والرغبة الداخلية التركية في عدم وجود هذه القنوات، والتخلي عن دولة بحجم مصر، خاصة مع الصراع على الغاز بشرق المتوسط، وكيف أن مصر أحرزت في هذا الملف هدفاً وفق تعبير الرئيس السيسي.

كانت خطة الإخوان على عدة محاور، الأولى منها هي: المساهمة الفعّالة في تدعيم الأسلمة بتركيا، وتحويلها إلى سلطنة عثمانية، والمساعدة بأي شكل في دعم أردوغان في هذا الاتجاه، حتى يصبح الأمر شمولياً غير مختص بأردوغان، بل بمشروع الأسلمة، الذين سيكونون هم في القلب منه.

المحور الثاني هو محاولة الاندماج التام مع حزب العدالة والتنمية، بحيث يصبح إخوان مصر هم المرجعية الفقهية والدينية، وهذا ما سيؤدي للاحتفاظ بقدرة الجماعة على البقاء لفترة أطول.

المحور الثالث، هو التخلص من رفقاء الأمس، والتضحية بمن سيضر بالمشروع الإخواني بتركيا، ومن هنا بدأنا نسمع عن المشكلات بالقنوات، أو التخلي عن شباب الأزهر المتورطين باغتيالات في مصر.

المحور الأخير، صناعة محطة بديلة في حال فشل المحاور الثلاثة السابقة، وكانت بكل تأكيد هي ماليزيا، التي لم يرفض وزير داخليتها أحمد زاهد حميدي، في تصريحات إعلامية، أن تكون بلاده طوق نجاة لعناصر جماعة الإخوان، وأن يوافق على نقلهم إلى العاصمة كوالالمبور، لرفع الحرج عن قطر وتركيا، وبعد أن أصبحت الجماعة وسط بحر يعج بالأمواج العاتية، يهددها ليس بالحصار، بل والوجود والبقاء.

توالت عقب تصريحات وزير الداخلية الماليزي فى مناسبات مختلفة، زيارات قيادات الجماعة لكولالامبور، فزار زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشى ماليزيا، واستقبله رئيس الوزراء نجيب عبدالرزاق، ونظمت الجماعة ما يسمى «الاجتماع الدولى لتضامن الأمة الإسلامية فى آسيا»، الذى عقد فى ولاية كيلانتان بالتعاون مع حكومة الولاية واتحاد علماء المسلمين، وصرح قيادات الإخوان أن ماليزيا هي الاختيار الأفضل لهم، بسبب تبنى الحزب الإسلامي الماليزى نهج الجماعة، وارتباطه بالتنظيم الدولي.

في الفترة ما بين كانون الأول 2017، وشهر آذار 2018 احتضنت ماليزيا عددًا من مؤتمرات التنظيم الدولي للإخوان، بينها اجتماع "الوسطية والاعتدال"، تحت رعاية الحزب الحاكم في ماليزيا "أمنو"، بحضور خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وعبد الموجود الدرديري، عضو لجنة العلاقات الخارجية بحزب الحرية والعدالة، ورضا فهمى، القيادي بالحزب، وقال رضا فهمى، في كلمته، إن ماليزيا أكدت دعمها لـ(الإخوان).

أعضاء الصف الثاني بالجماعة، وعدد من الموجودين على لائحة الإرهاب الخليجية، موجودون بالفعل في ماليزيا، ومنهم أحمد عبدالباسط محمد، مسئول الملف الطلابي بالجماعة، الهارب من حكم بالإعدام في مصر، وهو من يقوم بالتنسيق مع عدد من الجامعات بدولتي ماليزيا وتركيا، لاستقبال الطلاب المصريين المنضمين للجماعة، وقد رصدته الداخلية المصرية، وهو يوجه رسالة فى جروب سري يقول فيها: «لازم نشوف حل للشباب اللى فى مصر.. اللى يقدر يسافر لازم يسافر، مهما كان عنده فرص فى مصر، قدرت أنسق لعدد من المنح الدراسية والهجرة، وهشرح للناس إزاى تسافر بسعر رخيص وتقيم وتتنقل إلى تركيا وماليزيا بتكلفة منخفضة إزاى تجهز شنطتك.. تاكل إيه وفين».

يساعد التمثيل الإخواني في ماليزيا الجماعة الأم للانتقال إلى كوالا لامبور، ومنها حركة الشباب الإسلامي، التي أسسها وزير التربية والتعليم السابق، أنور إبراهيم، وقمر الدين، والغزالي، والنواوي، ودسوقي أحمد، وداتو سحيمي، ووزير الزراعة السابق سنوسي حنيد.

من هذه الجماعات أيضاً "جمعية إصلاح ماليزيا"، التي تكونت نواتها الأولى من الطلاب الماليزيين المبعوثين بالجامعات البريطانية خلال فترة السبعينيات، وكانت لهم أنشطة ثقافية ودعوية من خلال ما عرف بمجلس المندوبين الإسلامي، وبعد تخرجهم وعودتهم فشلوا في العمل مع الحزبي "الإسلامي" و"الوحدة القومية".

جماعة الأرقم، أيضاً من الجماعات، التي تتشارك الأهداف مع الإخوان، ويرجع ظهورها إلى قيام أحد أتباع الطريقة الصوفية المحمدية، أشعري بن محمد بتكوينها في مطلع الثمانينيات، وكان له سابق ارتباط بالحزب الإسلامي لمدة 10 سنوات (1958-1968)، وكانت له حلقات دراسية في العلوم الشرعية في العاصمة كوالالمبور، وبعد 3 سنوات من تأسيس هذه الحلقات قام بإنشاء جماعة دار الأرقم.

التنظيم الدولي يأمر بمغادرة تركيا

قالت صحيفة عكاظ السعودية 08 أيلول 2017، إنها علمت من "مصادر مطلعة" إن تعليمات نصت على مغادرة الإخوان لتركيا وقطر نحو بريطانيا وماليزيا.

أما صحيفة الرياض بنفس التاريخ فأشارت إلى أن هذه التوجيهات صدرت خلال اجتماع لقيادات التنظيم الدولي في استانبول.

ابراهيم منير، أمين التنظيم الدولي للإخوان، قدم تقريراً يضم بعض أسماء من الجماعة تخلت عنهم المخابرات القطرية، وفق ماذكرته صحيفة "مصراوي"، يوم 4/آذار/ 2018، وأن دورهم انتهى في مقابل منحهم بعض الأموال، ونقل من يرغب منهم لماليزيا بعيداً عن الدوحة،  بهدف تعزيز دورها أمام دول المقاطعة الأربع ونفي تهمة أنها لا ترعي الإرهاب.

عبد الحفيظ والمفارقة مع أردوغان

كانت الأمور بالفعل قد وصلت إلى طريق مسدود، وبدأ أردوغان محطة جديدة من تحولاته، فهو أراد إصلاح العلاقة مع تل أبيب، وعقد اتفاقاً سريا مع أمريكا سيتم بموجبه الحصول على منطقة آمنة شرق سوريا.

الأهم أن أردوغان أدرك أن توظيفه للجماعة فشل، وقد أضره إلى أبعد حد، وأن استخدام التنظيم في مشاريع خارج البلاد أصبح له انعكاسات سلبية، ومنها تململ المسؤولين والمقربين من أردوغان من هذا الوجود والنفوذ المتعاظم لجماعة الإخوان، والمشكلات بين عناصر الجماعة التي وصلت لأقسام الشرطة، والتصرفات غير الأخلاقية للبعض منهم، علاوة على تلك الإثباتات التي قدمتها مصر لتورط عناصر موجودة في عمليات اغتيالات ومنهم علاء علي السماحي ويحيي موسى وغيرهم، والأداء الإعلامي السيء للقنوات التي تصدر من تركيا، والفشل الذي منيت به المخابرات التركية حين تم إلقاء القبض على خلية التجسس التي ضبطتها المخابرات المصرية، وفقد تركيا في مقابل ذلك كله لأصدقاء عرب وأوربيين.

من هنا سلم أردوغان محمد عبدالحفيظ لمصر، في وقت باعت الجماعة الشاب الذي جندته في أعمالها من قبل، بحجة أنه ذهب في فترة من الفترات لسيناء مع داعش، رغم التحالف القائم بين التنظيمين.

الخلاصة، أن جماعة الإخوان أول من تدرك ما سبق، وتعرف أنها بوجه العاصفة، وتتوقع أنها ستكون خارج حسابات الرجل، لذا فإنها خططت للفرار بعيداً بعناصرها الخطرة إلى دول ليست بالواجهة مثل كوريا الجنوبية، أو البرازيل، أو نقل مركز التخطيط لعملياتها إلى ماليزيا.

أردوغان والجماعة، كلاهما على أعتاب البدء في مرحلة جديدة، ستغلق فيها قنوات التحريض، ويسلم فيها الهاربون من أحكام القضاء، وينتقل جناح كبير إلى محطات جديدة، هي أبعد في المجال والتأثير عن تركيا الأردوغانية.

"