رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

التنظيمات والجماعات الإرهابية في اليمن.. صدامٌ متكرر ومصالح متعارضة

الخميس 03/يناير/2019 - 11:55 م
المرجع
نهال أحمد
طباعة

يرجع تأسيس ما تُسمى الحركة الجهادية السلفية باليمن إلى ثمانينيات القرن العشرين، فمنذ ذلك الحين وحتى الآن شهدت انقسامات عدة وتباينات في الأفكار والأطروحات، ليظل سجالًا قائمًا فيما بينها، إلى أن أثرت الأوضاع المتوترة وحالة الفراغ الأمني والسياسي الذي شهده اليمن منذ 2011 على واقع التيار السلفي عمومًا؛ من حيث الرؤى والمواقف، والفرع الجهادي منه تحديدًا على مجمل الممارسات، لاسيما بعد أن هيأ المناخ السياسي اليمني- المشحون والمتوتر على جميع الأصعدة- بيئة خصبة لجذب أجيال من الجماعات الإرهابية الوافدة من مناطق التوتر في سوريا والعراق، في حين دفعت السيطرة الحوثية على العاصمة صنعاء عام 2014 إلى اتخاذ الصراع اليمني منحى طائفيًّا بعدما كان سياسيًّا، بينما أدت تطورات الأزمة اليمنية الأخيرة، وما أسفر عن مشاورات ستوكهولم أو ما تعرف بمبحاثات السويد إلى إثارة تساؤل بشأن مستقبل التيارات الجهادية باليمن، ويحاول المرجع من خلال تلك الدراسة معرفة طبيعة وتكوين التنظيمات الإرهابية داخل اليمن وتداعيات إنشائها واستمراها، وذلك عبر عدة محاور.


التنظيمات والجماعات

الإرهاب في اليمن.. تاريخٌ وجذور

أدى انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن الماضي إلى عودة معظم من يطلقون على أنفسهم «المجاهدين العرب» الى بلدانهم؛ حيث تنوعت آليات الدول في التعامل مع تلك الظاهرة بين محاولات إعادة دمجهم في المجتمع مرة أخرى، أو لجوء دول أخرى إلى إيداعهم رهن المعتقلات، وفيما يتعلق باليمن فقد تعامل الرئيس اليمني السابق «على عبد الله صالح» مع هؤلاء العائدين في إطار من الاحترازات الأمنية التي اشتدت وطأتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وبالفعل فقد شهد اليمن تأسيس أول تنظيم جهادي منظم خلال عام 1997 تحت مسمى «جيش عدن أبين الإسلامي» بقيادة أبو حسن المحضار بعدما أعلن اعترافه «بتنظيم القاعدة»(1).


وقد انخرط الجهاديون في العمل الإرهابي باليمن منذ عام 1992 بشكل غير منظم في هجمات متوالية ضد الفنادق السياحية، في حين كانت أبرز العمليات الإرهابية؛ استهداف المدمرة الأمريكية «USS COOL» خلال أكتوبر 2000، التي أسفرت عن 47 ضحية ما بين وفاة وإصابة، بينما شهد عام 2006 هجمات متنوعة على منشآت نفطية بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية اليمنية خلال سبتمبر 2006 ، وشكل عام 2009 نقطة تحول بعدما أعلن تنظيم «القاعدة» تشكيل فرع له في اليمن تحت مسمى "تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب" واختيار اليمن مقر له(2).


جدير بالذكر أن تنظيم «القاعدة» كان موجود فعليًّا في اليمن؛ لكن ضمن سياق اتفاق يتمحور حول غض الطرف عن أنشطة وتحركات التنظيم داخل اليمن مقابل عدم قيام التنظيم بأي عمليات، ويرجع هذا الاتفاق إلى محاولات الرئيس اليمني السابق «على عبد الله صالح» احتواء عناصر التنظيم وقياداته خلال فترة عودة المجاهدين الأفغان. في حين فشلت تلك المحاولة الاستيعابية في ظل توالي موجات من هؤلاء اللاجئين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؛ حيث تغيرت عقائدهم بشكل مخالف للموجات السابقة.


التنظيمات والجماعات

«القاعدة» و«داعش».. أبرز التنظيمات الجهادية باليمن


يعتبر اليمن بيئة خصبة لاحتواء التنظيمات الجهادية، وقد كانت الوجهة الأولى للتنظيمات المتطرفة، ولعل أبرز عناصر الجذب تتمثل في الوضع الديموغرافي اليمني المهيأ تمامًا لإشعال حالة من اللاستقرار  على خلفية الانقسامات القبلية، التي ترسخت جذورها خلال فترة المخلوع «على عبد الله صالح»؛ حيث دفع النزاع القائم بين الجنوبيين والحكومة المركزية إلى توفير بيئة مؤهلة، لتوسع أنشطة التنظيمات الجهادية لاسيما «القاعدة»، وعلى جانب آخر  يحتل اليمن موقعًا استراتيجيًّا ومحوريًّا تتهافت عليه القوى الإقليمية والدولية، وهو ما أدى إلى تمويل تلك القوى التنظيمات الإرهابية بغية إثارة التوترات لإتاحة الفرصة للتدخل من أجل تحقيق مصالحهم بعيدًا عن استقرار الدولة اليمنية(3).


وفي الإطار ذاته يُعد إفشال المصالح الدينية من قبل التنظيمات الإرهابية هو الهدف الأسمى، وذلك عبر طمس الهوية الإسلاميَّة المعتدلة واستبدالها بأفكار متطرفة، كما تحرص الجماعات على إفساد المصالح السياسية والاقتصادية، يستندون في ذلك إلى مبرر أن الحكومات العربية لا يعدون سوى كونهم سماسرة يعملون على تنفيذ أجندات الدول الغربية والولايات المتحدة، ولا يتطلعون إلا إلى الاستيلاء على موارد المنطقة لصالح دول أخرى. 

ولعل المحفزات الرئيسية وراء استشراء تلك التنظيمات ترجع إلى عامل رئيسي وهو وجود حاضنة مجتمعية قبلية لأفكار التنظيم المتطرفة، وبالحديث عن الوسائل والقنوات، التي يعتمد عليها التنظيم في تمويل عملياته، نجدها مرتكزة على عمليات تهريب النفط بامتداد الساحل الشرقي اليمني، يضاف إلى ذلك الضرائب التي قام التنظيم بفرضها على الشركات المحلية في المناطق التي يُعلن سيطرته عليها بزعم تحسين الخدمات الاجتماعية(4).


أما عن تنظيم «داعش» فلم يكن له سيطرة تذكر باليمن قبل عقد التحالف بين «الحوثيين» وعلي عبدالله صالح في سبتمبر 2014، وحتى إسقاط العاصمة صنعاء على يد الحوثيين في نوفمبر 2014، وبالرغم من قيامه بعمليات انتحارية واستهدافات لرموز عسكرية في عدن فإن وجوده ظل لفترة غير واضح المعالم حتى عام 2015، الذي اعتُبِرَ بمثابة طفرة زمنية شهدها التنظيم في شبه الجزيرة العربية، بعدما قام باستغلال الفراغات والاضطرابات الأمنية في المدن المحررة جنوب اليمن، ورغم ذلك فإن التنظيم لم ينجح في أن يكون منافسًا بشكلٍ كبيرٍ في اليمن مقارنةً بوضعه في العراق وسوريا، ويعزز من ضعف تنظيم «داعش» في اليمن فكرة الانشقاقات، التي ضربت صفوف التنظيم في أواخر 2014، ما أدى إلى إضعاف بنيته.

التنظيمات والجماعات

القاعدة وداعش.. صدامٌ متكررٌ ومصالح متعارضة


يرجع السجالُ بين «القاعدة» و«داعش» إلى لحظة إعلان التنظيم الإرهابي «أبو بكر البغدادي» خليفةً لدولة الخلافة المزعومة؛ حيث أعلن «القاعدة» رفضه هذا الإعلان أو التنصيب الداعشي للبغدادي، حينها أكد القيادي بالقاعدة «حارث النظاري» أن تنظيم «داعش» مجرد جماعة مجاهدة وأن إعلانها الخلافة لم يستوف الشروط اللازمة، وكما سبق وأشرنا ترجع طفرة «داعش» في اليمن إلى 2015، وانبثقت عنه أفرع جديدة منها تنظيم «ولاية صنعاء»، الذي أعلن مسؤوليته عن تفجيرات صنعاء، بينما تبرأ «القاعدة» من هذا الحادث، كما حدثت مواجهات فعلية بين تنظيمي «القاعدة» و«داعش» في محافظات اليمن الجنوبية ما يعكس امتلاك كلٍّ من التنظيمين لأهداف مختلفة- بل ومتعارضة- تنصب على مصالح شخصية لقيادات داخل التنظيمين.


وبمقارنة نجاح كلٍّ من تنظيمي «القاعدة» و«داعش» باليمن نجد أن الأخير كانت نجاحاته أقل، مقارنةً بما تمكن «القاعدة» من الوصول إليه، وبالرغم من الانقسامات التي أصابت بنية «القاعدة» لصالح ثقل داعش فإنه لم يتمكن من استغلالها واستثمارها بالشكل الأمثل أو حتى الوصول لحد المنافسة مع «القاعدة»؛ لكن حدث العكس فقد أدى صعود «داعش» إلى صرف اهتمام المجتمع الدولي جزئيًّا عن تنظيم «القاعدة» وأصبح الاهتمام منصبًّا على تصفية قيادات «داعش»، بل دفعت سمعة «داعش» وممارساته الوحشية بحق المدنيين في سوريا والعراق إلى تقييم «القاعدة» باعتباره تنظيمًا أكثر عقلانية من داعش(5).


ولعل أبرز الشواهد التي استند إليها المجتمعُ الدولي في هذا السياق ما  صدر عن «القاعدة» من بيان يشجب فيه واقعة تفجير المسجد الذي تبناه «داعش» خلال 2015 وراح ضحيته ما يقرب من 500 شخص. 


ومن أهم أسباب فشل «داعش» باليمن عدم تبنيه سردية ثقافية وقيمية يتم بمقتضاها استقطاب القبائل اليمنية بخلاف ما فعلته «القاعدة»، إلى جانب عدم مشاركته في وضع خطط تنموية وهمية للمناطق التي فرض سيطرته عليها، وعزز من ضعف وجوده أيضًا الانقسامات المتوالية في صفوفه والانتقادات القاسية التي وجهت من قبل هؤلاء المنشقين للتنظيم.

التنظيمات والجماعات

التحالف العربي وتقليص التمدد الإرهابي في اليمن


رغم أن عام 2015 شكَّلَ طفرةً حقيقيةً في بزوغ التنظيمات الإرهابية واتساع رقعتها في اليمن فإن استراتيجية التحالف العربي في استهداف مواقع الحوثيين تحديدًا وغيرها من عناصر القاعدة وخلايا داعش، النائمة، كان لها بالغُ الأثر في تقليص قنوات تمويل تلك التنظيمات والجماعات، وقطع الطرق عن  قنوات الدعم الخارجية إليهم، ولعل «النخبة الحضرمية» المدعومة من طيران التحالف العربي ومعاركها الحالية ضد «القاعدة» تدل على ذلك، ففي لأبريل 2016 تحرك نحو2000 جندي من تلك النخبة تجاه المكلا، وتمكنوا حينها من تصفية عناصر «القاعدة» المرتكزة بالمدينة والسيطرة على الميناء والمطار ، وعقب ذلك كثفت القوات من تحركاتها عند المداخل الرئيسية للمدينة للقيام بعمليات تطهير وتمشيط لما تبقى من عناصر التنظيم هناك(6).


وتكمن خصوصية معركة المكلا في أنها لم تقضِ على خطر «القاعدة» في المدينة فحسب؛ لكنها كانت سببًا مباشرًا في إجهاض مشروع التنظيم بإقامة إمارة متشددة له هناك كان من الممكن أن تكون مركزًا لانطلاق عمليات إرهابية متنوعة إلى الدول المختلفة، في حين  حرص التحالف على تنسيق عملياته وتحركاته سواء الجوية أو البحرية وأن تكون تلك العمليات في سياق الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن العالمي، وذلك عبر تنسيق عمليات تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ العمليات المشتركة.


ختامًا، نبقى أمام مستقبل التنظيمات الجهادية في ظل التطورات اليمنية الأخيرة، لاسيما بعد مشاورات ستوكهولم (مباحثات السويد) والهدنة التي بدأ سريانها خلال ديسمبر  2018، وكذلك حالة التأهب القصوى لقوات التحالف. فالمؤشرات العامة تعكس أن التنظيمات الإرهابية في اليمن ستشهد اندثارًا تدريجيًّا خلال الفترة المقبلة، لاسيما في ظل الضغوطات التي تعرضت لها تلك التنظيمات خاصة الضربات الأمريكية على معاقل «داعش» في العراق وسوريا، قبل إعلان الانسحاب منها، وهو ما من شأنه التأثير مباشرة على فاعلية التنظيم داخل اليمن ، ومن جانب آخر فإن الضربات (الاقتصادية) التي تلقتها إيران عقب التوقيع على المشاورات الأخيرة كانت دافعًا وراء تراجع- بل تدهور وتقليص- التمويل الموجه لبعض هذهالتنظيمات ، ويعزز من سيناريو اندثار تلك التيارات، ما انتابها من انشقاقات متوالية في صفوفها أدت إلى ضعف بنية التنظيمات.


التنظيمات والجماعات

المراجع:

(1) الارهاب في اليمن من القاعدة إلى داعش، موقع مركز أبعاد للدراسات والبحوث، تاريخ17/8/2017، متاح على الرابط: https://bit.ly/2R2YeBA

 (2)التحالف العربي.. جهود جبارة لدحر الإرهاب باليمن، سكاي نيوز بالعربية، بتاريخ 7/8/2018، متاح على الرابط: https://bit.ly/2TxqKZI

(3)صالح البيضاني، السلفيون في اليمن.. ثلاثة تيارات والكثير من الخلافات، العرب اللندنية، بتاريخ29/8/2016، متاح على الرابط: https://bit.ly/2s6Exdq

(4) محمود محمدي، «النخبة الحضرمية».. قبضة اليمن الحديدية لتصفية «خفافيش القاعدة»، المرجع، بتاريخ27/12/2018، متاح على الرابط:https://bit.ly/2F26xGG

 (5)فارع المسلمي، ازدهار التطرّف في الحرب الأهلية اليمنية،مركز كارنيجي للشرق الأوسط،بتاريخ7/9/2015، متاح على الرابط: https://bit.ly/2R4h9Mh

 (6)«واشنطن بوست»: ما هو مستقبل «الجهاديين» في اليمن؟، مقال أجنبي مترجم بواسطة موقع العربي، بتايخ23/2/2018، متاح على الرابط:https://bit.ly/2GRFoZo

"