رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«العلمانية والحوزة».. دراسة إيرانية تعطي حق الولاية للشعب لا الفقيه

الثلاثاء 08/يناير/2019 - 07:13 م
المرجع
إسلام محمد
طباعة

أصدر المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، مؤخرًا دراسة مطولة للباحث محمد الصياد، تناول فيها نشأة ومسيرة التيارات العلمانية داخل ما يعرف بـ«الجمهورية الإسلامية» في إيران، كاشفًا العديد من الحقائق التي تبدو لأول وهلة مغايرة للصورة الذهنية النمطية عن دولة الملالي بشكل تام.


«العلمانية والحوزة»..
وتحدثت الدراسة التي نشرت تحت عنوان «العلمانية والحوزة: تحوُّلات التديُّن الإيراني.. دراسة في مقاربات التيَّارات العلمانية وتأثيرها على الدولة» عن دوائر الاشتباكات الفلسفية والفكرية التي تخوضها الرموز العلمانية، واختلاف همومها المعارفيّة عن المحيطِ العلماني العربيّ، مبينًا كيف أدى اشتباك النظام السياسيّ والنخبة الدينية الحاكمة مع الجماعة العلمانية إلى تعزيز العلمانية في الوقت ذاته، بما يتوافق ونظرية كارين أرمسترونج حول تعزيز العلمانية أحيانًا من قبل الأنظمة الدينية، والجماعات الراديكالية التي تُحارب العلمانية مظهرًا، وتستعمل أدواتها وآلياتها جوهرًا.



العمانية هي الأصل

وتقول الدراسة: إنّ العلمانية لاتزال هي الأصل في إيران الإسلاميَّة، وإنّ الثورة لم تقم لإخضاع السياسة للدين وللمذهب ولولاية الفقيه، بقدر ما كانت لها مطالب تراكمية في عهد الشاه، تلك المطالب لم تتحقق على أيدي النخبة الدينية الحاكمة التي وعدت بتحقيقها كعدالة توزيع الثروات، والحريات العامَّة، ونحو ذلك، كذلك لم تكُن الثورة ذات صبغة دينية خالصة من أول يوم، فقد شارك فيها كل فئات المجتمع الإيرانيّ، ثمّ حُرمت الفئات كافة من حقوقها بعد الثورة لصالح جناحٍ من الإسلاميين الذين قفزوا على الثورة والدولة، واحتكروا الحكم وتفرّدوا بصناعة الأُسس التي قامت عليها الدولة بصيغتها الراهنة، هذا الفريق لم يشتبك مع العلمانيين والليبراليين والشيوعيين فحسب، بل اشتبك في معارك ضدّ قطاعات من الإسلاميين أنفسهم، ممن سُمّوا باليسار الإسلامي، وكذلك مع كثير من المراجع الذين أبدوا تَحفُّظهم على الانتهاكات والخروج على مطالب الثورة، وتخوفوا من استبدال ديكتاتورٍ بآخر!




وحتى بعد تمامية تفرُّد الخمينيّ ورفاقه بحكم إيران وإمساكهم بزمام الدولة والسُّلْطة فإنّ المجتمع الإيرانيّ لا يزال علمانيًّا على الأقل في قاعدة عريضة منه، فالحوزةُ لا تزالُ انتظارية في شقّها الأكبر؛ أي تؤمن بعدم جواز إقامة الدولة قبل ظهور المهدي، ففصل الدين عن الدولة عند الشيعة هو الأصل منذ غياب الإمام المعصوم، وإنّ تسييس الدين وعقدنة السياسة دخيلٌ على هُويَّة الدولة والمذهب، والمجتمع الإيرانيّ، إبان ثورة 1979م. 

فالأصلُ عند عمومِ الشيعة  هو عدم المشاركة السياسيَّة أو تولِّي شؤون الدولة والحكم حتى ظهور الإمام المعصوم؛ لأنّ هذه الأمور الخاصَّة بالفقه السياسيّ من مهامّ الإمامِ المعصوم لا من مهامّ الناس العاديين ولا الفقهاء؛ لأنّ من شرط الحاكم عند الشيعةِ أن يكون معصومًا، عالمًا للغيب، وهذا لا يتوافر في غير الإمام الغائب.

الملالي
الملالي

العلمانية المؤمنة

 ويتحدث الباحث عن العلمانية المؤمنة وهي حركة إصلاحية، ترجع بجذورها إلى القادة الدينيين للثورة الدستورية في بداية القرن العشرين، وهي التي تطالب بتأسيس دولة مدنية، وإطلاق الحريات وتداول السلطات، ومنح الأمَّة حقّ الولاية على نفسها، كحلٍّ مؤقَّت إلى حين ظهور المعصوم، حتى لا تتعرض الأمَّة للاستبداد والمظلومية، وهذه النظرية بدأت في التبلور الحقيقي منذ الثورة الدستورية 1905م ولاتزال قويَّة حتى الآن، وهي الأكثر شعبية ورواجًا في المجتمعات الشيعية.


ويضيف أن معظم المعنيين بالشأن الإيرانيّ ينظرون إلى نظرية «ولاية الفقيه» وتأثيراتها الهائلة على وضع الحوزة والدولة، ويتغافلون تمامًا عن الوجه الآخر لإيران، ومن ثمّ لا يُمكن الانتهاء إلى مخرجات شاملة دون فحص الآخر الإيرانيّ، والآخر المعنيّ هنا هو العلمانية الإيرانية.


بعد نجاح الثورة الإسلامية في العام 1979م، بدأت السلطات الإيرانية في فرض نمطها على المجتمع، واستعملت أدوات كثيرة لقولبة المجتمع بصبغة جديدة، مثل أسلمة العلوم والمعارف كطريقٍ لأسلمة المجتمع، وكانت تلك الأسلمة مدروسة وممنهجة، اتخذت شكل مشروعات كبرى في الإعلام والإذاعة والتليفزيون، والجامعات والمناهج التعليمية، وكان المقصد من وراء هذه العمليات الممنهجة هو تخليق هوية جديدة ودائمة للمجتمع، وربطه بنظرية ولاية الفقيه المطلقة، وترسيخ أفكار ومبادئ الثورة.

العلمانية الوطنية

ويخلص الباحث في سياق المقارنة بين العلمانية في عهد حكم بهلوي وحكم الملالي، إلى أنّ العلمانية الوطنية في عهد الشاه كانت تحت رعايته، بل مشروعًا من مشروعاته الاستراتيجية، بخلاف العلمانية في عهد الخمينيّ التي هي جزء من المعارضة، والعلمانية في عهد القاجاريين التي هي أيضًا جزء من المعارضة وتزعمت الثورة الدستورية، لكن العلمانية التي رعاها الشاه هي العلمانية القوميَّة التي «صُممت لتأمين حكم النخبة»، ولم تكُن علمانية سياسية تطالب بإصلاحات دستورية؛ إذ كانت هذه الأخيرة في سدة المعارضة مع رجال الدين، وكانت متحالفة وقتئذ معهم ضدّ استبداد الشاه، حتى نشبت الثورة في العام 1979م، وشارك فيها جلّ التيَّارات العلمانية والإسلامية، ثمّ بدأ الخلاف ينشب بينها، بعد سقوط الشاه.

"