رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

القناة المالية الأوروبية مع إيران.. الدوافع والتداعيات

الجمعة 01/فبراير/2019 - 01:15 م
المرجع
مرﭬت زكريا
طباعة

تقاسمت الدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا، فرنسا وبريطانيا) مسؤولية تدشين القناة الخاصة بتسهيل التعامل بين طهران والدول الأوروبية، فضلاً عن تجاوز العقوبات الأمريكية، على خلفية الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (4+1) في مايو 2018.


تهدف هذه القناة إلى تسهيل التعاملات التجارية بين طهران ودول الاتحاد الأوروبي، ويتوقع وصول وزير الخارجية الإيراني «جواد ظريف» إلى بروكسل؛ لبحث التفاصيل النهائية في مسودة الإعلان الرسمي للقناة.


كما تحاول الدول الأوروبية من خلال تدشين هذه القناة الحد من نفوذ إيران في المنطقة، واحتواء برنامج الصواريخ الباليستية الذي يهدد حليفتها إسرائيل، فضلاً عن تسهيل وصول صادرات الأغذية الأوروبية إلى طهران جراء الأزمة التي يعاني منها الشعب الإيراني.


وتتوقع دول الاتحاد الأوروبي أن يترتب على ذلك مجموعة من النتائج تتمثل في حفظ الاتفاق النووي، وامتثال طهران لمجموعة العمل المالي (فاتف)، فضلاً عن السيطرة على العمليات الإرهابية التي يقوم بها نظام الملالي ضد المعارضة الإيرانية في الخارج.

 الخروج الأمريكي
الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني
أولاً: محفزات تدشين القناة المالية مع إيران
شهدت فترة ما بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني مجموعة كبيرة من التفاهمات بين طهران ودول الاتحاد الأوروبي بغرض تسهيل التعامل التجاري، وتجاوز العقوبات الاقتصادية المفروضة من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن مجموعة من الدوافع تمثلت فيما يلي:-  

1- احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة
ينطلق النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط من أساس منهجي يتمثل في نظرية تصدير الثورة الإسلامية، ومبدأ الحكومة العالمية؛ فمنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، سعت طهران لنشر نفوذها في المنطقة العربية؛ بحجة محاربة المستبدين، ونصرة الضعفاء، ولكن يتمحور السبب الخفي حول رغبة الجمهورية الإسلامية في أن تصبح أكبر القوى الإقليمية الموجودة في المنطقة، ومن هنا تستطيع استخدام هذه الورقة في المناورة مع القوى الكبرى لتنفيذ مطالبها.

كما أن لدول الاتحاد الأوروبي مصالح مهمة في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما المصالح الإيطالية، والتي يتمحور أغلبها حول الطاقة، في دول مثل ليبيا، ومن ناحية أخرى ترتبط المنطقة بالدول الأوروبية في ملفات مثل الهجرة والإرهاب، وتعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق تصديرًا لهذه الظواهر، ومن هنا تتقاطع مع الجمهورية الإسلامية المزعزعة للاستقرار والداعمة لمعظم الجماعات الجهادية الموجودة في معظم مناطق الصراع الحالية مثل سوريا والعراق(1).

وتحاول طهران التأثير على مصير المنطقة من خلال دعم بعض الفاعلين من غير الدول مثل «حزب الله» في لبنان والحوثيين في اليمن، على أن يتمحور نفوذ إيران في التأثير على العملية الانتخابية، ووصول فصائل معينة إلى سدة الحكم، ومن هنا تأتي مساندة هذه الدول لطهران في سياستها الإقليمية والدولية.

في السياق ذاته، تعمل طهران على إثراء الذات الطائفية داخل المنطقة العربية بشكل عام واليمن بشكل خاص، لذا أدت السياسات الإيرانية في اليمن لتمزيق النسيج الاجتماعي، ونسف التعايش السلمى، كما تسبب الدعم العسكري الإيراني من خلال أسلحة حديثة وبكميات كبيرة لجماعة الحوثي في تقويض قدرة الدولة اليمنية، وتصعيد وتيرة الصراع(2).
الصواريخ الباليستية
الصواريخ الباليستية
2- الحد من أنشطة الصواريخ الباليستية
أطلقت طهران منذ توقيع الاتفاق النووي مع دول (4+1) عددًا من الصواريخ الباليستية، وعلى الرغم من وجود بند داخل الاتفاق النووي يقر  بمنعها ولكنها تبرر ذلك بسلمية هذه الأنشطة؛ حيث أعلن الرئيس الإيراني «حسن روحاني» في 10 يناير  لعام 2019 عن تدشين بلاده صواريخ تحمل أقمارًا صناعيًّا إلى مدار الأرض، في تحدٍّ لتحذير الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» من انتهاك القرار رقم 2231.

ويأتي ذلك ليكون بمثابة تأكيد على نشر شبكة (سي إن إن) الأمريكية صورًا تُظهر  نشاطًا صاروخيًّا بموقع تابع للحرس الثوري تستخدمه وكالة الفضاء الإيرانية، لكن أشار بعض المحللين إلى أن طهران تجنبت تقديم شكوى في مجلس الأمن ضد قرار لانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في مقابل عدم تلويح الولايات المتحدة الأمريكية بورقة القرار رقم 2231 ضد الأنشطة الصاروخية الإيرانية(3).

نتيجة لما سبق، باتت قضية الصواريخ الباليستية تفرض نفسها كملف أساسي في إطار العلاقات الفرنسية الإيرانية؛ حيث أعرب وزير الخارجية الفرنسي «جان أيف لودريان» عن استعداد بلاده لفرض مجموعة من العقوبات على إيران في حالة عدم تحقيق تقدم في المفاوضات بشأن برنامجها الصاروخي الباليستي، بما يتضمن تجميد أصول أعضاء الحرس الثوري الإيراني، وحتى الموظفين المنخرطين في هذه القضية(4).
تصدير القمح
تصدير القمح
3- تسهيل وصول صادرات الأغذية للشعب الإيراني
يُعاني الشعب الإيراني من نقص المواد الغذائية في الأسواق وارتفاع أسعارها، على خلفية العقوبات الأمريكية التي أعقبت فترة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وعدم قدرة شركات الأغذية العالمية على التصدير لطهران، فلم تتمكن مجموعتا «كارجيل» و«بنجي» الأمريكيتان، و"أولام" السنغافورية من إبرام صفقات تصدير جديدة للقمح، والذرة، والسكر الخام؛ بسبب عدم قدرة البنوك الغربية على تحويل مدفوعات الصفقات مع إيران.

في السياق ذاته، أقر مسؤول إيراني بوزارة التجارة والصناعة بوجود صفقات مع عدد قليل من البنوك الأوروبية الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك تعاملات تُذكر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من إعلان واشنطن إمكانية إلغاء العقوبات المفروضة على السلع الغذائية إلا أن الجزاءات الصارمة التي فرضتها الإدارة الأمريكية على الكيانات المخالفة للعقوبات تسببت في إيقاف كثير من البنوك والشركات الأوروبية والغربية لتعاملاتها المالية مع طهران خشية التعرض لعقوبات أمريكية.  

لذا، صرح كثير من خبراء الاقتصاد العالميين أنه من الأسهل على كثير من البنوك الأجنبية إنهاء أي نشاط مالي مع إيراني، بدلاً من الخوض في تفاصيل القوانين الخاصة بالعقوبات الأمريكية، أو المخاطرة بارتكاب أخطاء والتعرض لجزاءات(5).
إيران و دول الاتحاد
إيران و دول الاتحاد الأوروبي
ثانيًا: تداعيات انطلاق القناة المالية بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي
على الرغم من وجود صعوبات كبيرة تواجه الدول الأوروبية بشأن استضافة القناة المالية لتسهيل التبادل التجاري مع طهران، خشية التعرض للعقوبات الأمريكية، لكنها تأمل في أن يترتب على تدشين هذه القناة مجموعة من النتائج تتمثل فيما يلي:-

1. الإبقاء على الاتفاق النووي
تتوقع دول الاتحاد الأوروبي أن يكون تدشين القناة المالية مع طهران بمثابة عامل مساعد على حفظ الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (4+1)، لاسيما بعد الخروج الأمريكي، وفرض ثلاث موجات من العقوبات الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية.

وأشار كثير من المحللين إلى أنه على الرغم من أن البقاء داخل الاتفاق النووي يعد بمثابة الحل الأمثل في ظل الظروف الحالية بالنسبة للجمهورية الإسلامية، في الوقت ذاته، لا يمكنها  الاستمرار بغض النظر عن التكلفة.

ويشير الكاتب الأمريكي «هنري روما» إلى أن العامل الاقتصادي هو المحدد الأكثر أهمية في حسابات صانع القرار الإيراني، وأقر أن هناك ملاحظتين غاية في الأهمية، أولاً: على الرغم من قوة  العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها ليست بنفس فعالية التدابير متعددة الأطراف. ثانيًا: أن الأثر السلبي الذي سيخلفه الخروج الإيراني من الاتفاق النووي أكبر من أي أثر إيجابي من الممكن أن تحصل عليه طهران في ظل هذا الوضع.

ومن هنا، تعمل الدول الأوروبية على تعزيز فرص ومكاسب الجمهورية الإسلامية للبقاء داخل الاتفاق النووي؛ لضمان استمرار مصالح شركاتها التي تمتلك معاملات تجارية مع طهران، فضلاً عن حماية مصالحها واحتواء نفوذ طهران المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط(6).
الرئيس الإيراني حسن
الرئيس الإيراني حسن روحاني
2- ضمان انضمام طهران لاتفاقية مجموعة العمل المالي (فاتف)
شهدت أروقة السياسة في إيران جدلًا كبيرًا وصراعًا محتدمًا منذ مطلع عام 2018 حول الانضمام إلى مجموعة العمل المالي «فاتف»، على خلفية اتهام طهران وبيونج يانج بالضلوع في مكافحة غسيل الأموال ومكافحة الإرهاب.

وكجزء من إضفاء الشرعية على الوضع التجاري والمالي للجمهورية الإسلامية شرع الرئيس الإيراني «حسن روحاني» بعد عقد الاتفاق النووي مع مجموعة (4+1) في الانضمام لمجموعة العمل المالي، التي تتضمن عددًا من الإجراءات الداخلية لمكافحة غسيل الأموال، والتصديق على لائحتين؛ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة، واتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (سي إف تي).

لذا، يتوقع الأوروبيون أن يُسهل انضمام إيران لهذه الاتفاقية عمل القناة المالية، التي أقر مسؤولون إيرانيون بأن الانضمام إلى «فاتف» كان أحد شروط تدشينها، لكن تحتج بعض التيارات الإيرانية المعارضة للانضمام للاتفاقية بأنه من شأنها أن تجعل خبايا الدولة الإيرانية مكشوفة للقوى الدولية؛ ما يُصعب على إيران الالتفاف على العقوبات الأمريكية كما كانت معتادة في السابق(7).
جماعة مجاهدي خلق
جماعة مجاهدي خلق
3- السيطرة على العمليات الإرهابية ضد المعارضة الإيرانية في الخارج
شهدت الدول الأوروبية حملة كبيرة من الاغتيالات ضد المعارضة الإيرانية بالخارج، ولاسيما جماعة «مجاهدي خلق»، كما تعد قضية مزدوجي الجنسية من أبرز القضايا الخلافية بين طهران ودول الاتحاد الأوروبي؛ حيث تتهم الجمهورية الإسلامية مواطنيها من مزدوجي الجنسية بالتجسس لصالح دولهم، فضلاً عن عدم اعترافها بمبدأ الازدواج في الجنسية من الأساس.

ومن هنا، تحاول دول الاتحاد الأوروبي إجبار إيران على الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية بغرض ضبط سلوكها، والسيطرة على موجات الاغتيالات التي تستهدف المعارضة في الخارج، فضلاً عن إعادة فتح ملفات مهمة مثل الحريات والحقوق، ولاسيما لفئات مشمولة بدعم القانون الدولي مثل القاصرين والمرأة(8).
القناة المالية الأوروبية
ختامًا:
يبدو أن هذه الآلية لن تحقق أهدافها في ظل التعنت والتردد الإيراني للانضمام لمجموعة العمل المالي (FATF)، كما أنها ليست إلا آلية لحفظ ماء الوجه من قبل دول الاتحاد الأوروبي، لكن سيتوقف مدى نجاحها أو فشلها على مقدار التنازلات التي من الممكن أن تقدمها طهران، فضلاً عن الالتزام بمحددات القانون الدولي فيما يخص معاملاتها التجارية، والعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى فيما يخص برنامجها النووي.
الهوامش:
1. مرفت زكريا، ارتدادات عكسية: كيف هزمت إيران مرتين، 18/12/2018، المركز العربي للبحوث والدراسات، متاح على الرابط التالي http://www.acrseg.org/41054?fbclid=IwAR0zHt_Sv5sQxiU97-mOm69iEyCj6UbK7SvQXi-RhogM19fnMfVmgr0_DWQ . 

2. Elisabeth Kendall, Iran's Fingerprints in Yemen: Real or Imagined? Atlantic Council: working Together to secure the future, 19/10/2017, available at https://www.atlanticcouncil.org/publications/issue-briefs/iran-s-fingerprints-in-yemen-real-or-imagined

3. مرفت زكريا، مواجهات كاشفة: القمة البولندية ضد التحركات الإيرانية في الشرق الأوسط، 20/1/2019، المركز العربي للبحوث والدراسات، متاح على الرابط التالي http://www.acrseg.org/41091?fbclid=IwAR0BqVadPRtFGoFe70m6WOfFTogkwfGyUcVPBNGsNYKARz6maSKBEb91G_E .

4. فرنسا تهدد إيران بعقوبات صارمة إذ لم تحرز تقدمًا حول برنامجها الباليستي، 25/1/2019 ، روسيا اليوم، متاح على الرابط التالي http://cutt.us/WTMiM 

5. Global Traders Halt New Iran Food Deals as US Sanctions Bite, 21/12/2018, VOA news on Iran, available at https://www.voanews.com/a/global-traders-halt-new-iran-food-deals-as-us-sanctions-bite/4710715.html

6. Henry Rome, Why Iran Waits: Staying in the Nuclear Deal Is Its Worst Option, Except for All the Others, 10/1/2019, Foreign Affairs, available at https://www.foreignaffairs.com/articles/iran/2019-01-10/why-iran-waits

7. صابر كل عنبري، جدلية الانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب في إيران، 24/11/2018 ، عربي 21، متاح على الرابط التالي http://cutt.us/1ayjT 

8. مرفت زكريا، مزدوجي الجنسية في إيران بين قمع الداخل والمناورة مع الغرب، 1/12/2018، المركز العربي للبحوث والدراسات، متاح على الرابط التالي http://www.acrseg.org/41036
"