رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

«النهج الترامبي» تجاه روسيا ومآلاته على الأمن الأوروبي

الثلاثاء 05/فبراير/2019 - 11:53 ص
المرجع
آية عبد العزيز
طباعة
شهدت الآونة الأخيرة عددًا من الاتهامات المتبادلة، بين الإدارة الأمريكية ونظيرتها الروسية خاصةً فيما يتعلق بمدى الالتزام بشأن المعاهدات الدولية المتعلقة بحظر انتشار الأسلحة النووية، وتجلت الاتهامات مع قرارات الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» الأخيرة حول سياسات الولايات المتحدة؛ حيث أعلن الانسحاب من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، يوم الجمعة الموافق 1 فبراير 2019، اعتبارًا من يوم 2 فبراير، مؤكدًا تعليق الالتزام ببنود المعاهدة، مشترطًا إمكانية التراجع عن القرار في حالة التزام روسيا ببنود المعاهدة، وتدمير كل الصواريخ التي تمتلكها، ومنصات الإطلاق والمرافق ذات الصلة. (1)

«النهج الترامبي»
والجدير بالذكر؛ إنها لم تكن المرة الأولى التي يعلن فيها «ترامب» انسحابه بشكل أحادي من معاهدات دولية أو اتفاقيات جماعية تجسدت على سبيل المثال في اتفاق باريس للمناخ، والاتفاق النووي الإيراني. 

حجر الزاوية 
أثيرت حالة من الجدل والتبابين حول مستقبل الأمن الأوروبي؛ بعد المعاهدة التي وقعها الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» والرئيس السوفييتي «ميخائيل جورباتشوف» في عام 1987، لمنع كلا البلدين من اختبار وإنتاج وحيازة الصواريخ الأرضية متوسطة المدى، كذلك التخلي عن اختبار ونشر الصواريخ النووية والتقليدية التي يتراوح مداها بين 500-5500 كم (2). 

«النهج الترامبي»
وفي منتصف السبعينيات، حقق الاتحاد السوفييتي تكافؤًا استراتيجيًّا مع الولايات المتحدة، بعد ذلك بوقت قصير، وبدأ الاتحاد السوفييتي في استبدال صواريخ SS-4 وSS-5 الأقدم عمرًا باستخدام صاروخ متوسط المدى جديدة، SS-20، ما أدى إلى ما كان يُنظر إليه على أنه تغيير نوعي وكمي في الوضع الأمني الأوروبي. 

وكان الصاروخ SS-20 متحركًا ودقيقًا وقادرًا على الاختفاء والنقل بسرعة، وقد سمحت مجموعة SS-20s التي يبلغ طولها 5000 كيلو متر بتغطية الأهداف في أوروبا الغربية وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، ومن قواعد في شرق الاتحاد السوفييتي، ومعظم آسيا وجنوب شرق آسيا وألاسكا(3) 

لذا فقد جاءت المعاهدة على خلفية نشر الاتحاد السوفييتي هذه الصواريخ في أوروبا، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على الأمن الأوروبي؛ حيث قام كل من حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة بنشر موازٍ لصواريخ مشابهة في أوروبا الغربية. 

وبحلول1991، تم تنفيذ المعاهدة بشكل كامل بعد أن توافقت القوتين على تدمير مقدراتهما من الصواريخ المتوسطة المدى، وعليه قد اعتبرت بمثابة حجر الزاوية للتحكم العالمي في سباق التسلح الذي استمر إبان الحرب الباردة وساعدت في إنهاء هذه الحرب. 

خلفية القرار الأمريكي 

«النهج الترامبي»
لم يكن القرار الأمريكي وليد اللحظة فقد هدد «ترامب» في أكتوبر 2018، بالانسحاب من المعاهدة نتيجة السياسات الروسية التي ساهمت في خرق بنود المعاهدة، التي تجلت في تصنيع صواريخ من نوع 9М729 ، كما طالبت واشنطن في ديسمبر 2018 موسكو بتدمير الصاروخ المعدل، أو تعديله بما يتوافق مع بنود المعاهدة خلال 60 يومًا، حتى لا يتم تعليق المشاركة في المعاهدة من قبل الإدارة الأمريكية(4).

ومع بداية عام 2019 أعلن «ترامب» تعليقه المعاهدة نتيجة عدم استجابة موسكو لها، وتجسد ذلك في إصدار البيت الأبيض بيانًا على لسان «ترامب» قائلًا «سنمضي قدمًا مع بحث الخيارات الخاصة بالإدارة الأمريكية لمدى إمكانية الرد العسكري على تحركات موسكو، بالتعاون مع حلف شمال الأطلسي وحلفائه الدوليين للتعويض عن أي ميزة عسكرية حصلت عليها موسكو نتيجة أفعالها غير القانونية، معربًا عن تمسك الإدارة الأمريكية بالرقابة الفعالة على انتشار الأسلحة التي يمكن التحقق منها وتنفيذها، وتشمل الشركاء القادرين على الوفاء بالتزاماتهم.(5) 

فيما اتهم وزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو» روسيا بانتهاكها بنود المعاهدة، ورفضها التراجع عن سياساتها التي من المؤكد إنها ستؤثر على الأمن الأوروبي والعالمي بشكل كبير، وعليه فقد تم منح موسكو فترة تمتد إلى 6 أشهر لكي تتمكن من إنقاذ الاتفاقية، عبر الالتزام الكامل ببنودها، مع إمكانية التفاوض حول موضوع مراقبة انتشار الأسلحة، لأن عدم التحرك الروسي في هذا الاتجاه سينعكس بشكل سلبي على مسيرة العلاقات الثنائية بين البلدين وهو ما أوضحه «بومبيو». 

«النهج الترامبي»
ردود الفعل الدولية 
1. الموقف الروسي
جاء الرد الروسي إبان التهديدات الأمريكية؛ بضرورة تدمير الصواريخ المطورة لعدم موافقتها مواصفات المعاهدة، من وزارة الدفاع الروسية التي قامت بعمل مؤتمر صحفي بحضور ملحقين عسكريين أجانب عرضت خلاله الصاروخ المطور، مؤكدة التزامها الكامل بتنفيذ المعاهدة الخاصة بالصواريخ متوسطة المدى.

وفي سياق عملية الانسحاب الأمريكي من المعاهدة، أوضحت موسكو عدم اعترافها بالقرار الأمريكي لإنه قرار أحادي الجانب، لأنه يعتبر باطلًا من الناحية القانونية. 

وأكدت وزارة الخارجية الروسية استعدادها لإنقاذ المعاهدة بكفاءة وفعالية، عبر المفاوضات ولكن ليس من خلال تدمير موسكو لأسلحتها المعدلة، كما أشارت إلى ضرورة البحث عن حل لتسوية الخلاف بين الجانبين، فيما قامت القيادة الروسية بتعزيز قواتها العسكرية المتاخمة على الحدود الغربية لألمانيا في مقاطعة كالينينجراد، ردًا على زيادة الناتو حشوده في منطقة البلطيق. (6) 

وعلى صعيد آخر؛ طالبت موسكو واشنطن أيضًا باتخاذ خطوات عادلة وشفافة بما يتعلق بالحفاظ على المعاهدة، ولا سيما فيما يتعلق بنظام «أيجيس» المضاد للصواريخ المنشور برًا، والذي تم نشره في رومانيا. (7) 

2. الموقف الألماني 
أعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، نيتها خوض المفاوضات، لتقارب وجهات النظر، مع استغلال فترة الانسحاب الرسمية التي تقارب 6 شهور لإجراء مزيد من المناقشات، وأوضحت أن موسكو قامت بانتهاك المعاهدة ولكن يظل الأهم هو إبقاء مساحة للحوار بين الجانبين. (8) 

3. موقف حلف شمال الأطلسي 
تمثل موقف الناتو في الدعم الكامل لقرار واشنطن بالانسحاب من المعاهدة، داعيًا موسكو للاستفادة من فترة الانسحاب، لتؤكد التزامها ببنود المعاهدة. 

فيما أوضح البيان الصادر من الحلف إنهم مازالوا مستمرين في السعي لإقامة علاقات قوية مع موسكو، كما إنهم يراقبون تحركات موسكو فيما يتعلق باستخدامها للصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، لاتخاذ الخطوات اللازمة لضمان فعالية الموقف المشترك لدول الناتو «في مجال الردع والدفاع»، معتبرًا أن موسكو وحدها ستتحمل تكلفة الانسحاب الأمريكي من المعاهدة، إن لم توف التزاماتها خلال فترة الانسحاب الرسمية، عبر تدمير الصواريخ المعدلة والمخالفة للبنود. (9) 


«النهج الترامبي»
عواقب القرار على الأمن الأوروبي 
يواجه الأمن الأوروبي عددًا من التهديدات والتحديات التي تتجلى في تراجع الدور الأمريكي في حماية مصالح القوى الأوروبية، وتنامت حدة التغيير في النهج الأمريكي تجاه الأمن الأوروبي مع تولي الرئيس «دونالد ترامب»، وانتهاجه سياسة قائمة على تبادل المصالح وعقد الصفقات بما يعزز من هيمنة الولايات المتحدة، قبل مصالح الجميع. 

وتجسدت هذه السياسة في انسحابه من المعاهدة دون النظر إلى مصالح الدول الأوروبية التي صارت مهددة من قبل التحركات الروسية خاصة المتاخمة للحدود الأوروبية، مع التخوف من عودة سباق التسلح بشكل مختلف عبر إعادة نشر الصواريخ داخل الدول الأوروبية. 

وقد برر القرار أنه لن يسمح لموسكو بتطوير قدراتها الدفاعية والصاروخية، كما إنه يتخوف مع عودة روسية كقوى عظمى، تنافس الولايات المتحدة مرة ثانية، وهو ما ترفضه واشنطن. 

علاوة على إن روسيا أصبحت فاعلًا دوليًّا في كثيرٍ من الملفات المثارة في النظام العالمي مثل الملف السوري، والإيراني والأوكراني وأخيرًا الملف الفنزويلي. 
*****

 الهوامش: 
1- "واشنطن تعلن رسميا تعليق التزامها بمعاهدة القوى النووية المتوسطة"، هيئة الإذاعة البريطانية، 1/2/2019. http://www.bbc.com/arabic/world-47092583 2- للمزيد أنظر مصطفى صلاح، "مخاوف متصاعدة .. الأمن العالمي في ظل الانسحاب الأمريكي من معاهدة "القضاء على الصواريخ (IFN)"، المركز العربي للبحوث والدراسات، 29/10/2018. http://www.acrseg.org/40992 3- "Treaty Between The United States Of America And The Union Of Soviet Socialist Republics On The Elimination Of Their Intermediate-Range And Shorter-Range Missiles (INF Treaty)", U.S. Department of State. https://www.state.gov/t/avc/trty/102360.htm 4- " واشنطن تعلن تعليق العمل بمعاهدة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى"، روسيا اليوم، 2/2/2019. http://cutt.us/az504 5- " بعد تعليقه العمل بمعاهدة الصواريخ. ترامب يهدد روسيا برد عسكري"، روسيا اليوم، 1/2/2019. http://cutt.us/qsPck 6- "ردّا على تصعيد الناتو. روسيا تنشر فوجا إضافيا من مقاتلاتها على تخومه"، روسيا اليوم، 2/2/2019. http://cutt.us/gXf2A 7- "موسكو: المطلب الأمريكي بتدميرنا صواريخ 9М729 مرفوض"، روسيا اليوم، 21/1/2019. http://cutt.us/u6jEe 8- "ميركل: إذا غادرت واشنطن معاهدة الصواريخ سنبذل قصارى جهدنا لإجراء محادثات"، سبوتنيك عربي، 1/2/2019. http://cutt.us/Krtii 9- "حلف الناتو يعلن دعمه الكامل للخطوة الأمريكية بخصوص معاهدة الصواريخ مع روسيا"، روسيا اليوم، 2/2/2019. http://cutt.us/rHmBT

الكلمات المفتاحية

"