رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

تأليه الرئيس وتخوين المعارضة.. قراءة في التعديلات الدستورية التركية

الخميس 31/يناير/2019 - 02:06 م
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة
منذ عامين تقريبًا شهدت تركيا تعديلات دستورية، تحول على إثرها نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي ذي صلاحيات واسعه للرئيس؛ ما أسفر عن  حدوث انقسام حاد داخل المجتمع بين القوى العلمانية والكردية من ناحية وحزب العدالة والتنمية والقوميين من جهة أخرى. 

تأليه الرئيس وتخوين

محاولات تحويل النظام إلى الرئاسي ليست وليدة اللحظة؛ حيث سعى حزب العدالة والتنمية- منذ وصوله للحكم في نوفمبر 2002- إلى تحويل النظام إلى رئاسي، وفي سبيل ذلك قام الحزب بإجراء تعديلات دستورية في عام 2007 جعل بموجبها منصب رئيس الجمهورية منتخبًا بشكل مباشر من الشعب.

 

 دخل هذا التعديل حيز التنفيذ في 2014، وأصبح أردوغان أول رئيس تركي جعل منصب رئيس الجمهورية «منتخبا»، وكان ذلك تمهيدًا لزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية بشكل تدريجي على حساب صلاحيات رئيس الوزراء.

 

 انقلاب مريب وتحولات مشبوهة  

هناك العديد من الأسباب التي دفعت حزب العدالة والتنمية إلى التحول إلى النظام الرئاسي، لعل أهمها هو محاولة الانقلاب الفاشلة والمريبة في آنٍ واحدٍ، تلك التي وقعت في 2016؛ حيث شعر حزب العدالة والتنمية أن المؤسسة العسكرية لاتزال واقعة خارج نطاق سيطرته، ومن ثم اعتقد أن التحول إلى النظام الرئاسي مع منح الرئيس صلاحيات واسعة سيؤدي إلى إخضاع المؤسسة العسكرية إلى سلطة الرئيس، علاوة على ذلك، يعتنق حزب العدالة والتنمية نظرية المؤامرة؛ ما يعني أنه يعتقد بأن القوى المدنية تسعى لإسقاطه بالطرق كافة، حتى إن كانت غير مشروعة.


من ناحية أخرى، وبالنظر إلى واقع الأزمة التركية، سنجد أن كافة القوى السياسية المعارضة لحكومة حزب العدالة والتنمية رفضت الانقلاب بشدة وشاركت في تظاهرات مناوئة كان لها الفضل في إسقاطه (أي الانقلاب) بدرجة كبيرة، ومن هنا نرى أن ادعاء حزب العدالة والتنمية غير صحيح.

 


تأليه الرئيس وتخوين

ترويج الحزب وتمهيده للتعديل

على صعيد متصل، روّج حزب العدالة والتنمية أن النظام البرلماني التركي غير مستقر، وتعيق حيثياته آليات اتخاذ القرار، لكن واقع السياسية التركية يثبت نقيض ذلك، فمنذ نوفمبر 2002 تمكن «العدالة والتنمية» من الحكم بشكل منفرد حتى تم إجراء التعديلات الدستورية. 


ويعد الاستنثاء الوحيد ما حدث في انتخابات يونيو 2015 حينما خسر الحزب أغلبيته في البرلمان؛ ما أفقده الأغلبية البرلمانية التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفردة؛ ما دفع الأحزاب السياسية -غير العدالة والتنمية- لتشكيل حكومة ائتلافية. 


وتعيّن على الحزب حينئذ البحث عن حليف، لكن رفض الأكراد الدخول في تحالف مع العدالة والتنمية، جعل الأخير يشعر الأخير بنوع من الخيانة، خاصة أنه قد ضحى بعلاقته مع حزب الحركة القومية؛ من أجل دمج الأكراد في الحياة السياسية، ووقف الأعمال القتالية كافة بين الأكراد والجيش التركي.


 محاولة حزب العدالة والتنمية للتقارب مع الحركة القومية باءت بالفشل، خاصة أن الأخيرة ترى في دمج الأكراد تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي، وبطبيعة الحال رفض حزب الشعب الديمقراطي ذو التوجه العلماني العمل مع حكومة داود أوغلو آنذاك. 


لم يكن هناك مفر لحزب العدالة والتنمية إلا الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة عقدت في نوفمبر 2015، وأدت إلى فوز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية الكافية لتشكيل حكومة الحزب الواحد، ويدلل هذا الأمر على أن ادعاء العدالة والتنمية غير صحيح تمامًا.


تكريس حكم الفرد لا الشعب

تمرير التعديلات الدستورية التي حللها البعض على أنها تحول لحكم الفرد الواحد تطلبت دعم من حزب الحركة القومية مقابل اقصاء الأكراد من الحالة السياسية التركية، بعبارة أخرى، عملية درع الفرات التي انطلقت في 2016 كان هدفها الرئيسي توحيد الجبهة الداخلية خلف العدالة والتنمية ومعاقبة الأكراد على تخلايهم عن أردوغان ورفضهم تشكيل حكومة ائتلافيه معه؛ الأمر الذي هدد بسقوط العدالة والتنمية آنذاك، عملية درع الفرات كان الدور البارز في توحيد الموقف بين العدالة والتنمية مع الحركة القومية. 


معًا، تمكن الحزبان من تمرير التعديلات من البرلمان بعد جدل واسع، قبل أن يتم عقد استفتاء شعبيٍّ في 2017، وتم تمرير التعديلات بنسبة تجاوزت 51% بقليل، وهو ما يؤكد انقسام الشارع التركي حول هوية هذه التعديلات، وكان من المتوقع أن تدخل هذه التعديلات حيز التنفيذ في 2019، لكن حزب العدالة والتنمية بالتنسيق مع الحركة القومية قام بإجراء الانتخابات في يونيو 2018 محاولًا قطع الطريق على المعارضة، من خلال تقصير المدة الزمنية المتاحه لإجراء حملات انتخابية؛ بهدف حشد الرأي العام العالمي.

تأليه الرئيس وتخوين

ديمقراطية تفويضية

لا يمكننا الجزم بفشل الديمقراطية التركية، خاصة أن الانتخابات لاتزال الوسيلة الوحيدة للوصول إلى سدة الحكم، ومن هنا يمكننا أن نصف الحالة السياسية التركية بأنها ديمقراطية تفويضية، وتعرف الديمقراطية التفويضية على أنها ديمقراطية انتخاب مباشر لا تعرف مبدأ الفصل بين السلطات.


 بعبارة أخرى، يرى الرئيس في الديمقراطية التفويضية أنه تم تفويضه من الشعب؛ من أجل تطبيق فكره أو برنامجه الرئاسي، وفي ذلك يرفض الرئيس فكرة قيام أي مؤسسة أيًّا كانت بتعطيل قراراته أو تأخيرها، وهذا يعني أن الديمقراطية التفويضية دومًا ما تكون شعبوية، بمعنى أن الرئيس يسعى لإقرار أنماط مؤسساتية جديدة؛ بهدف تسريع وتيرة اتخاذ القرار البطيئة بحكم الأنماط القديمة.


بالنظر إلى طبيعة التعديلات الدستورية، سنجد أن صلاحيات الرئيس تم تعزيزها بشكل كبير؛ لدرجة أن رئيس الجمهورية أصبح له الحق في إصدار قوانين دون موافقة البرلمان، مع قيد واحد وهو أن قرار الرئيس في حال تصادمه مع قانون من البرلمان في الشأن ذاته، فإن الأسبقية تكون دومًا لقانون البرلمان، وإذا افترضنا أن حزبًا واحدًا تمكن من الفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية في آنٍ واحدٍ، فإنه بكل تأكيد سيؤدي إلى إقصاء الأحزاب المعارضة كافة، خاصةً أن التعديلات منحت الرئيس حق الفيتو على أي قانون صادر من البرلمان. 


إعادة تبني هذا القانون من قبل البرلمان يتطلب موافقة بالبرلمان بالأغلبية المطلقة، بعد أن كانت بسيطة قبل التعديلات، وهذا يعني أن الرئيس بمقدوره أن يساعد حزبه على ترسيخ سيطرته على السلطة التشريعية، كما بإمكان حزب الرئيس مساعدة الرئيس بالطريقة نفسه، يتعين أن نشير هنا أن التعديلات الدستورية الجديدة قد أزالت حيادية الرئيس، وسمحت له بالانضمام لحزبه.


الفصل بين السلطات

ورغم أن التعديلات الدستورية قد أقرت مبدأ الفصل في السلطات بمعنى أن الرئيس له حق حل البرلمان، كما أن البرلمان له حق الدعوة إلى انتخابات رئاسية، المشترك في الحالتين، وأنه إذا قامت سلطة بحل الأخرى، فإنها يتم حلها تلقائيًّا، على أن يتم عقد انتخابات التشريعية والرئاسية في يوم واحد.


التعديلات الدستورية خفضت من سن الرشح وأزالت قيود الخدمة العسكرية، إلا أنها قامت بتقليل الصلاحيات الرقابية للبرلمان من خلال إلغاء الاستجوابات الشفوية، واكتفت بكتابة أسئلة على أن يرد عليها الوزاراء خلال فترة زمنية معينة، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث امتلك الرئيس صلاحية تعيين 4 قضاة في المجلس الأعلى للقضاه المسؤول عن إجراء ترقيات للقضاة وتنقلاتهم أيضًا، وفيما يتعلق بالمحكمة الدستورية العليا، اكتسب الرئيس حق تعيين 12 عضوًا من إجمالي 15، بينما يقوم البرلمان بتعيين الثلاثة الباقين، وفي ذلك اكتسب الرئيس صلاحيات واسعه فوق السلطة القضائية.


إذا نظرنا إلى مبدأ الفصل بين السلطات سنجد أن الرئيس قد اكتسب صلاحيات واسعة فوق السلطة القضائية والتشريعية.


وفي الإطار ذاته، بإمكان رئيس الجمهورية الترشح إلى ولاية ثالثة في حال ما إذا قام البرلمان بحل السلطة التنفيذية خلال ولايته الثانية، وفي ذلك نجد أن النظام السياسي التركي قد افتقد الميزة الأكبر الأهم التي تميز الأنظمة الرئاسية الديمقراطية، ألا وهي ثبات مواعيد الانتخابات، وعدّ تقديمها أو تأخيرها تحت أي ظرف، لدرجة أنه في الولايات المتحدة التي تعتبر نموذجًا في هذا الشأن، يتم انتخاب نائب الرئيس؛ لكي يتولى منصب الرئاسة في حال وفاة الرئيس أو استقالته أو عزله من الكونجرس، لكن في تركيا يحق للرئيس تعيين ما يحق له تعيين ما يحلو له من نواب، على أن يتم إجراء انتخابات خلال 45 يوم من رحيل الرئيس عن منصبه.


وفي نهاية المطاف، نرى أن التعديلات الدستورية قد أضعفت مبدأ توازن السلطات والرقابة التشريعية على السلطة التنفيذية، لكن الديمقراطية التركية -ككل- لم تفشل تمامًا، ولاتزال هناك إمكانية لتصحيح الأوضاع، خاصة إذا ما توحدت القوى المعارضة خلف رجل واحد في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

"