رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

ترسيخ العنف في فكر الجماعة.. تاريخ «الإخوان» من التنظيم الخاص إلى اللجان النوعية

الجمعة 11/يناير/2019 - 07:41 م
المرجع
حامد المسلمي*
طباعة

مقدمة

عرفت جماعة «الإخوان» الإرهابية العنف منذ نشأتها عام 1928م، ولم يرتبط هذا العنف بظروفٍ خاصة مرَّ بها التنظيم بقدر ارتباطه بالفكرة المتجذرة في كتابات مؤسسها الأول حسن البنا، مرورًا بمُنَظِّر الإخوان الأول سيد قطب، صاحب الكتابات التي بنت عليها التنظيمات الجهادية منهجها في العالم، خاصةً كتابه «معالم في الطريق»، انتهاءً بممارسات التنظيم العنيفة تاريخيًّا وحاليًّا.


وسيحاول المرجع من خلال هذه الورقة استعراض منابع العنف لدى «الإخوان» من خلال أدبياتهم المنشورة، وشهادات بعض أعضاء الجماعة، مع الاستشهاد بالكتابات النقدية المعاصرة للإخوان، واكتشاف التنظيم الخاص وأهم جرائمه، وأخيرًا كشف اللجان النوعية الإخوانية الحديثة التي تأسست بعد ثورة 30 يونيو 2013م، ولا تزال تمارس العنف.

ترسيخ العنف في فكر

أولًا- العنف في أدبيات الإخوان

إن دعوة «حسن البنا» في طبيعتها لم تخل من العنصرية والنرجسية، بل إنه على هذا الأساس أسس أنشأ تنظيمًا قائما بالعنف ذلك ما مهد السبيل أمام العالم لاحتقارهم وتبرير العنف ضدهم.


قد قسم حسن البنا أعضاء تنظيمه إلى قسمين، الأول يؤمن بأفكار وعقيدة «الإخوان» وهم على الصواب المطلق، والثاني لا يسلم من النقص، حيث يقول: «إن دعوتكم هذه أسمى دعوة عرفتها الإنسانية... وإذ كنتم كذلك فدعوتكم أحق أن يأتيها الناس ولا تأتي هي أحدًا وتستغني عن غيرها إذ هي جماع كل خير وما عداها لا يسلم من النقص»[1]، وبهذا الادعاء يحاول احتكار الحق المطلق، ويصير وصيًّا على الدين ومن هذه الوصاية ينطلق إلى الوصاية على البشرية مستدلًا أن الله جعل الوصاية للمسلمين على البشر ومن رسائله في ذلك: معنى هذا أن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة، ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة وإذا فذلك من شأننا لا من شأن الغرب ولمدنية الإسلام لا لمدنية المادة»[2] .


كما دعا «البنا» إلى محاربة من لا يقبل دعوته ولا يتبع منهجه؛ حيث ذكر في مذكراته قائلًا: «وسنتوجه بدعوتنا إلى المسؤولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه وندعوهم إلى منهجنا، وبين أيديهم مضع برنامجنا ونطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم، بل زعيم الأقطار الإسلامية طريق الإسلام في جرأة لا تردد معها وفي وضوح لا لبس فيه ومن غير مواربة، فإن الوقت لا يتسع للمواربات، فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم وإن لجأوا إلى المواربة والروغان وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام، سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين»[3].


أما  «سيد قطب» المرشد الروحي للجماعات الإرهابية في العالم، ومنظر الإخوان الأول، ذكر في كتابه الموسوم «معالم في الطريق»، ما يؤصل للعنف، ويحض عليه، وفيما يلي سوف نستعرض بعض أفكاره في إطار ما ذكره البنا حول (ادعاء الحق المطلق والفهم الحصري للإسلام، والوصاية على البشرية، وأنهم في حرب وخصومة لمن لا يقبل دعوتهم أو يتبع منهجهم).


في كتابه معالم في الطريق يصف سيد قطب المجتمع بالجاهلية: «ونحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام، أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية"، ويقول أيضًا: «إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع..مهمتنا هي تغيير هذا الوضع الجاهلي من أساسه[4] وينطلق من هذا ليؤكد ما ذكره البنا، حول ادعاء الحق المطلق للجماعة، وأن المسلمين لا يكفيهم الإسلام، ما لهم يقبلوا دعوة الجماعة فيقول: «إن دعاة الإسلام حين يدعون الناس لإنشاء هذا الدين! لذا يجب أولًا أن يدعوهم إلى اعتناق العقيدة حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون ويعلمهم أن كلمة لا إله إلا الله، مدلولها الحقيقي هو رد الحاكمية لله، وطرد المعتدين على سلطان الله»[5]، كما يُشير إلى الجهاد بقوله: "إن الجهاد ضرورة للدعوة إذا كانت أهدافها هي إعلان تحرير الإنسان، إعلانًا جادًا، يواجه الواقع الفعلي، سواء كان الوطن الإسلامي آمنًا أم مهددًا من جيرانه، فالإسلام حين يسعى إلى السلم لا يقصد تلك السلم الرخيصة وهي مجرد أن يؤمن الرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية»[6]، هو بمفهومه عن الجهاد لا يقوم فقط على من يعتدي عليهم، وإنما مفهوم الجهاد لديه مفهوم ثوري تدميري يسعى إلى تدمير أي سلطة أو مجتمع أو وضع يخالف تصوراته عن الحياة، فيذكر «أن الانطلاق بالمنهج الإلهي تقوم في وجهه عقبات مادية من سلطة الدولة، ونظام المجتمع، وأوضاع البيئة .. وهذه كلها هي التي ينطلق الإسلام ليحطمها بالقوة»[7].


ويوضح قطب نظرته عن المجتمع (غير الإخواني) بشكل أكثر صراحة قائلًا: «لن نتدسس إليهم بالإسلام، سنكون صرحاء معهم غاية الصراحة: هذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم، هذه الأوضاع التي أنتم فيها خبث، الله يريد أن يطيبكم، هذه الحياة التي تحيونها دون والله يريد أن يرفعكم، هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم، الإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها ... إلخ»[8].، وفي هذا السياق يقول أيمن الظواهري (زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي) في كتابه «فرسان تحت راية النبي»: «إن سيد قطب وراء تشكيل نواة «الحركة الجهادية» في مصر، واعتبر الظواهري أن قطب هو الذي وضع دسـتورهم في كتابه «معالم في الطريق»، وأن هذا الكتاب مصدر الإحياء الأصولي (الإرهابي)، وأصبحت كلمات هذا الكتاب «نموذجًا للصدق في القول وقدوة للثبات على الحق». كما يؤكد الظواهري أن كتاب سيد قطب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» يعتبر أهم إنتاج عقلي وفكري لجماعات الإسلامي السياسي (الإرهابية). ويقرر الظواهري أن الأفكار القطبية تركت آثارها على الجماعات الراديكالية، التي قررت في ما بعد أن توجه ضربتها للنظام الحاكم في مصر على أساس أن هذا النظام خارج عن منهج الله، كما يؤكد نبيل نعيم (القيادي السابق في تنظيم الجهاد المصري): أن من بني تنظيم القاعدة مصريون، وأن أيديولوجية هذا التنظيم تستمد من الفكر القطبي ومؤلفات سيد قطب هي التي وراء المنهج التكفيري الذي يسير عليه تنظيم داعش[9].

ترسيخ العنف في فكر

ثانيًا- التنظيم الخاص (الجهاز السري)

1- تأسيس التنظيم الخاص        

إن النظام الخاص لجماعة الإخوان مؤسسة عسكرية، ميليشيا تمارس عنفًا يشمل التهديد والتفجير والقتل، ويتخذ هذا العنف والإرهاب غطاءً دينيًّا أخلاقيًّا، ومنح منفذيه المشروعية، بل «الشرعية» لتبريره[10].


لقد سعى البنا منذ السنوات الأولى لتأسيس الجماعة على تأسيس كتائب وتشكيلات عسكرية، واعتمدت شعار «أمر وطاعة»، تمهيدًا لمراحل أخرى تقرب الجماعة من هدفها نحو السلطة، وفي هذا الصدد يقول الدكتور رفعت السعيد*: «أمّا العلامة المميزة الثانية، فهي الجهاز السري الذي مارس عمليات إرهاب وقتل، فكانت البداية والنموذج والقدوة للإرهاب المتأسلم، وقد تدرج الفكر التنظيمي لحسن البنا في سلاسة ويسر ليصل إلى هذا الهدف غير المعلن، فبدأ بـ«الجوالة»؛ بهدف تعويد الإخوان النظام شبه العسكري، وتدريبهم على الطاعة التامة والتفاني المطلق، ثم كانت «كتائب أنصار الله»، وهي مجموعات يضم كل منها أربعين عضوًا من الأعضاء النشطين في الجماعة معًا يلتقون ليلة من كل أسبوع؛ حيث يقضون الليل في العبادة والتلاوة، والعيون اليقظة تتابع ذلك كله لتفرز منهم من يصلحون للجهاز الخاص»، حيث دعا البنا أعضاء جماعة الإخوان المسلمون إلى تشكيل كتائب إسلامية من أجل تحقيق هدف الإخوان، ويقول: «وفي الوقت الذي يكون فيه منكم– معشر الإخوان المسلمين– ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسيًّا وروحيًّا بالإيمان والعقيدة، وفكريًّا بالعلم والثقافة، وجسميًّا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت، طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار، واقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله»[11].


لقد أسس البنا «النظام الخاص» عام 1940، وفي فترة لاحقة سيطلق عليه «الجهاز السري». وتتضمن لائحة التنظيم إعدام من يتهم بالخيانة أو إفشاء أسرار ولو بحسن نية، وفي التنظيمات السرية المسلحة لا تتاح للمتهم فرصة النقض، ويسجل علي عشماوي «آخر قادة التنظيم الخاص» أن بدء مفاتحته بأمر النظام تزامن مع تغير أحاديث قادة الإخوان عن رجال ثورة يوليو 1952، «وكيف أنهم - أي رجال الثورة- بدأوا يخرجون على السمع والطاعة، وأنهم حنثوا بوعدهم وخانوا بيعتهم»، ويقول إن الهيئة التأسيسية للنظام الخاص كانت تضم 11 فردًا، ومن أفراد المجلس الأعلى للنظام؛ عبد الرحمن السندي، أحمد زكي، أحمد حسنين، أحمد عادل كمال، محمود الصباغ، أحمد الملط، مصطفى مشهور*، أما البيعة فتتم في منزل معين، خلف ستار، في جو مظلم أو معتم، وتبدأ طقوسها باستعراض تاريخ الجماعة وأهدافها، ثم «إحضار مسدس ومصحف، وتتلاقى الأيدي على المسدس والمصحف ويتم القسم، وهي بيعة لله على السمع والطاعة للجماعة وقادتها»، ثم يبدأ التدريب على استعمال المسدس وفك أجزائه وتركيبه، ويلي ذلك التدريب على أنواع أخرى من المسدسات والقنابل، ودراسة كتب عسكرية، أحدها عن أعمال المراقبة والتعقب، «وكلها كانت تدرس لأعضاء مخابرات الإخوان» الذين يعدون تقارير عن «حركة الجيش وتحركات السفارتين البريطانية والأميركية»، وكان حسن البنا يعتبر أفراد النظام الخاص هم التعداد الحقيقي للإخوان[12]، ويتشكل النظام السرى على شكل عنقودي، على أساس الخلايا والمجموعات، حيث تتكون كل خلية من خمسة أشخاص، ويرأسها عضو لا يتصل إلا بهم، ولكل عشرة من رؤساء الخلايا مجموعة يرأسها عضو لا يتصل إلا بهم، وهذه المجموعة لها مسئول آخر، بمعني آن هذا النظام يتدرج هرميًا (كعنقود العنب) حتى يصل إلي الرئيس الفعلي للجهاز المجهول من خلاياه[13].


2- جرائم التنظيم السري

لقد ارتكب التنظيم السري العديد من الجرائم في حق هذا الوطن، ونفذ العديد من العمليات أبرزها؛ في 24 فبراير 1945 قامت الجماعة باغتيال أحمد ماهر باشا رئيس الوزراء في قاعة البرلمان، وكان القاتل محمود العيسوي، ونسبت العملية إلى «الحزب الوطني»، وظل الاعتقاد سائدًا أن اغتيال أحمد ماهر بعيد تمامًا عن «جماعة الإخوان المسلمين»، وبعد مرور أكثر من أربعين سنة على اغتيال ماهر، اعترف الشيخ سيد سابق في جريدة «المسلمون» بأن اغتيال ماهر نفذه التنظيم الخاص للجماعة، وأن العيسوي كان منخرطًا في التنظيم الخاص للجماعة، وبشكل سري، حتى وإن تصور الجميع أنه على علاقة بـ«الحزب الوطني»، وتعد أهمية شهادة الشيخ سيد سابق من أنه كان عضوًا فاعلًا في التنظيم الخاص، كما يؤكد الشيخ أحمد حسن الباقوري، الذي كتب ذكرياته في جريدة «المسلمون» ثم صدرت في كتاب عن مركز الأهرام للترجمة والنشر، بأن جريمة اغتيال ماهر كانت من تخطيط وتنفيذ التنظيم الخاص للجماعة، كما قال عن التنظيم الخاص «أما النظام الخاص فلم يكن المنتسبون إليه معروفين إلا في دائرة ضيقة ولآحاد معروفين‏،‏ وقد كان لهؤلاء اجتماعاتهم الخاصة بهم‏، وربما كانوا يعملون في جهات مختلفة يجهل بعضها بعضًا جهلًا شديدًا‏»، وأهمية شهادة الباقوري تنبع من كونه عضوًا بمكتب الإرشاد، وكان من القياديين البارزين من المرشحين لخلافة حسن البنا بعد اغتياله[14].


كما نفذت الجماعة تفجيرات في حارة اليهود (20 يونيو، و22 سبتمبر 1948)، وتفجيرات في المحال التجارية لليهود (يوليو وأغسطس ونوفمبر 1948)، اغتيال المستشار أحمد الخازندار (22 مارس 1948)، أمام بيته في القاهرة، وكان القاضي يحمل ملف قضية «تفجيرات سينما مترو» يوم 6 مايو 1947 المتهم فيها أعضاء التنظيم، وسبق أن قضى الرجل بالسجن على أعضاء في التنظيم اعتدوا على جنود بريطانيين في الإسكندرية (22 نوفمبر 1947)، فحزن البنا وقال في اجتماع: «ربنا يريحنا من الخازندار وأمثاله»، ورأى السندي هذا الكلام ضوءًا أخضر وتصريحًا بالقتل[15]، فيما يستند الكاتب «عبد الرحيم علي» في سرده لقضية اغتيال القاضي «الخازندار» إلى شهادة «عبد العزيز كامل»، الذي حضر محاكمة عبد الرحمن السندي أمام حسن البنا في جلسة خاصة للجماعة عقب مقتل الخازندار، باعتباره المسؤول عن مقتله، ومن أعطى أوامر الاغتيال لكل من «محمد زينهم، وحسن عبد الحافظ»؛ حيث تبرأ كل من البنا والسندي من مسؤوليتهم عن الحادث، وقال البنا: إن الأمر لم يتعدَّ أمنية خاصة لدية للتخلص من الخازندر فاعتبر «السندي» أن أمنيات المرشد «البنا» أوامر واجبة التنفيذ[16].


وأيضًا اغتيال حكمدار القاهرة سليم زكي (أكتوبر 1948)، واغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي (28 ديسمبر 1948)، بعد 20 يومًا من قراره إغلاق المقر العام للجماعة في الحلمية (8 ديسمبر 1948)، ردًّا على تورط الجماعة في أعمال إرهابية[17].


كما حاولت الجماعة اغتيال الرئيس المصري جمال عبدالناصر في أكتوبر 1954، بإطلاق النيران عليه، ليصدر قرار بإعدام عبدالقادر عودة وآخرين، ولم تمر سنوات قليلة حتى حاول سيد قطب الانقلاب على جمال عبدالناصر من خلال تنظيم عسكري أُنشئ لهذا السبب، غير أن أجهزة الأمن اكتشفت ذلك، وذهب ضحية هذه المحاولة التي تمت عام 1964 ستة من قادة الجماعة، على رأسهم سيد قطب الذي نفذ فيه حكم الإعدام عام 1966، والعجيب أن الجماعة لم تتبرأ مما فعله قطب ولكنها أخفته [18].


وإذا ما أخذ في الاعتبار شهادات أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي، وكلام نبيل نعيم القيادي السابق بالجماعات الجهادية، فإن تاريخ العنف عند الإخوان ممتد، سواء بأيديهم أو عبر أدبياتهم وكتاباتهم التي أصلت للعنف وبررت لهم، ووضعت له إطارًا شرعيًّا، فيمكن اعتبار جماعة الإخوان المسلمين بمثابة (الأب الشرعي) لكل التنظيمات الإرهابية الإسلامية في العالم.

ترسيخ العنف في فكر

ثالثًا- اللجان النوعية الجديدة واستمرار العنف عند الإخوان

وعقب الثورة الشعبية المصرية في 30 يونيو 2013، وإزاحة النظام الإخواني عن حكم مصر، تبنى التنظيم العنف الممنهج ضد الشعب والشرطة والجيش المصري، كما أنشئت العديد من اللجان النوعية التي تبنت العنف، والتي تعود تنظيميًّا إلى الإخوان المسلمين، من بينها.


1- حركة سواعد مصر (حسم) الإرهابية

هي حركة إرهابية تأسست في يناير 2014، تحت شعار " كلاشنيكوف" متبوعًا بعبارة "بسواعدنا نحمي ثورتنا"، في إشارة إلى ثورة يناير، ورغم أن الحركة أعلنت أنها حركة سياسية وتهدف إلى تحقيق أهداف ثورة يناير، إلا أنها مارست الإرهاب، وقد أعلنت الحركة مسؤوليتها عن تنفيذ عمليات إرهابية وهجمات على كمائن، فتسببت حتى نهاية العام الماضي في مقتل 9 شرطيين وإصابة مثلهم، بينما فشلت في اغتيال مسؤولين قضائيين، هما النائب العام المساعد زكريا عبد العزيز، ورئيس محكمة جنايات القاهرة أحمد أبو الفتوح، كما صرحت أنها وراء محاولة اغتيال الدكتور علي جمعة، وتضم الحركة خلايا عنقودية ترتبط ببعضها البعض تنظيميًا، وقد تم القبض على المئات من أعضائها وأحيل 304 متهمين من عناصرها إلى النيابة العسكرية لاتهامهم بارتكاب 14 جريمة  إرهابية وعمليات اغتيال[19].


2- حركة لواء الثورة الإرهابية

حركة خرجت من رحم "حسم"، بهدف تشتيت أجهزة الأمن وتنفيذ عمليات إرهابية وتفجيرات واغتيالات، وأعلنت الحركة تبنيها لأول عملياتها بالهجوم على كمين "العجيزي" في مدينة السادات بالمنوفية، في أغسطس 2016، كما تبنت اغتيال العقيد عادل رجائي، قائد الفرقة التاسعة مدرعة أمام منزله، وفي مارس 2016 صدر بيان عن وزارة الداخلية المصرية أعلنت فيه مقتل أحد عناصر حركة «لواء الثورة» التابعة لـ«الإخوان» في الإسماعيلية عقب تبادل لإطلاق النيران معه، كما أعلن المتحدث باسم «لواء الثورة»، ويدعى صلاح الدين يوسف، انتساب الحركة لجماعة «الإخوان»، وأنهم يستقون فكرهم من سيد قطب (الأب الروحي لـ«الإخوان»)، وحسن البنا (مؤسس الجماعة)، وأبو مصعب السوري (أحد القادة المحسوبين على تنظيم القاعدة)، كما أشارت «لواء الثورة» في بيان آخر إلى ارتباطها بحركة حسم الإرهابية[20]، وأعلنت في بيان آخر عن عزمها عن تنفيذ عمليات عنف ضد الدولة المصرية وذلك للثأر إثر مقتل القيادي الإخواني محمد كمال، الذي لقى حتفه في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة المصرية[21].


3- العلاقة بين الحركة والإخوان

وتعمل الحركتان على استهداف رجال الشرطة والجيش والقضاء، فيما تنفي جماعة الإخوان المسلمين علاقة الحركتين بها، إلا أن هناك العديد من الأدلة والشواهد على ارتباط الحركتين تنظيميًا وإداريًا بالإخوان المسلمين منها[22]؛

أ‌- تصريح رضا فهمي (القيادي الإخواني وعضو مجلس الشورى المنحل والهارب إلى تركيا خلال حوار تلفزيوني هناك، دافع فيها عن عمليات عملياتهم ضد الجيش والشرطة، وأشاد بتطور عمليات حسم من العشوائية إلى النضج.


ب‌-وصف قناة وطن التي تبث من تركيا والمملوكة للإخوان للعمليات الإرهابية ضد الجيش والشرطة المصرية التي تقوم بها حركات حسم واللواء الثورة بأنها (أعمال ثورية).


ت‌-كشفت تحقيقات نيابة امن الدولة العليا مع عناصر إرهابية من حركتي لواء الثورة وحسم عن تبعيتهما لجماعة الإخوان المسلمين.


ث‌-بعد وفاة مرشد الإخوان السابق محمد مهدي عاكف، أصدرت حسم بيان نعي، وصفته (بالبطل المجاهد أيقونة المقاومة ورمز الصمود).


وفي 22 ديسمبر 2017 أعلنت الخارجية البريطانية عن إدراج حركتي "حسم" و"لواء الثورة" على قوائم الحركات الإرهابية بعد تورطهما في أعمال إرهابية ضد رجال الجيش والشرطة والقضاء المصري، وفي 31 يناير 2018 أعلنت الخارجية الأمريكية إدراج الحركتين على قوائم الحركات الإرهابية أيضًا[23]، فيما لم يُشير أي من الدولتين لعلاقة هذه الحركات بالإخوان المسلمين، في تجاهل تام لتصريح محمد البلتاجي (القيادي الإخواني) عقب الثورة المصرية في 30 يونيو 2013، بأن "ما يحدث في سيناء من عمليات إرهابية سيتوقف عقب عودة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي عضو جماعة الإخوان المسلمون الإرهابية.


خاتمة

خلاصة ما سبق أن العنف سمة متجذرة منهجيًا وأيديولوجيًا عند الإخوان المسلمون في أدبياتهم، وقد دلت الممارسات التاريخية لهم– كما استعرضنا بعض النماذج- على انتهاج العنف لإسقاط الدولة المصرية والسيطرة على السلطة، كما لا يمكن إنكار شهادات قادة تنظيم القاعدة الإرهابي (مثل أيمن الظواهري) أو تنظيم الجهاد المصري (نبيل نعيم) بأن كتابات سيد قطب (منظر الإخوان الأول) هي الأساس الفكري للتنظيمات الجهادية، وكذلك لا يمكن استبعاد التسجيل التلفزيوني للقيادي الإخواني محمد البلتاجي حول العنف والإرهاب في سيناء، وربطه برجوع محمد مرسي إلى السلطة مرة آخري، متجاهلين خروج الملايين من المصريين ثائرين على حكم الإخوان في 30 يونيو 2013[24].


كما تُشير العديد من الأدلة والبراهين والشواهد على علاقة حركات حسم ولواء الثورة بالإخوان المسلمين كما بينا، وكما يشهد تاريخ الإخوان الدموي.


ويرى الباحث أن عنف الإخوان المسلمين والحركات التابعة لهم لن يتوقف، طالما تجد هذه الحركات الدعم المالي والسياسي من بعض الدول التي تعادي النظام المصري، والتي ترتبط النظم الحاكمة فيها أيديولوجيًّا بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، مثل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أو النظام الحاكم في قطر، ويمكن مع توقف الدعم، والضربات الأمنية المركزة، مع استمرار الدولة المصرية في خطط التنمية والتحديث، وتصدير خطاب إسلامي متجدد يواجه الجماعات التكفيرية، يمكن للدولة أن تجفف المنابع لبعض المنتمين لهذه الجماعات.


للمزيد: «جيتو الإخوان».. دراسة في أركانه ونتائجه



*  باحث في الشئون السياسية، والحركات الإرهابية.

*  حسن البنا: مؤسس جماعة الإخوان المسلمون،  ولد في محافظة البحيرة بدلتا النيل عام 1906م، ينتسب إلى أسرة ريفية متوسطة الحال، كانت تعمل بالزراعة في إحدى قرى الدلتا، درس والده العلوم الشرعية في جامع إبراهيم باشا بالإسكندرية. والتحق أثناء دراسته بمحلٍ لإصلاح الساعات، وأصبحت بعد ذلك حرفة له وتجارة، ومن هنا جاءت شهرته بالساعاتي.

[1] - حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، (القاهرة: مركز الإعلام العربي، الطبعة الثانية، 2011) ص 222.

[2] - حسن البنا، مجموعة رسائل حسن البنا، (الإسكندرية: دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع، 2006) ص 127.

[3] - حسن البنا، مذكرات الدعوة ...، م.س.ذ.، ص ١١٤.

*  سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي، ولد في 1906 في قرية موشا وهي إحدى قرى محافظة أسيوط بجنوب مصر، تلقى تعليمه الأولي بها وحفظ القرآن، ثم استكمل تعليمه بالقاهرة، وتخرج من كلية دار العلوم 1933، وعمل بوزارة المعارف بدأ حياته أديبًا وناقدًا، والتحق بحزب الوفد الليبرالي ثم تركه، وأخيرًا توجه للأدب الإسلامي والتحق بالإخوان المسلمين، وأصبح هضو في مكتب إرشاد الجماعة، ورئيس قسم نشر الدعوة بها، ورئيس تحرير جريدة الإخوان المسلمين، ويعتبر من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الحركة الإسلامية (وتعرف أفكاره بالقطبية)، وتُعتبر كتاباته بمثابة دستورًا للحركات الإرهابية الإسلاموية،  ويُعد أشهر منظري الإخوان المسلمين عبر تاريخهم.

[4] - سيد قطب، معالم في الطريق، (المنصورة: الحدود للنشر والتوزيع، 2012) ص ص 11،23.

[5] - المرجع السابق، ص 46.

[6] المرجع السابق، ص 90.

[7] المرجع السابق، ص 105.

[8] المرجع السابق، ص 206.

[9] - أ.د. فلاح عبدالله المديرس، "تاريخ الإخوان حافل بالاغتيالات السياسية، جريدة القبس الإلكتروني، (الكويت: دار القبس للصحافة والطباعة والنشر، 29 سبتمبر 2017)

https://alqabas.com/441017/

[10] سعد القرش، "الإخوان ضد الحركة الوطنية ومتحالفون مع الاستخبارات البريطانية، جريدة الاتحاد (أبو ظبي: مؤسسة أبو ظبي للإعلام، 10 نوفمبر 2013)

http://www.alittihad.ae/details.php?id=104763&y=2013&article=full

*  رفعت السعيد، مفكر مصري ورئيس حزب التجمع سابقًا، ولد في 1932م، حصل على الدكتوراة في تاريخ الحركة الشيوعية من ألمانيا، وهو من أشهر قادة اليسار والحركة الشيوعية المصرية، ويعتبر من أشد المعارضين لجماعة الإخوان المسلمين، وله العديد من المؤلفات النقدية لحركات الإسلام السياسي أشهرها؛ "حسن البنا: متى؟...كيف؟...لماذا؟" و"ضد التأسلم".

[11] نفسه.

* مصطفي مشهور، المرشد الخامس لجماعة الإخوان المسلمين، وأحد أشهر منظريها ومفكريها، ولد في 1921م بإحدى قرى محافظة الشرقية بمصر، وتوفى 2002.

[12] - سعد القرش، م.س.ذ.

[13] http://against-terrorism.weebly.com/1575160415781606159216101605-15751604158215751589-1608-15801585157515741605-1575160415751582160815751606.html

[14] - أ.د. فلاح عبدالله المديرس، م.س.ذ.

[15] سعد القرش، م.س.ذ.

[16] - عبدالرحيم علي، الإخوان المسلمون: قراءة في الملفات السرية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003) ص ص 202-205.

[17]  - سعد القرش، م.س.ذ.

[18] - منير أديب، "العنف في فكر الإخوان المسلمين"، جريدة البوابة نيوز (الجيزة: المركز العربي للبحوث والدراسات، 28 فبراير 2016)

http://www.albawabhnews.com/1796259

[19] - أشرف عبدالحميد، "حسم ولواء الثورة على قائمة الإرهاب الأمريكية"، موقع العربية نت الإخباري ( السعودية: قناة العربية، 31 يناير 2018)

http://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/egypt/2018/01/31/-%D8%AD%D8%B3%D9%85-%D9%88-%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-.html

[20]  - وليد عبدالرحمن، "حسم ولواء الثورة أذرع الإخوان تتآكل: أمريكا تلحق ببريطانيا وتدرجهما على قوائم الإرهاب" في جريدة الشرق الأوسط (السعودية: عدد رقم 14314، 5 فبراير 2018)

https://aawsat.com/home/article/1164761/%C2%AB%D8%AD%D8%B3%D9%85%C2%BB-%D9%88%C2%AB%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9%C2%BB-%D8%A3%D8%B0%D8%B1%D8%B9-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%C2%BB-%D8%AA%D8%AA%D8%A2%D9%83%D9%84

[21] وليد عبدالرحمن، "حركة إرهابية تعترف بانتسابها للإخوان وولائها لقطب والبنا وقيادي بالقاعدة" في جريدة الشرق الأوسط (عدد رقم 14154، 29 أغسطس 2017)

https://aawsat.com/home/article/1010896/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D9%81-%D8%A8%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D9%84%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%88%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%A6%D9%87%D8%A7-%D9%84%D9%80%C2%AB%D9%82%D8%B7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%C2%BB-%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D9%80

[22] - دعاء إمام، ورحمة محمود "ازدواجية بريطانيا تدرج حسم ولواء الثورة على قوائم الإرهاب وتتجاهل الإخوان "، جريدة البوابة نيوز (الجيزة: المركز العربي للبحوث والدراسات، 23 ديسمبر 2017)

http://www.albawabhnews.com/2862965

[23]  - وليد عبدالرحمن، م.س.ذ.

[24] - تسجيل فيديو لمحمد البلتاجي (القيادي الإخواني)، قناة أون تي في.

https://www.youtube.com/watch?v=Flng2f0NdCw

"