رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

تقليد يشرعن للإرهاب.. هل أُمر نبي الإسلام بقتال غير المسلمين؟

الخميس 17/يناير/2019 - 07:59 م
المرجع
محمد أبو العيون
طباعة

تستند أكثرية الجماعات والتنظيمات الإرهابية (إن لم يكن كلها) في شرعنة جرائمهم التي يريقون خلالها دماء الأبرياء، ويخربون بها الأوطان على آراء متشددة مازالت باقيةً في التراث الإسلامي بسبب تمسك المقلدين بها، واعتبارها دينٌ يُتعبد به وليست مجرد أطروحات بشرية قابلة للرد، إضافة إلى ركونهم لكثير من الأحاديث الموضوعة التي دُست في كتب الحديث وذيل الواحد منها بعبارة «متفق عليه».


ويأتي على رأس الأحاديث المنسوبة إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والمشرعنة للإرهاب، حديث: «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا فَعَلوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهم إِلاَّ بحَقِّ الإِسلامِ، وحِسابُهُمْ عَلى اللَّهِ»، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل حقًا أُمر رسول الله بقتال غير المسلمين وتخيرهم بين اعتناق الإسلام أو القتل؟


للمزيد: اجتهاد القدماء والمعاصرين.. فرضية التجديد وإشكالية التقليد (1 - 4)

تقليد يشرعن للإرهاب..
بين يدىَّ الحديث
الإجابة على السؤال السابق تحتاج إلى سبر أغوار حديث «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ...»؛ لأنه لو كان هذا الحديث صحيحًا وقاله بالفعل نبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) كما تؤكد المرويات المتفق عليها في كتب الأحاديث، فإنه تبعًا لذلك تصبح عناصر الجماعات الإرهابية محقة في قتالها لغير المسلمين؛ لأنهم يطبقون نصًا نبويًّا متفقًا على صحته.


أما في حال كون هذا الحديث موضوعًا، أي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يتفوه بحرف واحد مما ورد فيه، فسيصبح السؤال: مَن المستفيد من دسه وسط كتب الحديث، وإضفاء كل درجات الصحة عليه، بل واعتباره قولًا نبويًّا متفقًا عليه، والادعاء بأن الإشكالية تكمن في إساءة الإرهابيين لفهم النص وليس في النص نفسه؟


ولأن عدم تعارض القول النبوي مع النص القرآني، شرط من شروط قبول الحديث، لذا فإنه يجدر بنا عرض حديث «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ...» على القرآن أولًا؛ لأن الله تعالى يقول في سورة النجم: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)»، وكون أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الجانب المتعلق بالرسالة «وَحْيٌ» فمن البديهي أن تكون متوافقة مع النصوص القرآنية وغير متعارضة معها.
تقليد يشرعن للإرهاب..
التعارض مع القرآن
منذ الوهلة الأولى نجد هذا الحديث يتعارض بالكلية مع الكثير من الآيات القرآنية، والتي منها (على سبيل المثال لا الحصر) قول الله تعالى في سورة يونس: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)»، وقول الله تعالى في الآية 29 من سورة الكهف: «فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ».

وبجانب اشتراط وجوب عدم تعارض القول النبوي مع النص القرآني حتى يُقبل الحديث؛ فإن هناك شرطًا آخر لا يقل أهمية عن سابقه، يتمثل في مطابقة نص الحديث على فعل قائله، وهو النبي (صلى الله عليه وسلم).

وتؤكد جميع أفعال نبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) بما لا يدع مجالًا للشك أن حديث «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ...» منسوب إلى النبي زورًا وبهتانًا، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يتفوه بحرف واحد مما ورد في هذا الحديث، ولدينا الكثير من الوقائع التي عكست قرارات وتصرفات رسول الله فيها تعارضًا تامًّا مع هذا القول.


أولى هذه الوقائع، تلك التي حدثت عقب خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مدينة الطائف لكي يدعو أهلها إلى الدخول في الإسلام، وترك عبادة الأوثان، والثابت تاريخيًّا أن أهل هذه المدينة رفضوا الانصياع إلى دعوته صلى الله عليه وسلم، وأغروا عليه صبيانهم فرموه بالحجارة حتى أدميت قدماه الشريفتين، فانصرف راجعًا إلى مكة، وأثناء عودته ناجى ربه بذلك الدعاء المشهور بـ«دعاء الطائف»، والذي قال فيه: «اللّهُمّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي وَقِلّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي إلَى مَنْ تَكِلُنِي إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي؟ أَم إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيّ فَلَا أُبَالِي غَيْرَ أَنّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَحِلّ عَلَيّ غَضَبُك أَوْ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُك لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِكَ».

والشاهد في هذه الواقعة، هو ما تضيفه الرواية بأن وحي السماء جبريل (عليه السلام) نزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال له: «السلام يقرئك السلام، وقد أرسل معي مَلَكُ الجبال ليستأمر بأمرك، فإن شئت أطبق عليهم الأخشبين (جبلان يحيطان بمكة، هما: أبي قبيس، وقعيقعان)»، فقال له النبي: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».


ولو كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قال: «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ...»؛ فلماذا رفض التخلص من مشركي مكة الذين تفننوا في إيذائه هو وأصحابه؟ أليس من المنطقي والمعقول أيضًا أن يسارع رسول الله في تلك الواقعة ويأمر جبريل ومن معه من ملائكة بأن يطبقوا الجبال على أهل مكة، ثم بعدها يقف مخاطبًا أهل الجزيرة العربية: «من دخل في الإسلام فهو آمن على حياته، ومن أبى فسينال العقاب ذاته الذي ناله أهل مكة»، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا، لماذا؟ لأن الله أرسله رحمة للعالمين، وليس شاهرًا سيفه مقاتلًا ومُكرها للناس على اعتناق الإسلام.
تقليد يشرعن للإرهاب..
في دولة المدينة
ويقول البعض إن القياس فاسد؛ لأن حديث «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ...» قاله النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد أن أقام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وبالتالي يصبح الاستدلال بالوقائع التي حدثت قبل قيام تلك الدولة فاسدًا بكل صوره، والذي يدحض هذه الأقوال أنه صلى الله عليه وسلم لم يثبت أن قاتل أحدًا من اليهود أو النصارى أو الوثنيين أو عباد النار الذين سكنوا معه في المدينة، وذلك بالرغم من أنهم جميعًا لم يشهدوا برسالته.

والذي ينظر إلى مسودة «دستور المدينة» الذي أقره نبي الإسلام،  يجد أنه صلى الله عليه وسلم رسخ في هذا الدستور مبدأ «المواطنة» التي ساوت بين جميع سكان المدينة المنورة (مسلمين وغيرهم)، فلو كان النبي قال: «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ...» فلماذا لم يقاتل اليهود والنصارى والوثنيين وعباد النار الذين كانوا يسكنون معه في المدينة؟


وبالرغم من أن الأدلة السابقة وغيرها، تؤكد أن حديث: «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ...» منسوب زورًا وبهتانًا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ إلا أن هناك من يذهب في تبريره لإثبات صحة هذا الحديث إلى أبعد من ذلك، زاعمين أن «الحديث صحيح، والمشكلة تكمن في إساءة فهمه؛ فالمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: الناس، هم مشركو مكة دون غيرهم من الجنس البشري».

ويتبين فساد هذا التأويل الأخير، مما فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند فتح مكة؛ فلو كان النبي يقصد من قول: «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ...» مشركي مكة دون غيرهم، فكيف قال لهم حين قدر عليهم وكانت له الغلبة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ولم يقاتلهم بالرغم من أنهم لم يشهد أَن لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟
تقليد يشرعن للإرهاب..
تجديد الخطاب الديني
لا شك أن محاولة تبرير صحة هذا الحديث والإدعاء بأن المتطرفين أساؤوا فهمه يُعطي حجة دامغة للإرهابيين كي يبرروا شرعية جرائمهم، فهؤلاء يحكمون بكفر المجتمع كله وفقًا لنظرية الحاكمية، وبالتالي حين يريقون دماء الأبرياء ويخربون الأوطان سيرفعون في وجه من يجابه إرهابهم حديث: «أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ...».

ولذلك فإن المطالبة بتنقيح كتب الحديث لا تعني على الإطلاق القدح في عدالة أئمة هذا العلم الذين جمعوا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هذه المطالبات تهدف في المقام الأول إلى حفظ السنة النبوية الصحيحة وتنقيتها من كل قول نُسب إلى النبي، وهو منه براء، إضافة إلى تبرئة ساحة هؤلاء العلماء من كتابة أحاديث موضوعة.


كما أن الانصياع للمطالبات المستمرة بضرورة تجديد الخطاب الديني ومن ثَمَّ تنقيح كتب التراث والأحاديث مما علق بها من شوائب، تبرز أهميتها في أنها ستنزع غطاء الشرعية الزائف الذي ترتديه عناصر الجماعات والتنظيمات الإرهابية، وإظاهرهم على حقيقتهم أمام العامة؛ فالإرهابيون حفنة من العصابات واللصوص وقطاع الطرق، ولم ولن يكونوا خوارج أساؤوا فهم النص وتأويله.

ومن الوقائع الدالة على أن تنقيح كتب الأحاديث، ومن ثَمَّ إظهار السنة الصحيحة هو الوسيلة الناجعة لمجابهة الإرهاب فكريًّا، وبالتالي تجفيف منابعه، ما أخرجه ابن سعد من طريق عكرمة عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج وقال له: «اذهب إليهم ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه؛ تقول ويقولون، وخاصمهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصًا، فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة».

وهناك أيضًا قول خليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) الذي أخرجه الدارمي في «المقدمة» باب «التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة»: «سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله».
تقليد يشرعن للإرهاب..
شرعنة الإرهاب
وبناء على ما سبق؛ نجد أن شرعنة الإرهاب بنصوص نُسبت إلى نبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) أمر تتعدى خطورته تلك الشرعنة المستندة على تأويل أو إساءة فهم النص القرآني، وكذلك الركون إلى آراء وأقوال متشددة يعج بها التراث الإسلامي؛ فحين يرفع الإرهابيون شعار «التمسك بصحيح السنة» يكون تأثيرهم على العامة كارثيًّا للحد الذي يمكنهم من استقطاب الكثيرين بسهولة تامة من جانب، واكتساب التعاطف الشعبي من جانب آخر.


لذا فإن الأصوات التي ترتفع مطالبة بضرورة تجديد الخطاب الديني ومن ثَمَّ تنقيح كتب التراث والأحاديث مما علق بها من شوائب محقة تمامًا؛ لأن الجميع يُدرك أن المواجهة العسكرية للتنظيمات الإرهابية أمر من الأهمية بمكان، ولكن الأهم منها هو المجابهة الفكرية، والتي تتركز على نزع الشرعية الدينية من الإرهابيين، وإثبات أنهم حفنة من العصابات وقطاع الطرق، وليسوا إسلاميين أو حتى خوارج أساؤوا فهم النص وتأويله.
"