رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

«الصوفية» في بريطانيا.. تواشيح في حضرة السياسة

الأحد 03/فبراير/2019 - 06:05 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة

يظهر عالم التصوف غالبًا كـ«كنز مليء بالأسرار والحكايات الشيقة»، دافعًا بأدبياته وأساطيره نحو التقفي الحثيث لجذور دراويشه، والكيفية التي استطاعوا من خلالها نشر التيار في ربوع العالم المختلفة، وبالأخص في بلاد القارة العجوز.

إيان دالاس (عبدالقادر
إيان دالاس (عبدالقادر الصوفي)
فالتيار الذي اصطبغ بممارسات استمدها من عقائد «عارفين» رحلوا من مئات السنين شق لنفسه طريقًا رحبًا بين الأطروحات الإنسانية المتعددة التي يعتنقها سكان أوروبا، لاسيما مواطني المملكة المتحدة التي يعيش بها نحو ثلاثة ملايين مسلم، وفقًا لأخر إحصائية قدمها «المكتب البريطاني للإحصائيات الوطنية» ليشكلوا مجتمعًا شديد الجاذبية لمختلف الطوائف في محيط يعتيره الكثير من القلق والشك المتزايد تجاه أي من الثقافات الإسلامية.

جذور متعددة
تتجه أغلب الدراسات المتعلقة بالتصوف في المملكة المتحدة، نحو الاعتقاد بأن المنهج الصوفي آخذ في الازدهار منذ فترة الستينيات والسبيعنيات، فالباحث البريطاني رون جافيس، ورفيقه ثيودور جابريل أشارا في كتابهما المعنون بـ «الصوفية في بريطانيا» إلى أن المريد الشهير «إيان دالاس» البالغ من العمر 89 عامًا، لعب دورًا محوريًا في نشر التصوف في البلاد.

وإيان دالاس هو بريطاني الأصل ولد في اسكتلندا عام 1930، وغير اسمه إلى «عبدالقادر الصوفي» بعد اعتناقه الإسلام في 1967 بعد تأثره بإمام وخطيب مسجد القرويين بفاس في المغرب، الشيخ عبدالكريم دودي أثناء زيارته إلى الشمال الأفريقي، وبعدها عاد دالاس إلى المملكة المتحدة حاملًا معه صبغات متعددة من المغرب العربي، وأهمها الطريقة الحبيبية الدرقاوية الشاذلية (يذكر أنها طريقة تعود إلى الشيخ محمد بن الحبيب الإمغاري الإدريسي الحسني) والتي تعد من أهم الطرق في المغرب والتي أصبح دالاس ممثلًا لها  في العديد من دول الغرب، فضلًا عن إدارته للزاوية الخاصة بها في بريطانيا، وإنشاء المساجد لإحياء حلقات الذكر المتعلقة بالطريقة.

وعلى الرغم من أن الباحث رون جافيس قد أشار إلى الانتشار الحديث نسبيًّا للتصوف في البلاد فإن بعض المجلدات التاريخية لفتت إلى قدم تسلل المنهج، فالكتاب الذي يحمل عنوان «المرشدون الروحيون للطريقة القادرية»، قدم تحليلًا مبسطًا لعمق العلاقة بين الصوفية وبريطانيا وذلك لكون الأخيرة، احتلت الهند لفترة من الزمن (امتدت من 1858 إلى 1947).

ونظرًا لكون الهند موطنًا ثريًّا للصوفية كان من الطبيعي أن يحدث تأثر وتبادل للثقافات بين الطرفين، إذ ذكر كتاب المرشدون الروحيون أن القادة البريطانيين كانوا عندما يطلبون مساعدة من معاونيهم من الهنود، سواء كانت عسكرية أو لوجستية، كانوا يقترحون عليهم حضور أحد الدراويش (أصحاب الكرامات) معهم لنجاح المهمة، وهو ما كان يحدث مع الصوفي ميان محمد بخش (1830- 1907).   

ولم يتوقف التأثير الهندي عند ذلك الحد، بل امتد ليشمل دور الهجرات المكثفة لبريطانيا، والتي جلبت معها الكثير من مظاهر التصوف الأصيلة ورموزه أيضًا والتي أصبحت فيما بعد شيوخ يتهافت عليها مريدو القارة.
«الصوفية» في بريطانيا..

الطرق والمراكز الأشهر
صحيح أن التصوف كان خافتًا في بدايته، لعدة أسباب مختلفة، منها خلو البلد من الأضرحة الرئيسية للأولياء، لكن مع تطور الوقت إزداد عدد المريدين لتتعدد معهم الطرق والمراكز التي يمارسون بها الطقوس المختلفة ومنها:

النقشبندية الحقانية
تعتبر من أهم الطرق التي تنتشر بالمملكة المتحدة ويتولى الإشراف على أنشطتها المختلفة ومراكزها الشيخ هشام قباني، وهو زوج ابنة الشيخ ناظم الحقاني القبرصي (1922- 2014) شيخ الطريقة النقشبندية في أوروبا، ومن أبرز مراكز الطريقة، رابطة «شيفلد» للصوفية، والتي تعنى بإقامة حلقات الذكر وتوعية المريدين بأوراد الطريقة والعديد من الأنشطة الأخرى، كما تهتم النقشبندية في بريطانيا كغيرها من الطرق الصوفية في الغرب بإقامة حلقات رياضية لممارسة رياضة اليوجا والتأمل لتنقية النفس البشرية وتذكيرها بالهدف الأصيل لوجودها بالحياة.
«الصوفية» في بريطانيا..
القادرية البودشيشية
تعرف على أنها منبثقة عن الطريقة القادرية التي تنتسب للشيخ عبدالقادر الجيلاني، وتمتاز بتمثيل واسع في المملكة المتحدة، وتمتلك عددًا من المراكز في لندن، وبيرمنجهام، وبرادفورد، ومانشستر، ونوتنجهام، وتنتظم فعاليتها حول إقامة التجمعات بالمراكز على أن يكون هناك فصل بين الرجال والنساء ويبدأ التجمع بقراءة القرآن الكريم باللكنة المغربية، ثم الصلاة، وإلقاء الشعر والقصائد الصوفية ثم الطعام المشترك مع بعضهم البعض، كما أن الطريقة تمتلك جمعية خيرية مسجلة في «ويلز» وتعرف باسم «جمعية أمانة» وتقدم خدماتها الخيرية للجميع عن طريق الطلاب المتطوعين.
مركز M.T.O
مركز M.T.O

الأويسية شاه مقصودية
تشتهر الطريقة الأويسية في بريطانيا بوجود تمثيل كبير لها من خلال مركز فخم يقدم تعاليمها ومنهجها، يعرف بـ المدرسة الصوفية الشاه مقصودية، واختصارًا «M.T.O»، ومقرها العاصمة لندن، وتتميز تلك المدرسة بكونها صرحًا تعليميًّا للطريقة، كما أن لها العديد من الفروع في البلدان الأوروبية الأخرى مثل ألمانيا وكندا، وتنسب الطريقة «الأويسية شاه مقصودية» إلى أويس بن عامر القرني (594- 658)، الذي يشتهر بمعايشته لفترة حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
«الصوفية» في بريطانيا..

الحبيبية الدرقاوية الشاذلية
تمتلك الطريقة زاوية شهيرة يرتادها المريدون للتزود من تعاليم التيار وحضور حلقات الذكر، كما توجد مساجد يقام بها أيضًا بعض الفعاليَّات للحبيبية التي تمثل امتدادًا للثقافة الشرقية في أوروبا.
«الصوفية» في بريطانيا..
العنايتية
تعد من الطرق الروحية والفلسفية أي أنها لا تعتمد على الإسلام فقط كمرجعية دينية ما يثير حولها الانتقادات، ولكنها تنتسب للهندي عنايت خان الذي يرجع له الفضل في نشر مفاهيم التصوف في الغرب عندما سافر إلى هناك في عام 1910 خصيصًا لهذا الغرض.

طرق أخرى
توجد في بريطانيا أيضًا الطريقة المولوية وتنتشر رقصتها الشهيرة في العروض الثقافية وذلك إلى جانب الطريقة القادرية الرفاعية.
هشام قباني مع الأمير
هشام قباني مع الأمير تشارلز

ولم تنتهِ مظاهر التصوف في بريطانيا عند هذا الحد السالف ذكره بل تتسم «بتفرد نوعي» يظهر بجلاء في احتفاء الساسة بها ورعايتهم لها، وقبولها الواسع من القيادة الرسمية للدولة، فعلى عكس الوضع الغالب للتيار بكونه بعيدًا عن الأدوات السياسية، فإن الطيف في المملكة المتحدة مختلف بعض الشيء، ففي 19 يوليو 2006 افُتتح المجلس الإسلامي الصوفي والمعروف اختصارًا بـ(SMC) كهيئة غير ربحية وغير حكومية تعمل من أجل خدمة المنهج الخاص بها والذي تعتقد أن 80% من مسلمي البلاد يعتنقونه.

وحظى هذا المجلس برعاية رسمية من الدولة ومن الساسة؛ وبالأخص حزب العمال البريطاني، وحضر حفل افتتاحه لفيف واسع من ممثلي الهيئات السياسية، ومنهم «رث ماريا كيلى» والتي كانت حينها وزيرة للجاليات والحكومات المحلية في عهد رئيس الوزراء توني بلير، بالإضافة إلى مستشار الحكومة للشؤون الدينية والمجتمعات المحلية «مقصود أحمد».
«الصوفية» في بريطانيا..
كما أن مستشار حكومة المملكة المتحدة «حراز رفيق»، والذي عين ضمن المجموعة الخاصة بمكافحة العنف والتطرف التي تم تشكيلها بعد سلسلة التفجيرات التي ضربت العاصمة لندن في 7 يوليو 2005 وراح ضحيتها 50 شخصًا، صرح بأن الحكومة تهتم بشأن المجلس، وأن إنشاءه كان خطوة من سلسلة الإجراءات التي أوصت بها المجموعة ضمن خطتها لمواجهة التطرف بعد أحداث 2005، أي أن الساسة في بريطانيا يتعاملون مع الصوفية كبديل ومواجه قوي للأصولية والتطرف.

ويذكر أن الأمير تشارلز ابن الملكة اليزابيث الثانية ملكة البلاد عادة ما ينظم زيارات لمراكز الصوفية في البلاد ويحضر فعاليتها المختلفة، ففي 4 فبراير 2010 استضاف هشام قباني (شيخ الطريقة النقشبندية) أمير ويلز لمناقشة شؤون المسلمين والمهاجرين في البلاد.

ونتيجة لتلك الرعاية السياسية والرسمية، تثار الكثير من الانتقادات للمجلس، وبالأخص من الهيئات الإسلامية في المجتمع، وأهمها المجلس الإسلامي في بريطانيا «MCB» إذ يتبادل المجلسان الانتقادات والشكوك حول بعضهما البعض والتنافس أيضًا.


الكلمات المفتاحية

"