رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

من أرض التسامح.. الأزهر والفاتيكان يوقعان وثيقة «الأخوة الإنسانية» لمحاربة التطرف

الإثنين 04/فبراير/2019 - 07:31 م
المرجع
محمود محمدي
طباعة

وقع فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، والبابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وثيقة «الأخوة الإنسانية» في العاصمة الإماراتية أبوظبي، خلال فعاليات لقاء الأخوة الإنسانية الذي احتضنه «صرح زايد المؤسس»، بحضور نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الشيخ «محمد بن راشد آل مكتوم».

 


من أرض التسامح..

وبعد التوقيع على 3 نسخ: واحدة للفاتيكان، وواحدة للأزهر الشريف، وواحدة لدولة الإمارات، أعلن «محمد بن راشد»، منح جائزة «الأخوة الإنسانية» في دورتها الأولى للبابا فرنسيس، وشيخ الأزهر، تقديرًا للجهود المباركة التي قاما بها في سبيل نشر السلام في العالم، مشددًا على أن لقاء الأخوة الانسانية دليل على أهمية رعاية التعددية والحوار بين أتباع الأديان في المجالات كافة، متعهدًا بأن تواصل الإمارات دعم الجهود الرامية إلى جعل المنطقة والعالم مكانًا أكثر أمانًا.


 وينظم المؤتمر مجلس حكماء المسلمين بمشاركة قيادات دينية وشخصيات فكرية وإعلامية من مختلف دول العالم، بهدف تفعيل الحوار حول التعايش والتآخي بين البشر، من أجل التصدي للتطرف الفكري وسلبياته وتعزيز العلاقات الإنسانية وإرساء قواعد جديدة لها بين أهل الأديان والعقائد المتعددة تقوم على احترام الاختلاف.



من أرض التسامح..

كلمة شيخ الأزهر

 وفي كلمته، أمام الحضور، وجه شيخ الأزهر التحية لقداسـة البابا فرنسـيـس والشيخ محمد بن زايد وأخيه الشيخ محمد بن راشد، وإخوته قادة دولة الإمارات العربية المتحدة.


 وقال: أبدأُ كلمتى بتوجيه الشكر الجزيل لدولة الإمارات العربية المتحدة: قيادةً وشعبًا، لاستضافة هذا الحدث التاريخى، الذى يجمع قادة الأديان، وعُلماءها ورجال الكنائس، ورجال السياسة والفِكْر والأدب والإعلام.. هذه الكوكبة العالمية التى تجتمع اليوم على أرض "أبوظبى” الطيِّبة، ليشهدوا مع العالم كله إطلاق «وثيقة الأخوة الإنسانية»، وما تتضمنه من دعوة لنشرِ ثقافة السلام واحترام الغير وتحقيق الرفاهية للبشريَّةِ جمعاء، بديلًا من ثقافة الكراهية والظلم والعُنف والدِّماء، ولتطالب قادة العالَم وصُنَّاع السياسات، ومَن بأيديهم مصائر الشعوب وموازين القُوى العسكريَّة والاقتصادية – تطالبهم بالتدخل الفورى لوقف نزيف الدِّماء، وإزهاق الأرواح البريئة، ووضع نهايةٍ فورية لما تشهده من صراعات وفِتَن وحروب عبثيَّة أوشكت أن تعود بنا إلى تراجع حضارى بائس ينذر باندلاع حرب عالمية ثالثة.

 

وأضاف: إننى أنتمى إلى جيل يُمكن أن يُسمَّى بجيل الحروب، بكل ما تحمله هذه الكلمة من خوف ورُعب ومُعاناة، فمازلت أذكُر حديث النَّاس –عقب الحرب العالميَّة الثانية- عن أهوال الحرب وما خلَّفته من دمار وخراب، وما كدت أبلغ العاشرة من عُمرى حتى دهمتنا حرب العدوان الثلاثى فى أكتوبر 1956م، ورأيت بعينى قصف الطائرات لمطار مدينتى مدينة الأقصر، وكيف عِشنا ليالى فى ظلامٍ دامس لا يغمض لنا فيها جفن حتى الصباح، وكيف كنا نُهرع إلى المغارات لنحتمى بها فى جنح الظلام، ولاتزال الذاكرة تختزن من هذه الذكريات الأليمة ما يعيدها جَذَعًا كأن لم يَمُرّ عليها أكثر من ستين عامًا.. ولم يمض على هذه الحرب سنوات عشر حتى اندلعت حرب 1967م، وكانت أشد وأقسى من سابقتها، عِشناها بكل مآسيها، وعشنا بعدها ست سنوات فيما يُسمَّى باقتصادِ الحروب، ولم نتنفَّس الصعداء إلَّا مع انتصار 73 فى حرب التحرير التى أعادت للعرب جميعًا كرامتهم، وبعثت فيهم مكامن العِزَّة والإباء، والقُدرة على دحر الظلم وأهله، وكسر شوكة العدوان والمعتدين.. وظننا وقتها أننا ودعنا عهد الحروب، وبدأنا عصر السَّلام والأمان والإنتاج.


 وتابع: لكن الأمر سُرعان ما تبدَّل بعد ذلك حين واجهتنا موجة جديدة من حرب خبيثة تُسمَّى «الإرهاب» بدأت فى التسعينيات، ثم استفحل أمرها بعد ذلك حتى أصبحت اليوم تقض مضاجع العالَم شرقًا وغربًا، مردفًا: وكان الأمل أن تطُل علينا الألفية الثالثة، وقد انحسرت موجات العنف والإرهاب وقتلِ الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، ولكن خاب الأمل مرة ثالثة حين دهمتنا حادثة تفجيرِ برجى التجارة فى نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر من مطلع القرن الحادي والعشرين، والتى دفع الإسلام والمسلمون ثمنها غاليًا، وأُخذ فيها مليار ونصف المليار مسلم بجريرة أفراد لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليدين، فقد استغلَّت هذه الحادثة استغلالًا سلبيًّا فى إغراء «الإعلام» الدولى بإظهار الإسلام فى صورة الدين المتعطش لسـفك الدِّماء، وتصوير المسلمين فى صورة برابرة متوحشين أصبحوا خطرًا داهمًا على الحضارات والمجتمعات المتحضرة، وقد نجح هذا الإعلام فى بعث مشاعر الكراهية والخوف فى نفوس الغربيين من الإسلام والمسلمين، وسيطرت عليهم حالة من الرُّعب ليس من الإرهابيين فقط، بل من كل ما هو إسلامى جُملةً وتفصيلًا.


وأكمل: إنَّ «وثيقةَ الأُخوَّة» التى نحتفل بإطلاقها اليوم من هذه الأرض الطَّيِّبة وُلِدَت على مائدة كريمة كنت فيها ضيفًا على أخى وصديقى العزيز فرنسيس بمنزله العامر، حين أَلقى بها أحد الشَّباب الحاضرين على هذه المائدة المباركة، ولَقيَتْ ترحيبًا واستحسانًا كريمًا من قداسته، ودَعمًا وتأييدًا مِنِّى، وذلك بعد حوارات عِدَّة تأمَّلنا فيها أوضاع العالَم وأحواله، ومآسى القتلى والفقراء والبؤساء والأرامل واليتامى والمظلومين والخائفين، والفارِّين من ديارهم وأوطانهم وأهليهم، وما الذى يُمكن أن تُقدِّمه الأديان الإلهيَّة كطوق نجاة لهؤلاء التعساء، وما أدهشنى هو أن هموم قداسته وهمومى كانت مُتطابقة أشد التطابق وأتمه وأكمله، وأن كلًا منّا استشعر حرمة المسؤولية التى سيحاسبنا الله عليها فى الدَّار الآخرة، وكان صديقى العزيز رحيمًا يتألم لمآسى الناس كل الناس. بلا تفرقة ولا تمييز ولا تحـفظ.


 وأوضح: وكان أبرز ما تسالمنا عليه هو: أن الأديان الإلهيَّة، بريئة كل البراءة من الحركات والجماعات المسلَّحة التى تُسمَّى حديثًا بـ«الإرهاب»، كائنًا ما كان دينها أو عقيدتها أو فكرها، أو ضحاياها، أو الأرض التى تُمارِس عليها جرائمَها المنكرة.. فهؤلاء قتلة وسفاكون للدِّماء، ومعتدون على الله ورسالاته.. وأن على المسؤولين شرقًا وغربًا أن يقوموا بواجبهم فى تعقُّب هؤلاء المعتدين والتصدى لهم بكل قوة، وحماية أرواح الناس وعقائدهم ودور عباداتهم من جرائمهم.

 

كما تسالمنا على أن الأديان قد أجمعت على تحريم الدِّماء، وأن الله حرَّم قتل النفس فى جميع رسالاته الإلهية: صرخ بذلك موسى عليه السلام فى الوصايا العشر على جبل حوريب بسيناء وقال: «لاَ تَقْتُلْ! لاَ تَزْنِ! لاَ تَسْرِقْ!» ( )، ثم صدع به عيسى عليه السلام من فوق جبل من جبال الجليل، بالقرب من كفر ناحوم بفلسطين، «فى كنزه الأخلاقى النفيس» الذى يُعرف بموعظة الجبل، وقد أكَّدَ السيد المسيح ما جاء به موسى، وزاد عليه فى قوله: «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، فإنَّ مَنْ يَقتل يَسْتَوْجِبَ حُكْم القضاء، أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء (...) ومن قال له: يا جاهل استوجب نار جهنم»( )، وجاء محمد وأعلن للناس من فوق جبل عرفات فى آخر خطبة له تُسمَّى خطبة الوداع، أعلن ما أعلنه أخواه من قبله، وزاد أيضًا وقال: «أيُّها النَّاسُ، إنِّي والله ما أدري لعلِّي لا ألقاكم بعدَ يومي هذا، بمكاني هذا، فرحم الله امرءًا سمع مقالتى اليوم فوعاها (...) أيُّها النَّاسُ، أن دماءَكم وأموالَكم وأعراضكم عليْكُم حرامٌ، كحُرمةِ يومِكم هذا، فى بلدِكم هذا، وستلقَونَ ربَّكم، فيسألُكم عن أعمالِكم (...) أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». وكان يقول من فرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة.. ومَنْ أشارَ إلى أخيهِ بحديدَةٍ، فإِنَّ الملائِكَةَ تلْعَنُهُ، وإِنْ كانَ أخاهُ لأبيهِ وأُمِّهِ.

 

هذا إلى عشرات الآيات القرآنية التى تحرم قتل النفس، وتعلن أن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا.


 وتلاحظون حضراتكم وحدة الخطاب الإلهى ووحدة معناه، بل وحدة المنصَّات التى خطب عليها هؤلاء الأنبياء الكرام، وهي: جبل الطور بسيناء فى مصر، وجبل من الجبال في فلسطين، وجبل عرفات بمكَّة في جزيرة العرب..

 

ومن هذا يتضح جليًّا أنه ليس صحيحًا ما يُقال من أن الأديان هي بريد الحروب وسببها الرئيسي، وأن التاريخ شاهد على ذلك، مِمَّا برَّر ثورة الحضارة المعاصرة على الدِّين وأخلاقِه، وإبعاده عن التدخل في شؤون المجتمعات، بعدما سرت هذه الفرية - سريان النار في الهشيم- في وعي الناس والشباب، وبخاصةٍ في الغرب، وكانت من وراء انتشار دعوات الإلحاد والفلسفات الماديَّة ومذاهب الفوضى والعدميَّة والحرية بلا سقف، وإحلال العلم التجريبي محل «الدِّين»، ورُغم ذلك، وبعد مرور أكثر من ثلاثة قرون على الثورة على الله وعلى الأديان الإلهية جاءت المحصلة كارثية بكل المقاييس، تمثَّلت في مأساوية الإنسان المعاصر التي لا ينكرها إلَّا مكابر.


 والحق الذى يجب أن ندفع به هذه الفرية هو أن أوَّل أسباب أزمة العالَم المُعاصر اليوم إنما يعود إلى غياب الضمير الإنساني وغياب الأخلاق الدِّينيَّة، وتَحكُّم النزعات والشهوات الماديَّة والإلحاديَّة والفلسفات العقيمة البائسة التي ألَّهت الإنسان، وسخرت من الله، ومن المؤمنين به.. واستهزأت بالقيم العليا المتسامية التي هي الضَّابط الأوحد لكبح جماح الإنسان وترويض «الذئب» المستكن بين جوانحه.

  

أمَّا الحروب التي انطلقت باسم «الأديان»، وقتلت الناس تحت لافتاتها فإنَّ الأديان لا تُسأل عنها، وإنما يُسأل عنها هذا النوع من السياسات الطائشة التى دأبت على استغلال بعض رجال الأديان وتوريطهم في أغراضٍ لا يعرفها الدِّين ولا يحترمها، ونحن نقر بأن هناك من رجال الأديان مَن تأوَّل نصوصها المقدَّسة تأويلًا فاسدًا، لكنا لا نقر أبدًا بأن قراءة الدين قراءة أمينة نظيفة لا تسمح أبدًا لهؤلاء الضالين المضلين بالانتساب الصحيح إلى أى دين إلهي، ولا تُبرِّر لهم خيانة أمانتهم في تبليغه للناس كما أنزله الله.

 

على أن هـذا الانحراف الموظَّف في فهم النصوص ليس قاصرًا على نصوص الأديان واستغلالها في العدوان على الناس، بل كثيرًا ما يحـدث مثله فى أسواق السياسة، حين تُقرأ نصوص المواثيق الدولية المتكفلة بحفظ السلام العالمى قراءة خاصَّة تبرر شنَّ الحروب على دول آمنة، وتدميرها على رؤوس شعوبها، ولا مانع بعد أن تقضى هذه السياسات شهواتها العدوانية البشعة.. لا مانع من الاعتذار للثكالى واليتامى والأرامل بأنها أخطأت الحساب والتقدير. والأمثلة على ذلك واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

 

من أجـل ذلك نادينـا في هـذه الوثيقـة «بوقـف استخدام الأديان، والمذاهب، في تأجيج الكراهية والعنف والتعصُّب الأعمى، والكفِّ عن استخدام اسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش، وذكَّرنا العالَم كله بأن الله لم يخلق الناس ليُقْتَلوا أو يُعذَّبوا أو يُضيَّق عليهم في حياتهم ومعاشهم... والله –عز وجل- في غنى عمَّن يدعو إليه بإزهاق الأرواح أو يُرهب الآخرين باسمه».

 

واستطرد: إننى على يقين أن هذه المبادرات الضرورية والتحركات الطيبة نحو تحقيق الأخوة الإنسانية فى منطقتنا العربية سوف تؤدى ثمارها، وقد بدأت، بحمد الله، بقوة فى مصر المحروسة حيث افتتح قبل عدة أيام أول وأكبر مسجد وكنيسة متجاورين، في العاصمة الإدارية الجديدة، وفى خطوة تاريخية، نحو تعزيز التسامح وترسيخ الأخوة بين الأديان، وبمبادرة رائدة من السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، رئيس جمهورية مصر العربية.

 

وتبقى لى كلمة أوجهها لإخوتى المسلمين فى الشرق، وهى أن تستمروا فى احتضان إخوتكم من المواطنين المسيحيين فى كل مكان؛ فهم شركاؤنا فى الوطن، وإخوتنا الذين يُذكِّرنا قرآننا الكريم بأنَّهم أقرب الناس مـودَّة إلينا، ويعلِّل القرآن هذه المودة بقوله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]، فالمسيحيون –كل المسيحيين- قلوبهم مملوءة خيرًا ورأفة ورحمة، والله تعالى هو الذى جعل فى قلوبهم هذه الخصال الحميدة.. وهذا ما يسجله القرآن فى قوله تعالى فى سورة الحديد: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: 27].


 ويجب علينا نحن المسلمين ألا ننسى أن المسيحيَّةَ احتضنت الإسلام، حين كان دينا وليدًا، وحمته من طغيان الوثنية والشِّرك، التى كانت تتطلع إلى اغتياله فى مهده، وذلك حين أمر النبى المستضعفين من أصحابه، وهم أكثر تابعيه حين اشتد عليهم أذى قريش وقال لهم: «اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكًا لا يُظلم أحد في جواره» وقد استقبلهم هذا الملك المسيحي في دولته المسيحية، وأكرمهم وحماهم من قريش، ثم أعادهم إلى المدينة المنورة بعد أن اشتد عود الإسلام واستوى على سوقه.

 

وكلمة أخرى لإخوتى المسيحيِّين فى الشرق: أنتم جزء من هذه الأُمَّة، وأنتم مواطنون. ولستم أقليَّة، وأرجوكم أن تتخلصوا من ثقافة مصطلح الأقليَّة الكريه، فأنتم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات، واعلموا أن وحدتنا هي الصخرة الوحيدة التي تتحطم عليها المؤامرات التي لا تفرق بين مسيحي ومسلم إذ جد الجد وحان قطف الثمار.  


 وكلمتى للمواطنين المسلمين في الغرب أن اندمجوا في مجتمعاتكم اندماجًا إيجابيًّا، تحافظون فيها على هويتكم الدِّينيَّة كما تحافظون على احترام قوانين هذه المجتمعات، واعلموا أن أمن هذه المجتمعات مسؤوليَّة شرعيَّة، وأمانة دينيَّة في رقابكم تُسألون عنها أمام الله تعالى، وإن صدر من القوانين ما يفرض عليكم مخالفة شريعتكم فالجأوا إلى الطُّرق القانونيَّة، فإنها كفيلة بردِّ الحقوقِ إليكم وحماية حريتكم.

 

كما أقول لشباب العالَم في الغرب والشرق: أن المستقبل يبتسم لكم، وعليكم أن تتسلحوا بالأخلاق وبالعلم والمعرفة، وعليكم أن تجعلوا من هذه الوثيقة دستور مبادئ لحياتكم، اجعلوا منها ضمانًا لمستقبل خال من الصراع والآلام، اجعلوا منها ميثاقًا بانيًا للخير هادمًا للشر، اجعلوا منها نهاية للكراهية.. عَلِّمُوا أبناءكم هذه الوثيقة فهي امتداد لوثيقة المدينة المنورة، ولموعظة الجبل، وهى حارسة للمشتركات الإنسانيَّة والمبادئ الأخلاقيَّة.. وسوف أعمل مع أخى قداسة البابا، فيما تبقَّى لنا من العُمرِ، ومع كل الرموز الدِّينيَّة من أجلِ حماية المجتمعات واستقرارها، وهنا يجب أن أُشيد بملتقى تحالف الأديان لأمن المجتمعات الذي انعقد هنا في أبوظبي نوفمبر الماضي وحظى بدعمٍ من الأزهر الشَّريف ومن الفاتيكان، وحضره عدد من قادة الأديان للقيام بمسؤوليتهم من أجل حماية كرامة الطفل.


من أرض التسامح..
كلمة البابا فرنسيس

ثم ألقى بابا الفاتيكان كلمته أمام «لقاء الأخوة الإنسانية»، وبدأ بتحية الإسلام «السلام عليكم»، ثم وجه الشكر للجميع على الاستقبال الحار.

 

وجاءت كلمة البابا فرنسيس كالتالي: «أشكر من كل قلبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وفضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب. وأنا ممتن لمجلس الحكماء المسلمين على اللقاء الذي تم في مسجد الشيخ زايد الكبير، وأحيي الرئيس عبدالفتاح السيسي الرئيس المصري، والسلطات المدنية والدينية هنا في البلد، اسمحوا لي أن أشكركم جميعًا على الذي قدمتوه لنا ولوفدنا المشارك».

 

وتابع: أشكر جميع الأشخاص الذين شاركوا في هذا الحدث لإنجاحه، الموظفين ورجال الأمن وجميع من هم خلف الكواليس في هذا الحدث، وأتوجه بالشكر لمستشار الشيخ الأكبر السابق الدكتور محمد عبدالسلام.

 

جئت إلى هنا كمؤمن متعطش للسلام مع الأخوة، وأدعو إلى أن نكون أدوات للسلام، وشعار الزيارة يتكون من شعار غصن الزيتون وحمامة السلام، ونتذكر جميعًا أن الله طلب من نوح النبي أن يدخل في السفينة مع عائلته، واليوم نحن بحاجة إلى الدخول معًا كعائلة بشرية في سفينة، وأن تعبر بحار عالم العاصفة.

 

إنها سفينة القوة، نقطة الانطلاق، وهي أن الله هو كونه خالق كل شيء ويريد أن نعيش كإخوة وأخوات، وهنا تتأسس الأخوة عند جذور الحياة المشتركة، بدعوى تخبرنا أننا جميعًا نملك الكرامة ولا يمكن لأحد أن يكون سيدًا للآخرين وآخرين عبيد.

 

فكل فرد هو ثمين في عين الله، لذلك فالاعتراف بالحقوق لكل بشري إنما تمجيد باسم الله على الأرض، ويجب أن نُدين كل أشكال العنف، لأنه يتم خطأً استخدام أشكال العنف باسم الله للتبرير.

 

وإن عدو الإخوة هي النزعة الفرداني، وحتى الصفات الأسمى والفطرية للإنسان بها نزعة فردانية، لأن التدين الحقيقي يقوم على محبة الله من كل القلب ومحبة القريب، كل ديانة هي مدعوة بتخطي فجوة التمييز بين أعضائها.. لذلك أرغب في التعبير عن تقديري لحرية التعبير في هذا البلد، بطريقة تعزز من محبة الآخر.

 

الأخوة تعبر عن التنوع والاختلاف بين البشر رغم امتلاكهم للطبيعة عينها، والموقف الصحيح في هذا الإطار ليس في التجانس الجبري أو الخنوع.

 

أريد هنا أن أكرر التأكيد عن قناعة الكنيسة الكاثوليكية، كيف نحافظ بعضنا البعض على العائلة البشرية، ففي كل عائلة يكون من خلال حوار يومي وحقيقي وهذا يستلزم هوية شخصية لا يجب التخلي عنها لإرضاء الآخر، ويستلزم شجاعة كاملة للاعتراف بحرية الآخر، وهو ما ينتج عنه الالتزام ببذل الذات للتأكيد على حقوق الإنسان الشخصية.


 وبدون حرية لا نكون بعد أبناء العائلة البشرية وإنما عبيد، وأرغب في تسليط الضوء على الحرية الدينية، الدين يترك الإنسان حرًا، ولا يمكن لأي مؤسسة أن تجبره حتى لو كان باسم الله، التنوع والاختلاف في العقل والدين هي إرادة الله وهذا ما شاءه الله، والحكمة الإلهية هي مصدر حرية المعتقد وحرية أن نكون مختلفين.


 وشجاعة الاختلاف هي صدق النوايا، وليس بإمكاننا أن نعلن الإخوة ونتصرف بعدها عكس ذلك.

 

في هذا الاستثمار ليس في الأرض فقط، بل في العقل أيضًا، والاستثمار في الثقافة يعزز في نمو الحوار، ويحتاج الشعب الذي غالبًا تحيط ببعضه الرسائل السلبية لأن يتعلموا كيفية التصدي للظلم وخبرات الماضي القديمة، وسيكونون هم من يحكمون عليها بعد الآن إذا ما أسسوا لها أسسًا صلبة.

 

العدالة هي الجناح الثاني للسلام والتي غالبًا لا تتضرر بفعل فردي لكنها تتآكل بفعل الوقت، فكل ما تريدون أن يفعله الناس بكم افعلوه أنتم أيضًا بهم. إن السلام والعدالة لا ينفصلان أبدًا.


 قال أشعيا النبي: ويكون في صنع العدل سلامًا، العدالة تكون مزيفة إن لم تكن كونية، العدالة الموجهة فقط لأفراد العائلة وأبناء الوطن، هي عدالة عرجاء وظلم مقنع. وللديانات أيضًا واجب التذكير من جشع الربح في الأسواق.

 

لتكن الأديان صوت المهمشين الذين ليسوا مجرد إحصاءات إنما إخوة، ولتكن ناقوسًا ساهرًا كي لا تقلق الإنسان بعينها أمام الظلم.

 

أتحدث هنا عن صورة الصحراء المحيطة بنا والتي خلال سنوات قليلة وبفضل بعد النظر والحكمة صارت مكان لقاء بين الثقافات والأديان لسنوات كثيرة في المستقبل.

 

أن هذا البلد الذي تعانق فيه ناطحات السحاب السماء يبقى مكانًا للنمو يقدم فرص عمل لأشخاص من دول العالم.

 

وإن كانت الفردانية هي عدو الأخوة فإن النمو النفعي الفردي لا يحقق مستقبل، وإن اللامبالاة تحول دون النظر إلى الجماعة البشرية وإلى الأخ أبعد من نطاق العمل، ولا تعتني بمستقبل الغريب والآخر والأطفال.


 أعبر عن سروري بأن أول مؤتمر عن كرامة الطفل في العالم الرقمي في نوفمبر الماضي، وأشكر كل القادة الملتزمين في هذا الإطار بحماية القاصرين.

 

هنا في الصحراء فتحت دربًا خصبة للنمو والتقدم، انطلاقًا من العمل لمواطنين ينتمون لشعوب وثقافات من بينهم العديد من المسيحيين قدموا إسهامات في نمو البلد ورخائه، فهؤلاء يحملون معهم ثقافة بلادهم وحضارتهم البعيدة في أعمالهم بصورة أمة تقبل وتعانق الجميع.

 

بهذه الروح علينا أن نبصر النور ليس هنا فقط، بل في كل منطقة الشرق الأوسط الحبيبة والحيوية، للقاء مجتمعات يتمتع فيها أشخاص ينتمون لديانات مختلفة حيث لا ينتزع هذه المحبة العنف، في تعايش أخوي يرتكز على التربية والعدالة والنمو البشري يقوم على الحرية للجميع وينبغي على الديانات تثبيتها، ويقع على عاتق الأديان ربما أكثر من أي وقت مضى واجب الإسهام في وقف سباق التسلح والعداء على حساب الآخرين. الحرب لا تولد سوى البؤس، والسلاح يولد الموت».

 واختتم رسالته: «دعونا نعيد هذه الكلمة، فأمام أعيننا نجد نتائج مشؤومة في اليمن، سوريا، العراق وليبيا، لنلتزم معا كأخوة في عائلة بشرية شاءها الله، ضد التسلح وبناء الجدران، ونواجه كل هذا بالحوار والتشجيع من ذوي الإرادة كي لا يستسلموا».

 


من أرض التسامح..

النص الكامل لوثيقة الأخوة الإنسانية


ونقلًا عن الزميلة «سكاي نيوز عربية»، يعرض «المرجع» نص الوثيقة التاريخية التي تهدف لتكون إعلانًا مشتركًا عن نوايا صالحة وصادقة من أجل دعوة كل من يحملون في قلوبهم إيمانًا بالله وإيمانًا بالأخوة الإنسانية أن يتوحدوا ويعملوا معًا من أجل أن تصبح هذه الوثيقة دليلًا للأجيال القادمة، يأخذهم إلى ثقافة الاحترام المتبادل، في جو من إدراك النعمة الإلهية الكبرى التي جعلت من الخلق جميعًا أخوة.

 

وإليكم نص الوثيقة:

 باسم الله الذي خلق البشر جميعًا متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة، ودعاهم للعيش كإخوة فيما بينهم ليعمروا الأرض، وينشروا فيها قيم الخير والمحبة والسلام.


 باسم النفس البشرية الطاهرة التي حرم الله إزهاقها، وأخبر أنه من جنى على نفس واحدة فكأنه جنى على البشرية جمعاء، ومن أحيا نفسًا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعًا.

 

باسم الفقراء والبؤساء والمحرومين والمهمشين الذين أمر الله بالإحسان إليهم ومد يد العون للتخفيف عنهم، فرضًا على كل إنسان لا سيما كل مقتدر وميسور.

 

باسم الأيتام والأرامل، والمهجرين والنازحين من ديارهم وأوطانهم، وكل ضحايا الحروب والاضطهاد والظلم، والمستضعفين والخائفين والأسرى والمعذبين في الأرض، دون إقصاء أو تمييز.

 

باسم الشعوب التي فقدت الأمن والسلام والتعايش، وحل بها الدمار والخراب والتناحر.

 

باسم «الأخوة الإنسانية» التي تجمع البشر جميعًا، وتوحدهم وتسوي بينهم.


باسم تلك الأخوة التي أرهقتها سياسات التعصب والتفرقة، التي تعبث بمصائر الشعوب ومقدراتها، وأنظمة التربح الأعمى، والتوجهات الأيديولوجية البغيضة.

 

باسم الحرية التي وهبها الله لكل البشر وفطرهم عليها وميزهم بها.

 

باسم العدل والرحمة، أساس الملك وجوهر الصلاح.

 

باسم كل الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة، في كل بقاع المسكونة.

 

باسم الله وباسم كل ما سبق، يعلن الأزهر الشريف - ومن حوله المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها - والكنيسة الكاثوليكية - ومن حولها الكاثوليك من الشرق والغرب - تبني ثقافة الحوار دربًا، والتعاون المشترك سبيلًا، والتعارف المتبادل نهجًا وطريقًا.

 

إننا نحن - المؤمنين بالله وبلقائه وبحسابه - ومن منطلق مسؤوليتنا الدينية والأدبية، وعبر هذه الوثيقة، نطالب أنفسنا وقادة العالم، وصناع السياسات الدولية والاقتصاد العالمي، بالعمل جديا على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فورًا لإيقاف سيل الدماء البريئة، ووقف ما يشهده العالم حاليًا من حروب وصراعات وتراجع مناخي وانحدار ثقافي وأخلاقي.

 

ونتوجه للمفكرين والفلاسفة ورجال الدين والفنانين والإعلاميين والمبدعين في كل مكان ليعيدوا اكتشاف قيم السلام والعدل والخير والجمال والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وليؤكدوا أهميتها كطوق نجاة للجميع، وليسعوا في نشر هذه القيم بين الناس في كل مكان.

 

إن هذا الإعلان الذي يأتي انطلاقا من تأمل عميق لواقع عالمنا المعاصر وتقدير نجاحاته ومعايشة آلامه ومآسيه وكوارثه - ليؤمن إيمانًا جازمًا بأن أهم أسباب أزمة العالم اليوم يعود إلى تغييب الضمير الإنساني وإقصاء الأخلاق الدينية، وكذلك استدعاء النزعة الفردية والفلسفات المادية، التي تؤله الإنسان، وتضع القيم المادية الدنيوية موضع المبادئ العليا والمتسامية.

 

إننا، وإن كنا نقدر الجوانب الإيجابية التي حققتها حضارتنا الحديثة في مجال العلم والتقنية والطب والصناعة والرفاهية، وبخاصة في الدول المتقدمة، فإنا - مع ذلك - نسجل أن هذه القفزات التاريخية الكبرى والمحمودة تراجعت معها الأخلاق الضابطة للتصرفات الدولية، وتراجعت القيم الروحية والشعور بالمسؤولية؛ مما أسهم في نشر شعور عام بالإحباط والعزلة واليأس، ودفع الكثيرين إلى الانخراط إما في دوامة التطرف الإلحادي واللاديني، وإما في دوامة التطرف الديني والتشدد والتعصب الأعمى، كما دفع البعض إلى تبني أشكال من الإدمان والتدمير الذاتي والجماعي.

 

إن التاريخ يؤكد أن التطرف الديني والقومي والتعصب قد أثمر في العالم، سواء في الغرب أو الشرق، ما يمكن أن نطلق عليه بوادر «حرب عالمية ثالثة على أجزاء»، بدأت تكشف عن وجهها القبيح في كثير من الأماكن، وعن أوضاع مأساوية لا يعرف - على وجه الدقة - عدد من خلفتهم من قتلى وأرامل وثكالى وأيتام، وهناك أماكن أخرى يجري إعدادها لمزيد من الانفجار وتكديس السلاح وجلب الذخائر، في وضع عالمي تسيطر عليه الضبابية وخيبة الأمل والخوف من المستقبل، وتتحكم فيه المصالح المادية الضيقة.

 

ونشدد أيضًا على أن الأزمات السياسية الطاحنة، والظلم وافتقاد عدالة التوزيع للثروات الطبيعية - التي يستأثر بها قلة من الأثرياء ويحرم منها السواد الأعظم من شعوب الأرض – قد أنتج وينتج أعدادًا هائلة من المرضى والمعوزين والموتى، وأزمات قاتلة تشهدها كثير من الدول، برغم ما تزخر به تلك البلاد من كنوز وثروات، وما تملكه من سواعد قوية وشباب واعد.

 

وأمام هذه الأزمات التي تجعل ملايين الأطفال يموتون جوعًا، وتتحول أجسادهم - من شدة الفقر والجوع - إلى ما يشبه الهياكل العظمية البالية، يسود صمت عالمي غير مقبول.

 

وهنا تظهر ضرورة الأسرة كنواة لا غنى عنها للمجتمع وللبشرية، لإنجاب الأبناء وتربيتهم وتعليمهم وتحصينهم بالأخلاق وبالرعاية الأسرية، فمهاجمة المؤسسة الأسرية والتقليل منها والتشكيك في أهمية دورها هو من أخطر أمراض عصرنا.

 

إننا نؤكد أيضًا أهمية إيقاظ الحس الديني والحاجة لبعثه مجددًا في نفوس الأجيال الجديدة عن طريق التربية الصحيحة والتنشئة السليمة والتحلي بالأخلاق والتمسك بالتعاليم الدينية القويمة لمواجهة النزعات الفردية والأنانية والصدامية، والتطرف والتعصب الأعمى بكل أشكاله وصوره.

 

إن هدف الأديان الأول والأهم هو الإيمان بالله وعبادته، وحث جميع البشر على الإيمان بأن هذا الكون يعتمد على إله يحكمه، هو الخالق الذي أوجدنا بحكمة إلهية، وأعطانا هبة الحياة لنحافظ عليها، هبة لا يحق لأي إنسان أن ينزعها أو يهددها أو يتصرف بها كما يشاء، بل على الجميع المحافظة عليها منذ بدايتها وحتى نهايتها الطبيعية؛ لذا ندين كل الممارسات التي تهدد الحياة؛ كالإبادة الجماعية، والعمليات الإرهابية، والتهجير القسري، والمتاجرة بالأعضاء البشرية، والإجهاض، وما يطلق عليه الموت /اللا/ رحيم، والسياسات التي تشجعها.

 

كما نعلن - وبحزم - أن الأديان لم تكن أبدًا بريدًا للحروب أو باعثة لمشاعر الكراهية والعداء والتعصب، أو مثيرة للعنف وإراقة الدماء، فهذه المآسي حصيلة الانحراف عن التعاليم الدينية، ونتيجة استغلال الأديان في السياسة، وكذا تأويلات طائفة من رجالات الدين - في بعض مراحل التاريخ - ممن وظف بعضهم الشعور الديني لدفع الناس للإتيان بما لا علاقة له بصحيح الدين، من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية دنيوية ضيقة؛ لذا فنحن نطالب الجميع بوقف استخدام الأديان في تأجيج الكراهية والعنف والتطرف والتعصب الأعمى، والكف عن استخدام اسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش؛ لإيماننا المشترك بأن الله لم يخلق الناس ليقتلوا أو ليتقاتلوا أو يعذبوا أو يضيق عليهم في حياتهم ومعاشهم، وأنه - عز وجل - في غنى عمن يدافع عنه أو يرهب الآخرين باسمه.

 

إن هذه الوثيقة، إذ تعتمد كل ما سبقها من وثائق عالمية نبهت إلى أهمية دور الأديان في بناء السلام العالمي، فإنها تؤكد الآتي: - القناعة الراسخة بأن التعاليم الصحيحة للأديان تدعو إلى التمسك بقيم السلام وإعلاء قيم التعارف المتبادل والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وتكريس الحكمة والعدل والإحسان، وإيقاظ نزعة التدين لدى النشء والشباب؛ لحماية الأجيال الجديدة من سيطرة الفكر المادي، ومن خطر سياسات التربح الأعمى واللامبالاة القائمة على قانون القوة لا على قوة القانون.

 -

أن الحرية حق لكل إنسان: اعتقادًا وفكرًا وتعبيرًا وممارسة، وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية، قد خلق الله البشر عليها، وجعلها أصلًا ثابتًا تتفرع عنه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف، وتجريم إكراه الناس على دين بعينه أو ثقافة محددة، أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر.

 

- أن العدل القائم على الرحمة هو السبيل الواجب اتباعه للوصول إلى حياة كريمة، يحق لكل إنسان أن يحيا في كنفها.

 -

أن الحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس، من شأنه أن يسهم في احتواء كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية التي تحاصر جزءًا كبيرًا من البشر.


 - أن الحوار بين المؤمنين يعني التلاقي في المساحة الهائلة للقيم الروحية والإنسانية والاجتماعية المشتركة، واستثمار ذلك في نشر الأخلاق والفضائل العليا التي تدعو إليها الأديان، وتجنب الجدل العقيم.

 -

أن حماية دور العبادة، من معابد وكنائس ومساجد، واجب تكفله كل الأديان والقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية، وكل محاولة للتعرض لدور العبادة، واستهدافها بالاعتداء أو التفجير أو التهديم، هي خروج صريح عن تعاليم الأديان، وانتهاك واضح للقوانين الدولية.


 - أن الإرهاب البغيض الذي يهدد أمن الناس، سواء في الشرق أو الغرب، وفي الشمال والجنوب، ويلاحقهم بالفزع والرعب وترقب الأسوأ، ليس نتاجًا للدين - حتى وإن رفع الإرهابيون لافتاته ولبسوا شاراته - بل هو نتيجة لتراكمات الفهوم الخاطئة لنصوص الأديان وسياسات الجوع والفقر والظلم والبطش والتعالي؛ لذا يجب وقف دعم الحركات الإرهابية بالمال أو بالسلاح أو التخطيط أو التبرير، أو بتوفير الغطاء الإعلامي لها، واعتبار ذلك من الجرائم الدولية التي تهدد الأمن والسلم العالميين، ويجب إدانة ذلك التطرف بكل أشكاله وصوره.

 

- أن مفهوم المواطنة يقوم على المساواة في الواجبات والحقوق التي ينعم في ظلالها الجميع بالعدل لذا يجب العمل على ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة في مجتمعاتنا، والتخلي عن الاستخدام الإقصائي لمصطلح «الأقليات» الذي يحمل في طياته الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد لبذور الفتن والشقاق، ويصادر على استحقاقات وحقوق بعض المواطنين الدينية والمدنية، ويؤدي إلى ممارسة التمييز ضدهم.

 -

أن العلاقة بين الشرق والغرب هي ضرورة قصوى لكليهما، لا يمكن الاستعاضة عنها أو تجاهلها، ليغتني كلاهما من الحضارة الأخرى عبر التبادل وحوار الثقافات؛ فبإمكان الغرب أن يجد في حضارة الشرق ما يعالج به بعض أمراضه الروحية والدينية التي نتجت عن طغيان الجانب المادي، كما بإمكان الشرق أن يجد في حضارة الغرب كثيرًا مما يساعد على انتشاله من حالات الضعف والفرقة والصراع والتراجع العلمي والتقني والثقافي. ومن المهم التأكيد على ضرورة الانتباه للفوارق الدينية والثقافية والتاريخية التي تدخل عنصرًا أساسيًّا في تكوين شخصية الإنسان الشرقي، وثقافته وحضارته، والتأكيد على أهمية العمل على ترسيخ الحقوق الإنسانية العامة المشتركة، بما يسهم في ضمان حياة كريمة لجميع البشر في الشرق والغرب بعيدًا عن سياسة الكيل بمكيالين.

 -

أن الاعتراف بحق المرأة في التعليم والعمل وممارسة حقوقها السياسية هو ضرورة ملحة، وكذلك وجوب العمل على تحريرها من الضغوط التاريخية والاجتماعية المنافية لثوابت عقيدتها وكرامتها، ويجب حمايتها أيضًا من الاستغلال الجنسي ومن معاملتها كسلعة أو كأداة للتمتع والتربح؛ لذا يجب وقف كل الممارسات اللاإنسانية والعادات المبتذلة لكرامة المرأة، والعمل على تعديل التشريعات التي تحول دون حصول النساء على كامل حقوقهن.

 

- أن حقوق الأطفال الأساسية في التنشئة الأسرية، والتغذية والتعليم والرعاية، واجب على الأسرة والمجتمع، وينبغي أن توفر وأن يدافع عنها، وألا يحرم منها أي طفل في أي مكان، وأن تدان أية ممارسة تنال من كرامتهم أو تخل بحقوقهم، وكذلك ضرورة الانتباه إلى ما يتعرضون له من مخاطر - خاصة في البيئة الرقمية - وتجريم المتاجرة بطفولتهم البريئة، أو انتهاكها بأي صورة من الصور.

 -

أن حماية حقوق المسنين والضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة والمستضعفين ضرورة دينية ومجتمعية يجب العمل على توفيرها وحمايتها بتشريعات حازمة وبتطبيق المواثيق الدولية الخاصة بهم.


 وفي سبيل ذلك، ومن خلال التعاون المشترك بين الكنيسة الكاثوليكية والأزهر الشريف، نعلن ونتعهد أننا سنعمل على إيصال هذه الوثيقة إلى صناع القرار العالمي، والقيادات المؤثرة ورجال الدين في العالم، والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية وقادة الفكر والرأي، وأن نسعى لنشر ما جاء بها من مبادئ على المستويات الإقليمية والدولية كافة، وأن ندعو إلى ترجمتها إلى سياسات وقرارات ونصوص تشريعية، ومناهج تعليمية ومواد إعلامية.

 

كما نطالب بأن تصبح هذه الوثيقة موضع بحث وتأمل في جميع المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية والتربوية؛ لتساعد على خلق أجيال جديدة تحمل الخير والسلام، وتدافع عن حق المقهورين والمظلومين والبؤساء في كل مكان.

 

ختامًا: لتكن هذه الوثيقة دعوة للمصالحة والتآخي بين جميع المؤمنين بالأديان، بل بين المؤمنين وغير المؤمنين، وكل الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة لتكن وثيقتنا نداء لكل ضمير حي ينبذ العنف البغيض والتطرف الأعمى، ولكل محب لمبادئ التسامح والإخاء التي تدعو لها الأديان وتشجع عليها؛ لتكن وثيقتنا شهادة لعظمة الإيمان بالله الذي يوحد القلوب المتفرقة ويسمو بالإنسان لتكن رمزًا للعناق بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وبين كل من يؤمن بأن الله خلقنا لنتعارف ونتعاون ونتعايش كإخوة متحابين.


 هذا ما نأمله ونسعى إلى تحقيقه بغية الوصول إلى سلام عالمي ينعم به الجميع في هذه الحياة.

"