رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad
ماهر فرغلي
ماهر فرغلي

حركة النهضة وانتهاء عصر الجماعات

الخميس 10/يناير/2019 - 12:47 م
طباعة

التحولات الفكرية والعقدية التي أصابت مجمل الإسلاميين عمومًا، عقب ما يُسمى الربيع العربي كثيرة للغاية، لكن الإخوان كأكبر هذه الجماعات أصابت منها الأغلب، من التحولات العقدية والفكرية.


حركة النهضة وانتهاء

إن الطابع الديني العقدي لجماعة الإخوان (الإرهابية) جعلها تنظر لنفسها باعتبارها جماعة المسلمين، وأنها هي الجماعة الحاملة للحق، وأنها المقصودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»، ومن ثم ضرورة تقديم الولاء والبيعة إليها، وإن لم تُصرح بذلك، وهنا ما يُوضحه سعيد حوى في كتابه «المدخل لجماعة المسلمين»، وكتابه «دروس في العمل الإسلامي»؛ حيث يتحدث عن مجموع مواصفات جماعة المسلمين، ويُحاول أن يثبت أنها موجودة في جماعة الإخوان، ويحدد 7 نقاط تتصف بها جماعة المسلمين، فيقول: الأدلة كلها تدل على أن هذه الجماعة (الإخوان) هي أقرب الجماعات على الإطلاق، لأن تكون جماعة المسلمين، والمسلمون ليس أمامهم إلا فكر الأستاذ البنا، إذا ما أرادوا الانطلاق الصحيح.


يمضي «حوى» إلى القول «هل رأى أحد في هذه الأمة رجلًا كحسن البنا؟ وهل رأى الجيل الحاضر رجلًا أصلب من حسن الهضيبي؟ وإن لخليفة الاثنين في أعناقنا لبيعة».


حركة النهضة وإخوان تونس

الأمر مختلف بالنسبة لحركة النهضة (الذراع السياسية لإخوان تونس)، كما يُعبر راشد الغنوشي في كتاب «حركة الاتجاه الإسلامي في تونس.. بحوث في معالم الحركة مع تحليل ونقد ذاتي»، بعنوان «تحليل للعناصر المكونة للظاهرة الإسلامية بتونس.. حركة الاتجاه أنصبة متفاوتة الإسلامية»، حيث قال: الحركة ثمرة تُمازج وتفاعل لعناصر ثلاثة، أثمر تفاعلها واشتراكها تكوين الظاهرة بدرجات وأنصبة متفاوتة، ولم يكن تفاعلها يسيرًا ولا تأثير كل منها مساويًا دائمًا لتأثير الآخر، بل كان مركز الثقل متنقلًا بينها من مرحلة لأخرى، وكان الصراع الظاهر أو الخفي بينها قائمًا دائمًا بوعي أو بغير وعي".


العناصر كما شرحها «الغنوشي» تُشير إلى عدة أمور، الأول: التدين التقليدي التونسي، ويشمل المذهب المالكي، والعقائد الأشعرية، والتربية الصوفية، والثاني التدين السلفي الإخواني الوارد من المشرق، والتدين العقلاني الذي اكتسحته موجة التدين السلفي الإخواني العاتية، فسار في طريقها فترة، لكن لم يلبث أن توقف متحيرًا متسائلًا باحثًا عن نفسه حتى اكتشفها على مراحل، ويتمثل في: النقد الجذري للإخوان، باعتبارهم أكبر عائق في طريق النهوض الإسلامي، واعتماد الفهم المقاصدي للإسلام، وإعادة الاعتبار للغرب والفكر اليساري، كذلك عدم اعتماد المعايير الإخوانية ذات الطابع العقدي في تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر، وإنما يكون التقسيم على أسس سياسية واجتماعية: وطني، وخائن، وثوري ورجعي، وفلاح، وإقطاعي، وإعادة الاعتبار للمدرسة الإصلاحية في تونس (مدرسة خير الدين التونسي، والطاهر الحداد)، وأخيرًا الدفاع عن المنهج الاعتزالي في التعامل مع الإسلام، وتيارات المعارضة في التاريخ الإسلامي المناوئة للسلفية والسنية.


تتشابه النهضة مع إخوان مصر، في موضوع العلنية والسرية في العمل، فلم يكن العبء الإخواني ممثلًا فقط في النصوص المؤسسة، وإنما تمثل كذلك في الحمولة التاريخية التي حملتها الجماعة منذ أسس البنا «التنظيم الخاص» عام 1940، ورسخ فيها مفهومًا خاصًّا للبيعة، وأصبحت الجماعة ذات تكوين مزدوج علني وآخر سري، وظلت هذه الازدواجية في القرار بين ما هو سري وما هو علني لدى النهضة أيضًا، ما دفع بعض كبار مؤسسيها لتعليق عضويتهم بها، كما هو الحال مع عبدالفتاح مورو الرجل الثاني في الحركة.


الاختلاف الأهم، هو أن النهضة لم تدرج في برنامجها الانتخابي قضية الشريعة الإسلامية، كما قبلت الفصل الأول من الدستور التونسي الذي تم إقراره عام 1959، والذي ينص على أن تونس دولة حرة مستقلة، لغتها العربية ودينها الإسلام.


ورأى الغنوشي أن المجتمع التونسي مجتمع على ذلك القدر من الدستور التونسي، بينما إثارة موضوع الشريعة ستؤدي إلى تقسيمه إلى معسكرين، واحد مع الشريعة، وآخر ضدها، وأنه مع تغليب الوحدة على الانقسام، كما أن الشريعة وتطبيقاتها في بعض البلدان العربية جعلها موضعًا للالتباس، فهي تستخدم ضد الحقوق والحريات، وضد المرأة، وضد الفنون، وضد غير المسلمين، كما أن قسمًا من المجتمع التونسي قد يكون متوجسًا من الشريعة، وهو ما يجعلنا لا نرغب في وضع جزء من المجتمع خارج الشريعة، أو في مواجهتها؛ لأن لديه أسئلة حولها.


ويرى الغنوشي أن مقاصد الشريعة التي تهدف إلى حرية الناس هي ما يُطالب بها حزبه، كما أنه لا يرى الشريعة عقوبات.

حركة النهضة وانتهاء

الدولة وإشكالية تطبيق الشريعة 

ذهب عبدالفتاح مورو إلى أن بناء الدولة مقدم على تطبيق الشريعة، التي لا يملك من يرفعونها تصورًا واضحًا عن كيفية تطبيقها، وانتقد رفع التيارات الإسلامية شعار الإسلام هو الحل، دون تقديم برامج تترجم هذا الشعار إلى واقع.


لا يتحدث «الغنوشي» ولا «عبد الفتاح مورو» عن دولة إسلامية، إنما يتحدثون عن دولة ديمقراطية، السلطة فيها للشعب، وهو مَنْ يختار ممثليه، ولا يُفرض عليه شىء لا يريده، كما أن الغنوشي يقدم تصورًا عن العلمانية يقبل فيه بالعلمانية الجزئية التي تجعل من الدولة جهازًا محايدًا تجاه كل مواطنيها، فهو يريد تحرير الدين من الدولة، بحيث لا تتحدث باسمه، كما أنه يرى التمييز بين ما هو ديني وما هو سياسي.


والخلاصة:

 لم يكن للحركتين دور فاعل أو مؤثر في تفجير الثورتين التونسية أو المصرية، بل شاركتا فيها بعد أن فجرها بشكل عفوي شباب البلدين، وأسست الأولى حزبًا سمَّته الحرية والعدالة، والثانية حزبًا سمَّته حزب حركة النهضة، وسعى كل من الحركتين لأن يكون له مركز الثقل في النظام السياسي، بيد أنهما افترقتا في تحقيق ذلك، ويرجع لما افترضناه من وجود طبيعة مختلفة لكل من الحركتين، فحركة الإخوان حركة ذات طبيعة عقدية دينية يسيطر على قرارها السياسي مجموعة من التنظيميين الذين ينتمون لتيار سيد قطب، صاحب الطبيعة الأيديولوجية المجاوزة  للواقع، التي تدعو لتنظيم قوي يُحقق السيطرة والتمكين بامتلاك السلطة والسيطرة على الدولة كسبيل لتحقيق الدولة الإسلامية، ثم الخلافة الإسلامية، وأستاذية العالم، بينما حركة النهضة لها جوهر سياسي، وليس عقديًّا، وتدينها تدين مربك، فهو لا يقسم الناس إلى كافر، ومؤمن، وإنما يقسمهم وفق توجهاتهم الفكرية ومذاهبهم السياسية ليبرالي / يساري / علماني / إسلامي.


إن تحولات النهضة، لا تُشير بشكل من الأشكال إلى انفصامها عن الإخوان، لكنها تُشير إلى تغيرات التيار، وفشل مشروع الإسلام السياسي، وهذه هي الجملة التي أطلقها القيادي بحركة النهضة الإخوانية بتونس، جلال الورغي، أو بتعبير نائب رئيس الحركة عبدالفتاح مورو فشل مشروع الإسلام هو الحل، وفق قوله: إن شعار «الإسلام هو الحل» شعار فارغ، درج على ألسنة الشعوب وعلى ألسنة قادة الحركات الإسلامية من دون وعي بمضامينه، ولم يُقدم لنا تفاصيل القضايا والبدائل، مشيرًا إلى أن القضية الواقعية هي ليست تقويض الأنظمة بالقوة، بل هي الحرية للمواطنين، وهو ما جعلنا نميل ميلة واحدة إلى أن اقترب أنفنا من الحائط، ولم يبقَ سوى أصابع قليلة قبل أن يتحطم وجهنا.


ومؤخرًا عقدت حركة النهضة التونسية مؤتمرها العام، على مدار ثلاثة أيام؛ حيث أعلنت فيه بكل وضوح انفصالها عن جماعة الإخوان، وتنظيمها الدولي، وتدشين حزب سياسي جديد يحمل اسم الحركة.


فرع جماعة الإخوان بالأردن، هو الوحيد الذي رحَّب بهذه الخطوة، وعلى ما اعتقد سيكون هو التالي في إعلانه عن الانفصال عن تنظيم الإخوان الدولي، وتحوله لحزب سياسي.


الإخوان في مصر لايزالون في غيِّهم، وتجاهلوا المؤتمر تمامًا، فضلًا عن أنهم لا هم ولا قواعدهم حضروه أو تحدثوا عنه.


اللافت كان حضور الرئيس التونسي القائد السبسي المؤتمر؛ حيث ألقى فيه كلمة قصيرة، قال فيها: «إنه يوجه تقديره للحركة في قرارها بالتحول إلى حزب مدني بعيدًا عن الشمولية العقائدية واحتكار النطق باسم الدين»، مطالبًا قيادات حركة النهضة، بأن يثبوا بأنهم تحولوا بالفعل إلى حزب مدني، ولاؤه لتونس وحدها، وأن الإسلام لا يتناقض مع الديمقراطية.


عرّاب التحول، ومفكّر الحركة، عبدالفتاح مورو قال: «معركتنا ضد التخلف والفرقة والإرهاب، وإثبات أننا وحدة صماء، ولن تقسمنا انتماءاتنا، ، وقررنا أن نجابه عصرنا كي نكون متجددين».


مورو أكد أن «الحركة الإسلامية في تونس اتجهت إلى الدسترة، أي عبر الاندراج ضمن الثقافة السياسية في البلاد، والتخلي عن حلم إقامة الدولة الإسلامية، لصالح العمل ضمن إطار الثقافة السياسية الحالية، أي الخاضعة لضوابط القانون».


رغم أنه لا يوجد فصل حقيقي بين الديني والسياسي في عقول الإسلاميين، وهذا الفصل، هو طريقة توظيفية إجرائية للعمل، فإن حركة النهضة ربما سبقت بقية الجماعات في إزالة عقبة تاريخية أمام الإسلاميين فى طريق الاندماج والممارسة السياسية الشفافة والمتوازنة التي تعتمد على الكفاءة والخبرات، وليس ادعاء الطهر والنقاء والورع والقدسية.


حسن البنا لم يستطع أن يحل إشكالية الفقهي والسياسي، لأنهما متعارضان عمليًّا، فحينما نقول إن عبدالله بن أبي بن سلول هو زعيم المنافقين، فإنه سياسيًّا كان من الصحابة (لئلا يقول الناس إن محمدًا يقتل أصحابه)، فضلًا عن أن الإخوان أنفسهم، غارقون في جملة من الإشكالات، وهى السري والعلني، الدولة واللادولة، وغيرها، لذا فهي مرفوضة من الجميع، لأنها حينما تتنافس سياسيًّا، فإنها في هذه الحالة تستخدم أدوات غير الموجودة مع بقية الأحزاب السياسية، وهي منطلق الدين، وتوظيفه سياسيًّا.


جماعة الإخوان، وغيرها من الجماعات، أفرزت تجربتها النهائية، إنه يتم توظيفها في مخططات دولية وإقليمية، وكان من الواجب عليها المراجعة، وحل إشكالات عملها داخل نظم مدنية حديثة، ووفق الدسترة والقانون السائد.


بلا شك فإن النهضة استوعبت تجربة ما حدث للجماعة الأم فى مصر، واضطرت للبحث عن حلول، وفي النهاية اختارت، التحول من استراتيجية الصدام الشامل مع النظام، إلى سياسة التعايش أو التكيّف الايجابي، أو ما يُمكن أن نسميه «الإصلاحية».


تجربة الحكم التي مارستها النهضة، أسهمت في خلخلة الكثير من القناعات لديها، ومنها أنها كان مقطوعة عن المجتمع، رغم فوزها؛ لذا فإنها قررت أن تكون جزءًا منه، ومن قوانينه.


بالنظر إلى الإخوان في مصر، فمصيبتهم كبيرة، وإلى الجهاديين فهي أكبر، وإلى السلفيين، فإنهم غارقون في المصائب، فهم لايزالون يتحدثون عن حكم الديمقراطية، وقضية الهوية، ومسكونين بقصة الحكام وتكفيرهم، والشريعة الإسلامية، وأمامهم سنوات طوال حتى يتحولوا اجتماعيًّا وثقافيًّا، إلى مقاصد الشريعة العامة، والبحث فى حلول لمشكلات المجتمع، والعمل داخل مشروع لخدمة شئون المواطنين، لا مشروع الهوية، وخطاب الخلافة، أو ما يطلق عليه الانتقال من الطور الاحتجاجي، إلى طور البناء والمشاركة السياسية.


لم يدرك إخوان مصر حتى هذه اللحظة ذلك، حتى اقترب أنفهم من الحائط، ولم يبقَ سوى أصابع قليلة قبل أن يتحطم وجههم بشكل كامل.

"