يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مفاهيم التنظيمات حول خلق بيئة مناسبة للإرهاب

الإثنين 28/يناير/2019 - 04:30 م
المرجع
محمد عبدالغفار
طباعة

هناك عدة مفاهيم ومصطلحات تعتمد عليها التنظيمات الإسلاموية في القيام بعملياتها الإرهابية، حيث توفر تلك المصطلحات بيئة فكرية وأيديولوجية مهمة للعناصر المراد تجنيدها، وبعض المصطلحات التي تعتمدها التنظيمات الإرهابية متصلة بالتفسيرات الخاطئة للجوانب الفقهية، وبعضها الآخر وليد الحاجة التي تسببها الأحداث المتلاحقة داخل وخارج التنظيمات .

بن لادن
بن لادن

-         العدو القريب والعدو البعيد:

كانت وفاة «بن لادن» نقطة فارقة في طبيعة العدو المستهدف من قبل الجماعات الإرهابية، فبعد أن كانت «القاعدة» تهتم بقتال العدو البعيد، الممثل في الولايات المتحدة الأمريكية وأعوانها في الغرب، اعتمد تنظيم «داعش» الإرهابي على قتال العدو القريب، الممثل في الأنظمة والشعوب العربية.


وتعد هذه النقطة من نقاط الخلاف الأساسية ما بين التنظيمين، وعلى الرغم من أن «داعش» نشأ في أحضان فكر «القاعدة»، وتتفق معه في الأصول مثل إقامة الخلافة والدولة الإسلامية وفرض شرائع الله، فإنها تختلف معه في بعض الفروع، مثل طبيعة المناطق المستهدفة، وهى مسائل تنظيمية وإجرائية.


حيث إن تنظيم القاعدة يتمسك خلال مواجهاته بفكرة «العدو البعيد»، من أجل ترسيخ صورة ذهنية جيدة لدى المسلمين في بقاع الأرض، خصوصًا هؤلاء الذين يشعرون بالاضطهاد، وذلك لأنه أراد أن يتم اعتباره مدافعًا عن الإسلام والمسلمين، وقائمًا بدور التصدي لـ«الحملات الصليبية»، بهدف خلق حاضنة شعبية له في البلاد العربية والإسلامية، وكان «بن لادن» في وثائقه المسربة يحذر من مواجهة «العدو القريب»؛ لأنه يساهم في فشل خطة إقامة ما يسمى الإمارة الإسلامية.([1])


وقد ظهرت نتائج هذه الاستراتيجية في العديد من العمليات الإرهابية التي تم تنفيذها حول العالم، ومنها تفجير برج التجارة العالمي في نيويورك أو ما عرف بـ«غزوة مانهاتن»، وتفجير المدمرة الأمريكية «كول» على الساحل اليمني، وتفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام.


فيما اختلف تنظيم داعش الإرهابي مع «القاعدة» في هذه النقطة، حيث رأى أن العدو الفعلي لإقامة الدولة الإسلاموية هو «العدو القريب»، وقد وصف منظرو التنظيم «العدو القريب» بأنهم «المرتدون عن الدين الإسلامي سواء كانوا أفرادًا أو أحزابًا أو حكامًا، أو كانوا كفارًا أصليين نقضوا العهد والأمان»([2])، حيث يرى التنظيم أنه مع وجود هؤلاء في البلاد الإسلامية لن يتمكنوا من إقامة ما يدعونه «الخلافة الإسلامية».


والاختلاف الأساسي هنا ساهم في حدوث تحول كبير في الفكر الاستراتيجي للتنظيمين، حيث عملت التنظيمات الإسلاموية دائمًا على كسب القلوب، كما فعلت القاعدة في مواجهة العدو البعيد، أما داعش، ومن خلال مواجهة العدو القريب، فإنه أصبح يملك بقعًا خصبة في الشرق الأوسط  يعمل على جعلها قبلة للعقول والقلوب المؤمنة به، من خلال تقديم هذه البقع على أنها موطن مناسب لما يصفونه بــ«تطبيق الشريعة الصافية».([3])   ، وقد ظهر ذلك في العدد الثامن الصادر في مارس 2015 من مجلة «دابق»، التابعة للتنظيم الإرهابي، تحت عنوان «نداء الهجرة»، حيث طالبت المجلة المسلمين في جميع أنحاء العالم بضرورة الهجرة إلى الأراضي التابعة لـما يسمونه «الدولة الإسلامية».([4])


وعلى الرغم من اعتماد «داعش» على استراتيجية أساسية تعتمد على حصر المواجهة في الدول القريبة من منشأ التنظيم كالعراق وسوريا، فإنه قد لجأ إلى تنفيذ هجمات ضد الدول الغربية بواسطة «الذئاب المنفردة»؛ في محاولة للرد على تشكيل «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر من عام 2014، ومن أوائل تلك الهجمات، ما حدث بالعاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر من عام 2015.([5])

مفاهيم التنظيمات

-         استراتيجة السلطة الرابعة:

«الحرب الإعلامية أشد تأثيرًا من الحروب العسكرية»، هكذا عبر الإرهابي «أبو حياء المصري» عن أهمية الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام التابعة لـ«داعش»، وذلك خلال وثيقته التي أعلنها في يناير 2018 بعنوان «استراتيجية السلطة الرابعة»، حيث أبرز أن الإعلام الذي يساهم في زعزعة ولاء المواطنين لبلادهم وثقتهم في الحكام، وبث اليأس والخوف والذعر في النفوس، أهم من العمليات العسكرية التي تثبته.([6])


وتظهر هذه الوثيقة طبيعة رؤية التنظيمات الإرهابية عمومًا وتنظيم داعش خصوصًا لدور الإعلام، فهو يعمل، وفقًا لرؤيتهم، على زعزعة أواصر الربط ما بين مكونات الدولة، مما يسمح للفكر الإرهابي بالتوغل والتحرك في فراغات سوء الظن والشك الموجودة في العلاقة ما بين مؤسسات الدولة والمواطنين، لذا يجد التنظيم لنفسه موطئ قدم داخل الدول المختلفة، وهذا الدور يعد أكثر خطورة من العمل العسكري.


ويعد «مركز الحياة الإعلامي» هو الذراع الإعلاميَّة لداعش، ويختص المركز بالدعاية للتنظيم الإرهابي في الدول الغربية والعربية، ويسعى المركز إلى الدمج ما بين استخدام وسائل الإعلام التقليدية ووسائل الإعلام الحديثة، لكي تحقق رسائله الإعلامية أهدافها في الداخل والخارج بالصورة التي تسمح للتنظيم بالتمهيد للعمليات العسكرية.([7]، ويحاول التنظيم تنفيذ رؤيته السالفة الذكر من خلال  منصاته الإعلامية المختلفة، سواء كانت منصات مؤسسية كمؤسستي «الاعتصام» و«الفرقان»، أو منصات ورقية كمجلة «دابق» التي تصدر بلغات مختلفة منذ عام 2014، أو إذاعية مثل إذاعة «البيان» في الموصل، أو منصات إلكترونية مثل موقع «الخلافة الإسلامية» الذي يصدر باللغتين العربية والإنجليزية.


فيما عملت الدول الأوروبية على مواجهة هذا السلاح الخطر  للتنظيم الإرهابي، حيث قام الجيش البريطاني في أبريل 2015 بتشكيل فرقة «تويتر تروبس» أو «قوات تويتر»، ومهمة هذه الفرقة هى منع التوسع الإعلامي للتنظيم، خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أطلقت الفرقة أولى خطوات المحاربة غير التقليدية في العالم.([8])


وردًا على ذلك طالب الإرهابي «أبو بكر البغدادي»، قائد التنظيم، مقاتليه في تسجيل صوتي باستهداف المؤسسات الإعلامية الغربية، قائلًا «اثبتوا يا أنصار الخلفية، واجعلوا مراكز إعلام الكفر ضمن أهدافكم».([9])


ولم يتوقف التنظيم، حتى في أوقات تراجعه وانحساره، عن إصدار المنصات الإعلامية، ما يدل على مدى اهتمام التنظيم بهذا الفكر والأسلوب، مثل إصداره صحيفة «النبأ» ذات الفكر الإرهابي، في عام 2017، التي تعتمد في عرض آرائها على أحدث الأساليب الإعلامية مثل الإنفوجراف.([10])

مفاهيم التنظيمات

-         الذئاب المنفردة:

مع الحرب العالمية ضد التنظيم، وتعدد مصادر الضربات الجوية سواء من قبل أمريكا أو روسيا أو حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وفشل التنظيم في تطبيق استراتيجيته الخاصة بالتوسع الجغرافي، قررت القيادة العامة للتنظيم الانتقال إلى قرار استراتيجي، حيث اعتمدت على تغيير رؤيتها في محاربة «العدو القريب»، واللجوء إلى محاربة «العدو البعيد» عن طريق «الذئاب المنفردة»، وقد تم الإعلان عن ذلك في مجلة «دابق»، في العدد رقم 11 في أغسطس عام 2015، تحت عنوان «الإرهاب العادل».([11])


وعادة ما يكون «الذئب المنفرد» عضوًا سابقًا بهذه التنظيمات واستطاع العودة إلى بلده دون كشف أمره، أو أحد المؤمنين بمجموعة من الأفكار الإرهابية التي يعتمد عليها تنظيم إرهابي محدد، عن طريق متابعة المنصات الإعلامية الخاصة بهذا التنظيم، ثم يبدأ في التحضير والترتيب للعملية الإرهابية بصورة منفردة دون العودة إلى أي مسؤول تنظيمي، ذلك ما يصعّب مهمة كشف نواياه، كما أن اعتماده على آليات مثل الدهس، يزيد من صعوبة كشفه، وعليه فإن ما يمثل الخطورة الحقيقة للذئاب المنفردة هو عنصر المفاجأة.


ويتضح أن التنظيم اعتمد في تجنيد هؤلاء الأفراد على شبكة الإنترنت بصورة أساسية، من خلال التسجيلات الصوتية أو الفيديوهات المرئية أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من الطرق، وقد نجح التنظيم في جذب العديد من الشباب والفتيات من الدول الأوروبية للقيام بمثل تلك الهجمات الإرهابية، حيث دعا التنظيم من خلال «محمد العدناني»، المتحدث الإعلامي باسمه ، حيث قال في رسالة صوتية، «أيها الموحد.. إذا قدرت على قتل كافر أمريكي أو أوروبي، وبالأخص الفرنسيين منهم، فتوكل على الله، واقتله بواسطة أي وسيلة، ودون مشاورة أحد، وذلك لأنه مباح الدم والمال»([12]).


وهناك عدة أمثلة على نجاح التنظيم في تطبيق استراتيجيته، مثل هجمات «شارلي إيبدو»، في عام 2015، التي أدت إلى مقتل 12 شخصًا داخل جريدة ورقية، وهجمات «مطار ومحطات قطار بروكسل» في مارس من عام 2015، مما أدى إلى مقتل 34 شخصًا.


وهجوم إسطنبول، في ليلة رأس العام الميلادي الجديد 2017، حيث تم الهجوم على ملهى ليلي، وأدى إلى مقتل 39 شخصًا، كما فجر بريطاني- ليبي نفسه في حفل غنائي في مانشستر في عام 2017، مما تسبب في مقتل 22 شخصًا.


وأيضًا هناك هجوم في نوفمبر من عام 2018، قام به أسترالي- صومالي، في وسط مدينة ملبورن الأسترالية بواسطة سكين، وقد أدى هذا العمل إلى مقتل شخص وإصابة اثنين آخرين.


وكل هذه الهجمات يعلن التنظيم الإرهابي مسؤوليته عنها من خلال أذرعه الإعلامية، مستخدمًا ذئابه المنفردة في نشر الفزع و التحريض على  ممارسة الإرهاب .

 

[1] - مرصد الإفتاء يفند ويفكك استراتيجية «قتال العدو البعيد» لدى تنظيم القاعدة، متاح عبر https://bit.ly/2PRD6gh.

[2] - هاني السباعي، محاولة لتشخيص أحد أمراض الأمة العدو القريب أس الداء، ط2، مركز المقريزي للدراسات التاريخية، 2014، ص 31 بتصرف.

[3] - حمزة المصطفى وعبدالعزيز الحيص، سيكولوجيا داعش، منتدى العلاقات العربية والدولية، 2014، ص18، بتصرف.

[4] - ماركو لومباردي، الدعاية والإعلام أدوات توغل في يد «داعش»، مؤتمر سر الجاذبية: داعش الدعاية والتجنيد، مؤسسة فريدريش ايبرت، الأردن، ص88، بتصرف.

[5] - حسن سالم بن سالم، تنظيم داعش والإرهاب العابر للحدود، مجلة دراسات، ع 11، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامي، 2016، ص5، بتصرف.

[6] -عمرو النقيب، «استراتيجية السلطة الرابعة» أخطر الوثائق الداعشية عن اختراق الإعلام، متاح عبر https://bit.ly/2qHDlMF.

[7] - تريز منصور، إعلام داعش الوسائل والخطاب الدعائي والتقنيات، مجلة الدفاع الوطني، ع 11، أبريل 2017، بتصرف.

[8] - ماركو لومباردي، مرجع سابق، ص 85، بتصرف.

[9] - هيئة التحرير، إعلام تنظيم داعش ومنصاته، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، متاح علىhttps://bit.ly/2PSSAQZ.

[10] - هيئة التحرير، صحافة الإرهاب.. التضليل المحترف والصد عن سبيل الله، دار الإفتاء المصرية، متاح على https://bit.ly/2z6eYwH.

[11] - حسن سالم بن سالم، مرجع سابق، ص16، بتصرف.

[12] - أبو محمد العدناني، إن ربك لبالمرصاد، متاح عبر https://bit.ly/2PQZ5nC.

"