رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

من مقاومة الطبقية إلى التطرف والإرهاب.. «مالام ديكو» نموذجًا

الثلاثاء 08/يناير/2019 - 03:16 م
مالام ديكو
مالام ديكو
محمد الدابولي
طباعة

سؤال ما زال يتردد في العديد من الأوساط البحثية والفكرية: لماذا يتطرف البعض ويرتكب أعمالًا إرهابية عنيفة بحق المجتمعات الآمنة؟ تشعبت الإجابات فذهب بعضها الى العوامل السيكولوجية والنفسية كمسبب للتطرف والإرهاب، فيما أكد البعض الآخر أن ظروف القهر السياسي والإفساد في المجتمع هي العامل الرئيسي في بروز ظاهرة التطرف خلال الفترة الأخيرة، ودون هذا وذاك ذهب فريق ثالث إلى أن التعقيدات الاجتماعية التي يعيشها بعض المجتمعات الحديثة منها حالة التمايز الطبقي التي أصابتها هي السبب في ظهور التطرف والإرهاب.


توماس سانكارا
توماس سانكارا

خلال عقدي الخمسينيات والستينيات لعبت عوامل التمايز الطبقي دورًا كبيرًا في بروز ونشأة ما يعرف باسم ظاهرة «الإرهاب الأحمر» ـ وذلك حسب التوصيف الغربي والأمريكي للحركات الشيوعية ـ التي شهدتها العديد من المجتمعات خلال تلك الفترة.


واليوم أصبحت أزمة التمايز الطبقي في العديد من المجتمعات بيئة خصبة للجماعات الإسلاموية المتطرفة التي وجدت في هذه التناقضات الاجتماعية الفرصة والوسيلة لتجنيد المزيد من العناصر، فمثلًا استغلت «القاعدة» الجماعات المهمشة في شمال مالي؛ من أجل تثبيت وتغول وجودها في مناطق الساحل والصحراء، كما استغلت «بوكوحرام» الجماعات الفقيرة شمال شرق نيجيريا؛ من أجل إيجاد المزيد من العناصر المتطرفة.  

للمزيد: «شمال بوركينافاسو»...اضطرابات اجتماعية وموجات إرهابية متصاعدة


أيديولوجيا التمايز الطبقي

مثلت كتابات «كارل ماركس» و«لينين» و«ماو تسي تونغ» دورًا كبيرًا في تشكيل الإطار الفكري للحركات الشيوعية التي تم وسمها بالإرهاب الأحمر، خلال فترة ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.


لم تنجح المقولات الشيوعية المطالبة بتحقيق الصدام المجتمعي للقضاء على التمايز الطبقي في الوصول إلى مبتغاها وإلغاء الطبقية والوصول إلى حالة الشيوعية التي صاغها «كارل ماركس»؛ حيث ظلت التمايزات الطبقية كما هي حتى في المجتمعات التي شهدت فترات من تطبيق الأفكار اليسارية المطالبة بإلغاء التمايز الطبقي، مثل دولة بوركينا فاسو.


في مرحلة لاحقة نجح العديد من مفكري التيار الإسلاموي في تأطير مسألة التمايز الاجتماعي أيديولوجيًّا؛ لأجل تجنيد المزيد من العناصر المتطرفة، فمثلًا لعب تنظيم «داعش» على حالة التمايز المجتمعي التي يعيشها بعض المجتمعات المسلمة في أوروبا، خاصة في فرنسا وبلجيكا؛ من أجل ضم المزيد من العناصر المتطرفة، وتعتبر جماعة الإخوان من أبرز الجماعات الإسلاموية نجاحًا في تأطير عملية استغلال التمايز الاجتماعي، فكتابات «حسن البنا» و«سيد قطب» حثت على ضرورة استغلال التمايز الطبقي؛ من أجل تجنيد المزيد من العناصر الإسلاموية.


اغتيال حلم

تتضح ظاهرة استغلال الجماعات الإرهابية للأزمات الجتماعية والتمايز الطبقي بصورة كبيرة في المجتمعات الأفريقية، خاصة في مناطق غرب القارة، وفي تلك الدراسة يتناول «المرجع» استغلال الجماعات الإرهابية لحالة التمييز الطبقي في دولة بوركينا فاسو. 


بوركينا فاسو دولة حبيسة بارزة في منطقة الغرب الأفريقية تمثل همزة وصل بين إقليمي الساحل والصحراء وغرب أفريقيا، عانت عقودًا طويلةً من الاستعمار الفرنسي، وبعد انتهاء الحقبة الاستعمارية عانت من التمايز الطبقي والفساد وسيطرة حفنة من الرجال والشركات الأجنبية على موارد الدولة، ففي منطقة شمال بوركينا فاسو على سبيل المثال سيطر وجهاء جماعة الفولاني على الموارد الاقتصادية في إقليم السوم، كما أن الوظائف والأدوار ذات المكانة الرفيعة في المجتمع، كإمامة الناس في الصلوات كانت قاصرة على فئة مجتمعية بعينها من علية القوم، أما الفقراء وصغار الحرفيين لا يجوز لهم إمامة الناس في الصلوات، فكيف يصطف الأغنياء حول الفقراء والشحاذين أو بالأحرى العبيد؟


في تلك البيئة المضطربة اجتماعيًّا في شمال بوركينا فاسو ولد رئيس بوركينا فاسو الراحل « توماس سانكارا»، الذي خاض تجربة أفريقية حالمة نحو بناء دولة سمراء، تحقق الاكتفاء الذاتي، وترفض المعونات الاجتماعية، وتنجح في معالجة رواسبها الاجتماعية البغيضة كالتمييز الطبقي، وإهدار حقوق المرأة وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية التي أصابت مجتمعاتنا النامية.


دفعت المشكلات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية الرائد في الجيش البوركيني «توماس سانكارا» ابن مدينة «ياكو» ـ شمال بوركينا فاسو ـ والمفتين بالثورة الكوبية وزعمائها خاصة المناضل الشيوعي الأشهر «تشي جيفارا» إلى القيام بانقلاب عسكري في نوفمبر 1982 أطاح برئيس فولتا العليا الأسبق «سايا زربو ـ Saye Zerbo »  وتولية «جين بابيتستاـ  Jean-Baptiste» رئيسًا للبلاد، فيما تقلد «سانكارا» منصب رئيس الوزراء، وسرعان ما نشب الخلاف بين الرفيقين أدى إلى انقلاب آخر، في أغسطس 1983 تولى فيه «سانكارا» رئاسة البلاد.  


بمجرد توليه زمام الأمور عمل «سانكارا» على محاربة التمييز الطبقي في المناطق الشمالية، فضلًا عن تحقيق الاكتفاء الذاتي، وإطلاق برامج طموحة لمحو  الأمية، واضعًا نصب عينيه حلم تحويل بلاده إلى دولة متعلمة بلا طبقية، وقادرة على إنتاج غذائها، وأخيرًا متحررة من الهيمنة الغربية.


عاجلت المؤامرات الإقليمية والدولية حلم «سانكارا» حتى قضت عليه وعلى برنامجه في أغسطس 1987، بواسطة انقلاب دبره رفيق دربه «كومباوري»، الذي عمل بعد اغتيال «سانكارا» على محو البرنامج الإصلاحي لرفيقه، وفي عهده انتعشت من جديد التمايزات الطبقية بين طبقتي النبلاء والعبيد في مناطق شمال بوركينا فاسو.


مالام إبراهيم ديكو
مالام إبراهيم ديكو

تحولات جذرية

شهدت بداية العقد التاسع من القرن العشرين أفول نجم التيارات اليسارية الداعية لمواجهة التقسيمات الطبقية، وفي المقابل شهدت قوى الإسلام الحركي تصاعدًا كبيرًا في معظم دول العالم، مدفوعة بنجاح الثورة الإيرانية التي لعب فيها الإسلاميون دورًا بارزًا.


تغذت التيارات الإسلاموية على القضايا والأزمات الاجتماعية المتغلغلة في مجتمعاتنا، كالفقر والتهميش والتمييز الطبقي وغيرها؛ حيث شكل الفقراء والمهمشون في العديد من الدول العربية والإسلامية وقودًا حيويًّا في نشأة وتغلغل التنظيمات الإسلاموية.


فبالجمعيات الخيرية والتبرعات وأموال الزكاة نجحت التيارات الإسلاموية في تجنيد الآلاف من الأنصار والمقاتلين في المناطق الفقيرة، خاصة في شرق وغرب أفريقيا، فعلى سبيل المثال المناطق النائية في شمال نيجيريا بالقرب من بحيرة تشاد ترعرعت حركات إسلاموية متطرفة كبوكوحرام و«الحركة الإسلامية بنيجيريا» المعروفة إعلاميًّا بتنظيم حزب الله النيجيري، وفي منطقة الساحل والصحراء ترعرعت الجماعات المحسوبة على تنظيم القاعدة كتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة التوحيد والجهاد، وحركة أنصار الدين وغيرها.


إضافة إلى أموال التبرعات والجمعيات الخيرية عملت الخطابات الدينية الشعبوية لبعض الدعاة على دغدغة مشاعر الجماهير المحرومة راسمة أملًا زائفًا لهم بتحقيق حياة أفضل لهم، في حال تمكين الجماعات الإسلاموية؛ ما جعل العديد من الجماعات المهمشة والمحرومة تنضم إلى مثل تلك التنظيمات المتطرفة.


لم تكن بوركينا فاسو غائبة عن تطورات المشهد الإسلاموي في إقليمي غرب أفريقيا والساحل والصحراء، فمع نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة ظهر داعية في إقليم «السوم» ـ شمال بوركينا فاسو ـ يدعى «مالام إبراهيم ديكو».


«ديكو» وأسلمة خطاب « سانكارا»

سنوات قليلة فقط كانت كافيةً لأن يصبح «ديكو» أشهر معارض سياسي في بوركينا فاسو؛ حيث عمل على استلهام خطاب «سانكارا» المنتقد لحالة الانقسام والتمييز الطبقي في شمال البلاد.


«ديكو» كان أكثر دهاءً من «سانكارا»؛ حيث عمل على انتقاد الوضع الاجتماعي من الزاوية الدينية، وباستخدام الخطاب الديني نفسه، الذي تستخدمه طبقة النبلاء في شمال بوركينا فاسو، أي أنه نجح في انتقاد الوضع الاجتماعي، باستخدام ذات الآلية المتبعة في ترسيخ الانقسام الطبقي في شمال بوركينا فاسو، وهو ما يمثل ثورة في الخطاب الديني الدارج في بوركينا فاسو، في حين استخدم «سانكارا» الخطاب اليساري الوافد على المجتمع البوركيني، وهو الأمر الذي لم يتحمس له العوام في الأقاليم الشمالية للبلاد؛ الأمر الذي أدى لوأد تجربة «سانكارا» بعد 5 سنوات من انطلاقها.


«جماعة الإرشاد».. شرارة الانطلاق نحو التطرف

«ديكو» المعتل صحيًّا.. شق طريقه بسرعة نحو التطرف والإرهاب، ففي عام 2009 بدأ نشاطه الدعوي والفكري في مناطق السوم مُنشئًا إذاعتين لبث أفكاره وخطبه، هما إذاعتا (La Voix du Soum و La radio lutte contre la désertification (LRCD). كما أسس جماعة الإرشاد التي حظيت بموافقة حكومية عام 2012.


لم يكن «ديكو» مصلحًا اجتماعيًّا بقدر ما كان داعيًا للتطرف؛ حيث صب جام غضبه على الوضع الطبقي في شمال البلاد؛ الأمر الذي أدى إلى توتر الأجواء في إقليم السوم، وزيادة حدة الصراع الطبقي؛ الأمر الذي دفع السلطات في واغادوغو؛ للتدخل للحد من أنشطة جماعة الإرشاد الداعية للتطرف، بإيقاف تراخيص بناء المساجد التي تتبعها.  


مثلت خطوة إيقاف التراخيص الخاصة بإنشاء مساجد تابعة لجماعة الإرشاد نقطة تحول كبرى كشف استغلال «ديكو» لأزمة التمايز الطبقي شمال بوركينا فاسو؛ من أجل تحقيق أغراضه في دعم الجماعات الإرهابية، فخلال الفترة ما بين عامي 2013 و2014 استغل الاضطرابات الأمنية التي ضربت منطقة الساحل والصحراء؛ من أجل التواصل مع تنظيم القاعدة المنتشر في الصحراء الكبرى.


للمزيد: مقتل «كوفا» يثير تساؤلات حول مصير «نصرة الإسلام والمسلمين» بأفريقيا

ففي سبتمبر 2013 نجحت القوات الفرنسية ـ المشاركة في عملية السرفال التي هدفت لمحاربة تمدد الجماعات المتطرفة المحسوبة على القاعدة، ومنعها من السيطرة على العاصمة المالية بماكو ـ في القبض علي «مالام إبراهيم ديكو» في مدينة «تيساليت» شمال مالي، وبحوزته مبالغ مالية كبيرة من اليورو، وكشفت التقارير الأمنية عن تنسيقه مع زعماء الجماعات الإرهابية، خاصة زعيم جبهة تحرير ماسينا «حمدون كوفا»، إلا أنه تم إطلاق سراحه في عام 2015؛ ليعاود نشاطه من جديد عام 2015 في شمال بوركينا فاسو، وفور الإفراج عنه عام 2015 عمل على إعادة تنظيم صفوف جماعة الإرشاد تحت مسمى «أنصار الإسلام»، وتحقيق السيطرة الميدانية على إقليم السوم.


من مقاومة الطبقية

نتائج الحملة العسكرية

دفع تمدد تنظيم «أنصار الإسلام» الحكومة البوركينية إلى إدراك خطورة الأوضاع في السوم، واحتمال تحوله لإمارة إسلامية بقيادة «ديكو»؛ الأمر الذي دفعها لشن عملية عسكرية في الإقليم في مارس 2016 أسفرت عن القضاء على سيطرة تنظيم «أنصار الدين» على الأقاليم الشمالية، كما تناثرت الأنباء حول مقتل «ديكو» شخصيًّا، إلا أنه لم يتم تأكيد ذلك الخبر حتى الآن؛ حيث دخلت الجماعة إلى نفق العمل السري.


بدخوله العمل السري عمل التنظيم على شن الضربات المتتالية ضد تمركزات الجيش البوركيني شمال السوم، فقاعدة «ناسومبو» العسكرية ضربت موعدًا مع العمليات الإرهابية خلال شهر ديسمبر من كل عام تقريبًا، ففي 16 ديسمبر 2016 تعرضت القاعدة لهجوم إرهابي أفضى لمقتل 12 جنديًّا، وفي 28 ديسمبر 2018 تعرض «القاعدة» لهجومٍ آخر أسفر عن مقتل 10 جنود؛ ما أدى إلى إعلان حالة الطوارئ في مطلع 2019.


ختامًا.. تبدو الصورة أكثر مأساوية في بلاد الطاهرين النزيهين (معني كلمة بوركينا فاسو باللغة المحلية)، فتلك البلاد لا تحمل من اسمها شيئًا؛ حيث يستشري فيها الفساد والمحسوبية؛ الأمر الذي عقد الوضع الاجتماعي، وخلق نوعًا من الصراع الطبقي بين الطبقات المالكة والطبقات المهمشة؛ الأمر الذي استغلته الجماعات المتطرفة؛ من أجل التمدد والانتشار، ومن المحتمل أن تتفاقم الأمور خلال الفترة المقبلة في ظل حالة الاقتتال العرقي التي شهدتها البلاد خلال الأيام القليلة الماضية، والتي أدت لمقتل 40 شخصًا.

  

وللخروج من نفق الأزمة في بوركينا فاسو يجب على الحكومة إدراك أن العمل العسكري وحده لن يكفي في الخروج من نفق الأزمة المستعصية؛ حيث من المفترض أن تعمل على تطوير استجاباتها للمتطلبات والاحتياجات الشعبية ومراعاة الأبعاد العرقية والإثنية في البلاد، ومعالجة حالة التمييز الاجتماعي في البلاد؛ وذلك للحيلولة دون أن تصبح بلاد الطاهرين إمارة إرهابية خلال الأعوام القليلة القادمة.


المراجع:

·        المراجع باللغة العربية:

1 ـ يحيى خالد، الثابت والمتغير في فكر سيد قطب، إضاءات، 7/9/2015، متاح على الرابط التالي:

 https://www.ida2at.com/fixed-and-variable-in-the-thought-of-sayyid-qutb/

 

2ـ مقتل عشرات في أعمال عنف عرقية في بوركينا فاسو، رويترز، 4 يناير 2019، متاح على الرابط التالي:

https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKCN1OY1FA

 

·         المراجع باللغة الأجنبية

 

1.      Facts about Thomas Sankara in Burkina Faso, Africa Facts, At:

 https://africa-facts.org/facts-about-thomas-sankara-in-burkina-faso/

 

2.      Carina Ray, Thomas Sankara, PRESIDENT OF BURKINA FASO, At:

https://www.britannica.com/biography/Thomas-Sankara

 

3.      Roland Benedikter and Ismaila Ouedraogo, Extremist Expansion in Burkina Faso: Origins and Solutions, the global observatory, May 12, 2017, At:

 

https://theglobalobservatory.org/2017/05/burkina-faso-extremism-al-qaeda-ansarul-islam/

 

4.      International crisis group, The Social Roots of Jihadist Violence in Burkina Faso’s Northm, At:

https://www.crisisgroup.org/africa/west-africa/burkina-faso/254-social-roots-jihadist-violence-burkina-fasos-north

 

5.      Burkina Faso declares state of emergency in the north,  CGTN Africa, 1/1/2019, At:

https://africa.cgtn.com/2019/01/01/burkina-faso-declares-state-of-emergency-in-the-north/?platform=hootsuite&fbclid=IwAR3OJvSBjSxTo5O7-ctXb92QRfzxeRwL9gwG0ACKbh_WHn-TS4NgNZ6MVWc

     

 

 

"