يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

أوزبكستان والتطرف.. الأزهر درعٌ والتصوف دواءٌ

الثلاثاء 15/يناير/2019 - 12:08 م
الأزهر الشريف
الأزهر الشريف
محمد عبدالغفار
طباعة

ساهم انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991 في ظهور مجموعة من الجمهوريات، نشأت تحت مظلته ومن ضمنها جمهوريات آسيا الوسطى، التي يعرفها الجغرافيون بالبلاد التي تحدها سيبيريا وبحر قزوين ومنغوليا شمالًا، وغربًا البحر الأسود وروسيا السلافية، وشرقًا الصين، وإيران وأفغانستان والتبت جنوبًا، وكان استقلال تلك الجمهوريات بمثابة الحدث الاستثنائي في القرن الماضي . 


أوزبكستان والتطرف..

كما عملت روسيا، فيما بعد، على إعادة هيمنتها على تلك الجمهوريات، وذلك في عدة صور، إما كمبادرات للحفاظ على الأمن القومي الروسي، أو اتفاقيات للتعاون الاقتصادي، وسعت روسيا من خلال ذلك إلى إعادة ملء الفراغ الناجم عن التغييرات السياسية التي شهدتها المنطقة بنفسها، بدلًا من أن تتدخل دول أخرى قد تكون منافسة لها لملء هذا الفراغ، ومن ضمن هذه الجمهوريات جمهورية أوزبكستان.([1]) ،


وسعت العديد من الدول إلى إقامة علاقات جيدة مع الدول الجديدة، بسبب ما تمتلكه من موارد طبيعية، ففي حالة أوزبكستان، فإنها تتمتع بثروات كبيرة من الذهب والفضة اليورانيوم والنحاس، بالإضافة إلى النفظ والفحم والغاز الطبيعي، حيث تعد سادس دول العالم إنتاجًا للذهب، ورابع دولة على مستوى العالم في احتياطات الفضة الخام.([2])، على الرغم من جميع التقلبات السياسية والاقتصادية التي شهدتها، والتي كان من الممكن أن تؤثر على الطبيعة الدينية للشعب هناك، خصوصًا مع إمكانية وجود تأثير ديني وفكري خارجي من قبل بعض الدول، إلا أنها استطاعت تحقيق تقدم كبير على مستوى الحريات الدينية، واستطاعت الحفاظ على الفكر الديني الوسطي الصحيح المنتشر هناك، ويظهر ذلك في قيام الولايات المتحدة الأمريكية بإخراج أوزبكستان من قائمة الدول المثيرة للقلق CPC.

للمزيد: طاجيكستان.. «النهضة» يمد أذرعه الداعشية لاستهداف اقتصاد البلاد


أوزبكستان والتطرف..

وتعمل الدولة الأوزبكية على الحفاظ على التنوع الديني بها عن طريق عدة جهات رسمية منوط بها القيام بهذا الدور، مثل لجنة الشؤون الدينية بمجلس الوزراء، وإصدار قانون لمكافحة التطرف؛ لمنع تسلل المتطرفين إلى داخل البلاد، وتنظيم مؤتمرات دينية لنشر الأفكار الدينية الصحيحة، ففي أوزبكستان يعيش أكثر من 130 قومية، بالإضافة إلى 16 طائفة دينية.


وهناك عدة أسباب أخرى للحفاظ على التنوع الديني، ولعل أبرزها:

أولا- الأزهر.. حصن الوسطية

بهدف الحفاظ على وسطية الإسلام بين الشعب الأوزبكي، لعب الأزهر الشريف دورًا مهمًا في دعم المؤسسات الدينية هناك؛ بالإضافة إلى عدم منح الفرصة للقوى المتطرفة بالانتشار وملء الفراغ الموجود بين الشباب، كما يحدث في العديد من الدول.


وكانت زيارة شيخ الأزهر أحمد الطيب في أكتوبر من عام 2018 دليلًا على ذلك، حيث جاءت بناءً على دعوة من «شوكت ميرزيوييف»، رئيس أوزبكستان، وأعلن خلالها «الطيب» عن زيادة عدد المنح المخصصة للطلاب بأوزبكستان للدراسة بالأزهر من 10 إلى 20 منحة سنويًّا، وتدريب الأئمة الأوزبكيين على آليات وطرق التصدي للأفكار المتطرفة، وتقديم منح لدراسة اللغة العربية بمركز الشيخ زايد لتعليم اللغة العربية، كما أبرم الأزهر اتفاقًا مع أكاديمية أوزبكستان الإسلامية، وذلك لإرسال ثلاثة من أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر كل عام، لتدريس الشريعة واللغة العربية للطلاب بالأكاديمية، وذلك بعد أن استحدثت إدارتها قسمًا جديدًا يسمى «كرسي الأزهر» ، مما يشكل وعيًا جديدًا لدى الطالب الأوزبكي بالدين وفهمًا عميقًا للاختلاف، وهذا ما يشكل حائط صد للتفكير المتطرف ودافعًا لقيم السماحة التي يؤكدها الأزهر الشريف.


أوزبكستان والتطرف..

ثانيًا. المراكز والأكاديميات العلمية.. منارة لتعليم الإسلام الصحيح

مركز الإمام البخاري الدولي للأبحاث العلمية بسمرقند:

أصدر رئيس جمهورية أوزبكستان، قرار إنشاء المركز في نوفمبر من عام 2017، لينشط في مجالين مهمين، أولهما مجال البحوث العلمية، والثاني مجال التنمية المهنية التعليمية للأئمة والخطباء في جمهورية أوزبكستان.


ويهتم المركز في مجاله الأول بإجراء الدراسات العلمية حول المعنى والتفسير الحقيقي والفعلي للأحاديث النبوية، وهناك قسم تحليل وتحقيق المصادر، الذي يعمل على دراسة المخطوطات القديمة الموجودة في أوزبكستان، بهدف استخراج المعلومات منها، والتعرف بوضوح على ما وصل إليه المسلمون الأوائل في الفلك والطب والرياضيات.


ويهتم المركز في ثاني مجالاته بتدريب الأئمة والخطباء، بهدف إكسابهم التعاليم الصحيحة للدين الإسلامي، وآليات التعامل مع المواطنين، وذلك من خلال أنشطة تدريبية على أساس علمي ومنهجي، ويتم ذلك من خلال دورة تستمر لمدة شهرين متتاليين، وبكل دورة 70 إمامًا.

·     

أوزبكستان والتطرف..
  مركز الإمام الترمذي الدولي العلمي للأبحاث:

جاء المركز كمبادرة للرئيس الأوزبكي، وتم إنشاؤه في مدينة سوخانداريا، بهدف إظهار وإعادة طرح تعاليم الإمام الترمذي بصورة واضحة، من خلال إعادة دراسة المخطوطات الخاصة به، لذا عمل المركز من خلال هيئات مختصة على جمع تلك المخطوطات الموجودة بأوزبكستان وغيرها من الدول، بهدف الحفاظ عليها ودراستها، إلى جانب دراسة مفاهيم القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريقة، ويتشابه هذا المركز مع مركز الإمام البخاري في الأهداف، مما يؤكد أن إنشاء تلك المراكز يعد توجهًا عامًا لدى السلطات الأوزبكية.


ثالثا. التصوف هواء يتنفسه شعب أوزبكستان 

تعد دولة أوزبكستان من الدول صوفية الهوى، لذلك تكثر بها أضرحة كبار أئمة وعلماء الأمة، ويعتنق الشعب الأوزبكي الفكر الصوفي منذ القدم، لعدة أسباب من ضمنها وجود عدد كبير من شيوخ الصوفية بها، ولعل أبرز الأضرحة الصوفية بها «مزارات السبعة الكبار»، وهى أضرحة سبعة من كبار علماء المسلمين، والذين تتواجد روابط روحية بينهم، وتقع تلك المزارات في بخارى، وما زال الشعب الأوزبكي يبجل ويحترم تلك المزارات بسبب ما قيل حول أصحابها من أحداث، بعضها حقيقي والآخر أسطوري.


ومن هذه الأضرحة هى، ضريح الشيخ عبدالخالق الغجدواني، وهو من تلاميد يوسف الهمداني، ورافقه في أسفاره إلى بغداد وغيرها من المدن، وله عدة مؤلفات مثل الرسالة والطريق، وهناك ضريح الحاج محمد عارف الريوكري، وهو خليفة الغجدواني، وعاش حياته في زهد بالغ، ومزار الحاج محمود الأنجير فنجوى، وهو من أتباع الريوكري، وكان يتبع الطريقة النقشبندية، وكان يعمل في النجارة، واتبعه الكثير من الأفراد، ومن ضمنه على الراميتاني، الذي بنى له أتباعه مزارًا في خوارزم، وكذلك هناك مزار الحاج محمد بابا السماسي، ومزار سيد أمير كلال، ومزار بهاء الدين محمد النقشبندي ، وغيرها.


أوزبكستان والتطرف..

رابعًا: محاولة للاستفادة من التاريخ الديني القديم

تمتلك أوزبكستان ثروة هائلة من المخطوطات، ويبلغ عددها أكثر من 3 آلاف مخطوطة في مختلف المجالات، وكلها مخطوطات ثمينة في العلوم الدينية المختلفة كالحديث والفقه، بالإضافة إلى مخطوطات أخرى في الطب والفلك وغيرها.


لذا اتجهت الحكومة الأوزبكية إلى إنشاء مركز الحضارة الإسلامية في طشقند، تحت شعار «التعليم ضد الجهل»، ويشمل المركز صندوقًا للمخطوطات، يتم تجميع كل المخطوطات القديمة بأوزبكستان فيه، بالإضافة إلى الكتب المطبوعة بالحجر، وآثار المدارس العلمية القديمة بالدولة، وكذلك البحوث العلمية في المجال الديني وإعادة نشرها في طبعات حديثة داخليًّا وعالميًّا، بهدف نشر مضمونها بين المهتمين بتلك المجالات العلمية.

للمزيد: «طاجيكستان».. المسمار الأخير في نعش «طالبان»


وعلى ما سبق تتضح فعالية الوصفة الأوزبكية على الجانب الديني، حيث استطاعت، بصورة كبيرة، تحصين الشباب في أوزبكستان من التطرف، وإجهاض مساعي قوى التطرف من التأثير على الأحداث الداخلية، حتى وإن حاولت، ويرجع ذلك إلى أن المواطنين استطاعوا أن يكتسبوا مناعة من تلك الأفكار، سواء على الجانب التاريخي من خلال التصوف، أو في الحاضر من خلال المراكز التي تدشنها الحكومة.



[1] - يزن عوض، علاقة روسيا الإتحادية بجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية "كازاخستان، أوزبكستان، تركماتستان، طاجكستان، قرغيزستان"، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة مؤتة، 2011.

[2] - حنان أبو سكين، بين الصراع والتعاون: التنافس الدولي في آسيا الوسطى، متاح عبر https://bit.ly/2JidDJr.

"