رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«مخططات الملالي» لإشعال الفتنة الطائفية بين مسلمي الهند

الإثنين 07/يناير/2019 - 01:24 م
المرجع
محمد عبد الغفار
طباعة

تمتلك الهند تنوعًا دينيًّا كبيرًا، حيث يوجد بها العديد من أتباع الأديان المختلفة، وتسعى للحفاظ على حالة التنوع بما يضمن أمنها القومي واستقرارها، ولكنها وعلى الرغم من ذلك لا تخلو من الجماعات ذات الفكر المتشدد، والتي ترتبط ببعض الدول الإقليمية، وهو ما ساهم في نشوب صراعات ذات بعد طائفي بين المذاهب المختلفة في كل دين بها.



ويظهر هذا الأمر بوضوح في المذهب الشيعي بالهند، حيث عملت إيران على دعمه ومده بالأموال والمساعدات الفنية، من خلال إنشاء المؤسسات والجامعات التي تعمل على نشر المذهب الشيعي عمومًا، ووفقًا للرؤية الإيرانية خصوصًا، وركز نظام الملالي على المدن ذات الطابع السني، مما أثار الخلافات الطائفية.

للمزيد: تفاصيل اعتقال أعضاء «حركة حرب الإسلام» الداعشية في الهند


الحجاج بن يوسف الثقفي
الحجاج بن يوسف الثقفي
أولًا. الإسلام في الهند

تمتد جذور الإسلام في الهند  إلي عهد «الحجاج بن يوسف الثقفي»، الذي أرسل «محمد بن القاسم الثقفي» لفتح تلك البلاد، وقد شهدت الهند منذ ذلك العهد تأسيس العديد من المساجد والمؤسسات الدينية خاصة في القرن السابع عشر الميلادي، وقد ساهمت تلك المنظمات في نشر الصورة الصحيحة للدين الإسلامي بصورة ناجحة في الحياة الهندية.

ويعيش في الهند 1.2 مليار نسمة وفقًا للموقع الرسمي للحكومة الهندية([1])، أي أنها تحتوي على سدس سكان العالم، وتعد «الهندوسية» هي الديانة الأولى بالبلاد، ويأتي بعدها الدين الإسلامي بـ193 مليون نسمة في عام 2017، ويرجع ذلك إلى أن 8 من أصل 10 هنود يرون أن الدين أمر حيوي في الحياة، ويتوقع مركز Pew Research Center Survey بأن يبلغ عدد المسلمين بحلول عام 2050 نحو 311 مليون نسمة.([2])

وضربت الهند خلال قرون ما قبل الاستعمار نموذجًا فريدًا في التعايش الاجتماعي بين أتباع الديانات المختلفة، إلا أن سلطات الاحتلال الإنجليزي عملت علي إحداث فتن طائفية بين المسلمين والهندوس وغيرها من الديانات في الهند، أفضت في النهاية إلي الانقسام بين المسلمين والهندوس عشية استقلال الهند، ودخول الطائفتين في اقتتال عنيف دار عام 1947 أسفر في النهاية عن استقلال الباكستان عن الهند.

«مخططات الملالي»
ثانيًا: الشيعة في الهند

يعتبر الشيعة فئة كبيرة بين المسلمين هناك، وعلى الرغم من عدم وجود تعداد خاص بالمذاهب داخل كل دين بالهند، لكن الشيعة يمثلون ما بين 35و38% من المسلمين في الهند، وذلك في الفترة ما بين عامي 2014-2015، ويبلغ تعدادهم 80 مليون مواطن، لذا تعد الهند ثاني أكبر الدول في وجود المذهب الشيعي بعد إيران.([3])

وعلى الرغم من الانتشار الجيد للمذهب الشيعي بين المسلمين هناك، فإن إيران حاولت استغلالهم بصورة سياسية، وذلك من خلال إنشاء عدة منظمات ومؤسسات وجامعات تسعى إلى نشر المذهب الشيعي داخل الهند وفقًا للفكر الإيراني، سواء على مستوى المسلمين الهنود أو الهنود من الأديان والمذاهب الأخرى، وتتخذ تلك المؤسسات من المدخل الثقافي والفكري بوابة للسيطرة داخل الهند.
التغلغل الشيعي في كيرلا

ويرى الباحث صواليه نيزامي Swalih Nizami في دراسته عن الوجود الشيعي في الهند، أن «المنظمة الإسلامية» و«مركز الشباب الإسلامي» في مدينة مالابورام Malappuram، وكلاهما يعتمد على إيران في دعم أنشطتهما، وتعد المنظمة المركز الرئيسي للأنشطة الشيعية في ولاية كيرلا Kerala، حيث قامت بجلب 33 كتابًا عن المعتقدات الشيعية إلى الهند، وتم الترويج لتلك الكتب بصورة كبيرة ومتزايدة، بما لا يتناسب مع عددهم هناك.([4])

وجاء اهتمام نظام الملالي بتلك ولاية كيرلا نظرًا لانتشار المذهب السني بها، حيث تقوم الدول العربية السنية بدعم عدد من المؤسسات الدينية بها، لذا تحاول إيران الدفع بوجود الفكر الشيعي بها، وبصورة ضارة، ومناطحة المذهب السني، حيث يهدد ذلك السلم المجتمعي داخل الولاية، للدرجة التي دفعت الشرطة المحلية لمحاولة التدخل لإيجاد حل مجتمعي لهذه الأزمة([5])

ومن أبرز المؤسسات ذات الطابع السني بكيرلا، مركز الثقافة السنية الإسلامية، والذي يضم جامعة باسمه في الولاية، وتم إنشاؤه في عام 1978، ويضم عددًا من المعاهد والمؤسسات المختلفة في الهند، وحصل المركز على اعتراف من جامعة الأزهر، كما يحصل على منح دراسية منها، لذا فهو من المراكز ذات الطابع السني المعتدل والتي تعمل طهران علي إضعافه.([6])
«مخططات الملالي»
الطائفية المذهبية في «برديش»

وفي ولاية أتر برديش Uttar Pradesh الهندية، يوجد المجلس السني المركزي للأوقاف Sunni Central Waqf Board، والذي يدير الأوقاف السنية بالمنطقة والبالغ عددها سبعة آلاف وقف إسلامي سني، وتعد هذه الولاية من كبرى الولايات الإسلامية بالهند.


وعلى الرغم من السيطرة السنية على الولاية منذ فترات طويلة دون حدوث مشاكل طائفية، إلا نظام الملالي عمل على تسييس الطائفة الشيعية في «برديش» وذلك من خلال تجنيد العديد من العناصر الشيعية المتعصبة والمتطرفة مثل سيد واسيم ريزفي Syed Waseem Rizvi.

يعد «واسيم» من السياسيين المثيرين للجدل في الهند والمقربين من إيران، وله العديد من المواقف المتشددة تجاه المسلمين السنة هناك، حيث يرى أن أتباع المذهب الشيعي يواجهون اضطهادًا هناك، بسبب حصول السنة على كل الهبات والامتيازات الحكومية، لذا كان لابد من وجود كيان يدافع عن حقوق الشيعة هناك، ويعمل على استغلال أوقافهم بصورة جيدة.([7])

وهو ما دفعه لإنشاء المجلس الشيعي المركزي للوقف Shia Central Board Of Waqf، والذي يقع بالولاية نفسها، ويهدف إلى تسيير أمور الأوقاف الشيعية بالمنطقة، ويعتبر القائمون على إدارته بأن عملهم لا يقتصر على الجوانب الدينية فقط، ولكنه يتشابك مع الحياة الاقتصادية والاجتماعية أيضًا.

وأصدر المجلس حزبًا سياسيًّا متحدثًا باسمه، وهى رابطة عوام الشيعة الهنود Indian Shia Awami League، والتي انطلقت في 14 من مايو من عام 2018، ووضع سيد واسيم ريزفي نفسه رئيسًا للحزب، ووفقًا للموقع الإلكتروني الخاص بهم،  فإنهم يشرفون على 6186 وقفًا إسلاميًّا في المنطقة، وأضافت الجمعية صورًا لكل وقف، مطالبين الجمهور بالتبرع لها.([8])

ولم يتوقف الخلاف ما بين الطرفين على استغلال الأوقاف، أو الحرب الكلامية بينهما، ولكنه امتد إلى الجوانب العقائدية، مثل رفضهما صلاة العيد جنبًا إلى جنب، أو المشاركة في الأحداث الدينية إلى جوار بعضهما البعض، وهو ما دفع منظمة تدعى الكتف بالكتف Shoulder to Shoulder إلى تنظيم فعاليات مشتركة للصلاة والعبادات الأخرى، وذلك لرفع مستوى الأخوة في الولاية، ومنع محاولات الفتنة الطائفية بها.([9])

وهناك منظمة إنجومان إي حيدري Anjuman-e-Haideri، وهى منظمة شيعية في الهند، وترتبط بعلاقات قوية مع إيران، وتؤمن بالفكر الإثني عشرية، وهى منظمة موجودة منذ 1954، ولكن كانت باسم جلدستا إي حيدري Guldasta-e-Haideri، وتمتلك الدستور الخاص بها، وتهتم الحركة، وفقًا لبياناتها الرسمية، بالجوانب المدنية والدينية، وليست السياسية.

وعلى الرغم من ذلك، فقد لعبت تلك المنظمة دورًا مهمًا في فترة انتشار حركتي داعش والقاعدة في سوريا والعراق، حيث نظمت حملات شعبية للتنديد بأفكار داعش وربطها بالفكر السني، ولم يتوقف الأمر عند حد الحشد الشعبي السلمي فقط.

فقد استطاعت الحركة حشد مجموعة كبيرة من المتطوعين، وتضاربت الأنباء حول عدد الأفراد المستعدين للتطوع في العراق، وعلى الرغم من ذلك فإنهم كانوا يهدفون إلى حماية الأماكن المقدسة في نجف وكربلاء، حيث توجد المزارات الشيعية، بالإضافة إلى إرسال المساعدات الإنسانية والغذائية والصحية للمناطق المتضررة من مواجهات داعش والقاعدة.([10])
«مخططات الملالي»
ثالثا. جامعات ملالية لنشر التطرف:

ولم تكن هذه هى الدلائل الوحيدة للحرب الطائفية التي يسعى نظام الملالي إلى إشعالها داخل الدولة الهندية، حيث كانت هناك دلالات أخرى على مستوى الجامعات، حيث سعت إيران إلى إنشاء جامعة تابعة لها في المدن الهندية التي تضم جامعات سنية عريقة.

ففي العاصمة نيودلهي، هناك «الجامعة الملية الإسلامية»، وهى من المؤسسات العريقة التي أنشئت في عام 1920، وتضم كليات مختلفة سواء كانت علمية أو أدبية، وترتبط الجامعة بعلاقات جيدة مع المملكة العربية السعودية، كان أبرز ملامحها تكريمها للملك سلمان بن عبدالعزيز في أبريل من عام 2010.

ويبدو أن هذا الوجود السني، قد دفع إيران إلى إنشاء أبرز مؤسساتها العلمية هنا، ويظهر ذلك في وجود فرع لجامعة المصطفى العالمية الإيرانية في نيودلهي، وهو وجود إيراني رسمي، واضح التمويل.

وجامعة المصطفى العالمية، هي أخطر الأكاديميات الرسمية الإيرانية، حيث تنتشر في 60 دولة، وتم تأسيسها بناء على أمر من الخميني، المرشد الأول للثورة الإيرانية، وذلك كمحاولة لتصدير أفكار ومبادئ الثورة الإيرانية إلى الخارج، من خلال إنشاء مركز علمي متخصص بالطلاب الأجانب ب«قم» تحت اسم «مجلس الطلاب غير الإيرانيين»، وفي 2007، أمر على خامنئي، المرشد الثاني، بتحويل الاسم إلى «جامعة المصطفى العالمية»، وبلغت ميزانيتها 800 مليار تومان ([11])، لذا فإن اختيارها كان مقصودًا لمواجهة الجامعة السنية هناك.

ويرى مروان العياصرة، الباحث الأردني، في دراسته بعنوان «جامعة المصطفى أخطر أكاديميات التطرف الإيرانية» ، بأن الجامعة وفروعها الدولية تعد المؤسسة الأبرز والأهم في صناعة التطرف والإرهاب، وتشويه الأفكار من خلال عمليات غسل العقول للطلاب داخل الجامعة، من خلال مقررات دراسية تم تسميمها بالأفكار العلمية المتطرفة في قم وطهران، ويتم شرحها للطلاب في مختلف دول العالم.([12])

كما تعمل الجامعة على عقد المؤتمرات العلمية حول القواعد الفقهية والأصولية المتعلقة بالفكر الشيعي، وتكتسب تلك المؤتمرات مشروعيتها من كونها تتم داخل الجامعة كحدث علمي، ويكمن هدفها في محاولة نشر الفكر الشيعي في المدينة ذات الطابع السني منذ القدم.

وهناك عدة أمثلة على ذلك، ففي مايو من عام 2011، نظمت جامعة المصطفى بالهند النسخة الخامسة والعشرين لمؤتمر بلاغة الإمام على، كرم الله وجهه، وذلك في مركز الإمامية، وقد شارك في المؤتمر نائب خامنئي، وتناول المؤتمر شرح المبادئ الإسلامية وفقًا للمبادئ الشيعية، وعرض بلاغة القول لدى الإمام علي.([13])

وهناك جامعة عليكرة الإسلامية، والتي تقع في «أغرة بأتر برديش» بالهند، وتم تأسيسها في عام 1875، ونشأت على يد سيد أحمد خان، وتم تأسيس الجامعة للحفاظ على استخدام اللغة الفارسية داخل الهند، بعد القرار البريطاني في عام 1942.

وترتبط الجامعة بعلاقة وطيدة بإيران، حيث توجد في المدينة التي تشهد خلافات طائفية مع السنة، سبق الإشارة إليها في بداية الدراسة، كما أنها تعمل على الحفاظ على استخدام اللغة الفارسية، وحتى الزيارات الثقافية المتكررة ما بين الطرفين، ومن ضمنها زيارة في فبراير من عام 2017، إلى المجمع الثقافي الإسلامي في «قم» الإيرانية؛ لمناقشة توسيع دائرة عمل الجامعة.

ويتضح أن نظام الملالي لن يترك دولة إلا ويسعى إلى تخريبها، وإثارة الفتنة بها، إما عن طريق الطرق الواضحة كالتدخل السياسي أو الميليشيات المسلحة، أو عن طريق الطرق الخلفية كالمؤسسات والمنظمات ذات الأهداف المريبة، كما هو الحال في الهند، حيث لا تترك إيران مدينة ذات طابع سني إلا وتسعى إلى غرس بذور منظماتها المشبوهة بها.

وأثبتت التجربة الهندية أن تلك البذور لا تطرح سوى الفتن الطائفية، والانقسامات المجتمعية، والأزمات الداخلية، وهذا هو النهج الذي اعتمد عليه النظام الإيراني منذ فترات طويلة، إلا أن هذا الأمر يستدعي التدخل بصورة عاجلة، لمنع تفاقم الأزمة هناك، والحفاظ على الدين الإسلامي في صورته الصحيحة لدى المسلمين بالهند.

[1] - National Portal of India, Profile, Available at https://bit.ly/2BTxTeR.

[2] - Samirah Majumdar, 5 Facts about Religion in India, Available at https://pewrsr.ch/2x3htz8.

[3] - IPFS, Shia Islam in India, Available at https://bit.ly/2rZ7Cr7.

[4] - M P Prashanth, Concern over rising Shia influence in Kerala, Available at https://bit.ly/2TkLIdr.

[5] - Vicky, How the Saudi vs Iran Wahhabi-Shia war is playing out in Kerala, Available https://bit.ly/2Vk6c81.

[6] - History oh Jamia Markazu Ssquafathi Ssunniya, Available at https://bit.ly/2LQbofx.

[7] - Umar Manzoor Shah, India’s new Shia party seen as Hindu divisive effort, Available https://bit.ly/2CI77Yp.

[8] - List Of WAQF, Available at https://bit.ly/2Qiqj2C.

[9] - Nidhi Sethi, In UP, Shia, Sunni Muslims stand shoulder to shoulder for Eid prayers, Available at https://bit.ly/2StSqOd.

[10] - Amir Abdallah, 30.000 Indians Volunteer to fight in Iraq to defend Shia shrines, Available at https://bit.ly/2C3QHs7.

[11] - مروان العياصرة، جامعة «المصطفى».. أخطر أكاديميات التطرف الإيرانية، متاح على https://bit.ly/2GRNHoa.

[12] - على رجب، باحث أردني يحذر: «جامعة المصطفى» الإيرانية مقر تفريخ الإرهاب والجواسيس للملالي، متاح عبر https://bit.ly/2GRuVxb.

[13] - Nahjol Balaqa was held in New Delhi, Available at https://bit.ly/2ApbC8O.

"