رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

إيران في سوريا.. سيناريوهات الخروج والبقاء

الجمعة 04/يناير/2019 - 06:16 م
المرجع
مرفت زكريا
طباعة

ألقى الانسحاب الأمريكي من سوريا في ديسمبر لعام 2018 بظلاله على التفكير في مستقبل الوجود الإيراني في دمشق، وخاصًة مع  استمرار بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم، و عدم القيام بعقد اتفاق نووي جديد بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني مع مجموعة (5+1 )، لكن من شأن المتابع لحجم النفوذ الإيراني في سوريا أن يدرك حجم العلاقات الوطيدة بين البلدين منذ الحرب العراقية الإيرانية لعام 1980.


وعليه، فشلت مساعي واشنطن لإخراج إيران من سوريا عبر تحفيز  إسرائيلي أمريكي لموسكو لإقناع إيران بذلك خلال الزيارة التي التقى فيها مستشار الأمن القومي جون بولتون بنظيره الروسي نيكولاي باتروشيف بجنيف في أغسطس لعام 2018؛ كما اتضح فيما بعد أن موسكو لا تملك ما يجبر إيران على الخروج من سوريا.

في هذا التقرير سنتناول حجم النفوذ الإيراني في سوريا، ومدى فشل المساعي الأمريكية الإسرائيلية لإخراج إيران من دمشق، من خلال أكثر من سيناريو مستقبلي للوجود الإيراني في سوريا.
إيران في سوريا..

نفوذ إيراني في سوريا

يرجع التحالف الإيراني مع سوريا لعام 1980 عندما وقفت دمشق إلى جانب طهران ضد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في حرب الخليج الأولى التي استمرت لمدة ثماني سنوات (1980-1988 )، كانت المملكة العربية السعودية ومشايخ الخليج من الدول التي مولت العراق خلال الحرب، على خلفية خوفها من وصول تأثيرات مبادئ الثورة الإسلامية لعام 1979 إلى مواطنيها، فضلًا عن اتساق ذلك مع دعم حلفائهم مثل واشنطن، وموسكو، وباريس لبغداد  لرجال الدين في طهران.


وعليه تسعى طهران لخلق وجود طويل المدى في سوريا باعتبارها إحدى الساحات الخلفية الهامة للنفوذ الإيراني في المنطقة الذي تسعى من خلاله إلى أن تصبح إحدى الفاعلين على المستوى الإقليمي، ذلك ما يمكنها من فرض سياستها على الدول الكبرى، بما يتضمن تطوير برنامجها النووي، و الاعتراف بأهمية مصالحها على الصعيد الدولي(1).


وبدأ تدخل إيران في سوريا تدريجيًّا بعد عام 2011 منذ بداية الحرب الأهلية في البلاد عام 2011، على شكل توفير مستشارين عسكريين للنظام السوري، لكن تحولت المشاركة في وقت لاحق إلى تدخل عسكري واسع النطاق؛ حيث أرسل النظام قواته ووظف وكلاءه للقتال إلى جانب الرئيس السوري « بشارالأسد» للقضاء على المعارضة.


في السياق ذاته، يقرر مدير المجلس الأمريكي الدولي للشرق الأوسط ماجد ريفاده أن إيران تحاول تعزيز وجودها في سوريا من خلال الناحية السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، بما يُمكنها من عقد صفقات طويلة المدى مع الدولة السورية الضعيفة لإعادة بناء الصناعة العسكرية السورية، ويمنح الحرس الثوري، والمخابرات الإيرانية الذريعة المثلى للبقاء في سوريا، ومن هنا بات من المقرر بقاء العسكريين الإيرانيين في سوريا إلى أجل غير مسمى.


وكما نشرت وزارة الخارجية الأمريكية في أكتوبر لعام 2018، أن إيران أنفقت 16 مليون دولار لدعم نظام الأسد في سوريا ودعم وكلائها في اليمن والعراق.


وأشار بعض المحللين إلى البُعد الاجتماعي لذلك، والمتمثل في اتهام طهران بالاستفادة من التغيرات الديمغرافية، وتهجير المواطنين السوريين لزيادة هيمنة الشيعة على حساب تهميش السنة(2).

إيران في سوريا..

مساع دولية لخروج إيران من سوريا

مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب الإيراني من سوريا ليست بالجديدة؛ حيث أقر في خطابه الذي ألقاه في الثامن من مايو لعام 2018 أثناء الإعلان عن  انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، بضرورة أن يتضمن الاتفاق الجديد قيودًا أبدية على تخصيب اليورانيوم، وتطوير الصواريخ الباليستية، وهذه القيود واجبة للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة(3).


وتراهن إسرائيل على أحداث الوقيعة بين موسكو وطهران بالتعويل على أن المصالح الروسية الإسرائيلية تفوق نظيرتها الإيرانية، كما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلم حدود الدور الإيراني جيدًا، و لا يمكن استمالته بالعبارات الإنشائية و الخرائط التي دائما ما تقدمها تل أبيب عن المواقع النووية الإيرانية أو الصواريخ المنتشرة في سوريا ولبنان، فضلا عن إطلاع كامل بمجالات الدعم الإيراني لسوريا.


ومن ناحية أخرى يلعب نتنياهو على وتر  التوسط لدى الولايات المتحدة الأمريكية لإلغاء العقوبات الأمريكية على موسكو، والحد من تطور دور حلف الناتو وتقدمه في شرق أوروبا و لاسيما أوكرانيا، في مقابل أن تحاول روسيا تحجيم النفوذ الإيراني الممتد في من العراق، سوريا وحتى لبنان.


على الرغم من أن هذه الصفقة تبدو مواتية للمصالح الروسية إلا أن موسكو لا تثق كثيرًا في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، على العكس من علاقاتها الوثيقة مع طهران، فضلا عن تشكيك روسيا في المساعي الأمريكية الرامية إلى إقامة تحالف مع إسرائيل لمواجهة النفوذ الإيراني، الذي تعتقد أنه سيكون مُوجها بالأساس للحدِّ من النفوذ الروسي، كما أن موسكو تحظى بنصيب الأسد في تحالفها مع طهران، بما أنها الطرف الأقوى فإن الأمر مع واشنطن على العكس من ذلك، ولذا فشلت الخطط الأمريكية الإسرائيلية لإخراج إيران من سوريا(4).

إيران في سوريا..

سيناريوهات لمستقبل النفوذ الإيراني في سوريا

 أشار بعض المحللين إلى إمكانية خروج إيران من سوريا، ولاسيما بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني مع دول (5+1)، وزيادة الضغوط الداخلية على إيران؛ المتمثلة في تصاعد حدة الاحتجاجات الداخلية على خلفية الوضع الاقتصادي المتدهور مع الضغط الخارجي المتمثل في ما يشبه الحصار الأمريكي الإسرائيلي  لطهران على كافة المستويات، خاصة بعد إعادة فرض العقوبات الاقتصادية مرة أخرى، إلا أن هناك من يقدم دلائل قوية على استمرار العكس، وفي هذا يمكن الإشارة إلى عدد من السيناريوهات المتوقعة، والتي تتمثل فيما يلي:

1 - خروج إيراني من سوريا

 إن الحجج التي يقدمها هذا الاتجاه -لاسيما المعارضة الإيرانية بالخارج- تبين تزايد الضغوط على النظام الإيراني ستؤدي لانهياره ومجيء نظام جديد يحاول تلافي الأزمات التي سببها نظام الملالي، وتتمحور أبرز الأدلة التي يقدمها هذا الاتجاه حول تدهور الأوضاع في إيران على كافة الأصعدة؛ من الناحية السياسية تتزايد الاحتجاجات يوما بعد يوم، ويسوء وضع الأقليات التي بدأت في إظهار الكثير من علامات التمرد على الدولة، ومنها جماعة جيش العدل البلوشية التي نسبت لنفسها العديد من العمليات الهجومية على المؤسسات الأمنية في إيران(5) .


أما بالنسبة للوضع الاقتصادي، يشير بعض المحللين إلى أن طهران تشهد حاليا فترة تدهور اقتصادي كبيرة؛ تتمثل في انسحاب معظم الشركات العالمية الكبرى من إيران على خلفية إعادة فرض العقوبات الأمريكية مرة أخرى، وانهيار قيمة الريال الإيراني في مقابل الدولار، الأمر الذي أدى لارتفاع الأسعار ، وسخط المواطن العادي الذي بات لا يستطيع تحمل أعباء العيش داخل إيران.


ورفض البرلمان الإيراني للمرة الثانية لميزانية السنة المالية الجديدة المقدمة من قبل الرئيس حسن روحاني لمجلس الشورى للتصويت عليها في 26 ديسمبر 2018، وذلك حين وصلت قيمة الدولار فيها إلى 5700 تومان، رغم أنه يتجاوز ضعف هذا المبلغ في السوق السوداء(6).


2- بقاء إيران في سوريا

تتمحور أبرز الأدلة التي قدمها أنصار هذا الاتجاه حول استمرار النفوذ الإيراني الممتد في سوريا حتى بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني، و إعادة فرض العقوبات الاقتصادية مرة أخرى من قبل واشنطن، وتفاقم الأزمات الداخلية على عاتق النظام الإيراني المتمثلة في موجة الاحتجاجات المتواصلة التي بدأت في نحو 190 مدينة إيرانية منذ ديسمبر  لعام 2017، بعد اتساع نطاق الخلافات مع الدول الغربية، خاصًة بعد تراجع الطموحات الإيرانية في قدرة الدول الأوروبية على تفعيل الآليات المالية التي يمكنها تجاوز العقوبات الأمريكية.


في السياق ذاته، بدأ الكثير من المتابعين في التعويل على الأدلة التي أبرزها هذا الاتجاه، لاسيما بعد انسحاب القوات الأمريكية من سوريا في 20 ديسمبر  لعام 2018، ما أدى إلى انفتاح المجال كثيرًا لتزايد النفوذ الإيراني، الأمر الذي تسبب في عقد اتفاق عسكري مع دمشق، لذا تعد طهران الرابح الأول من القرار الأمريكي باعتبارها الحليف الأول للرئيس السوري في حربه ضد معارضيه(7).

إيران في سوريا..

ختامًا يبدو  أن السيناريو الثاني هو الأرجح، خاصًة مع سعي إيران لاستمرار وزيادة نفوذها في سوريا بعد انسحاب القوات الأمريكية، ومن المحتمل ألا يقتصر الأمر على دمشق فقط، بل من الممكن أن يتصاعد في بقية دول الشرق الأوسط من خلال وكلاء إيران والجماعات التابعة لها.


الهوامش:

1.      Nisan Ahmado, Iran's Growing Influence in Syria Sparks Concern, 15/10/2018,  Extremism watch, available at https://www.voanews.com/a/iran-growing-influence-in-syria-has-many-concerned/4615242.html .

2.      Payam mohseni, What Iran Really Wants in Syria: misperceptions of Tehran’s true intentions could lead to disaster, 10/5/2018, Foreign policy, available at https://foreignpolicy.com/2018/05/10/what-iran-really-wants-in-syria/ .

3.      Mohammed Ayoob,  Will Iran Leave Syria? Chasing mirages does not add up to a successful foreign policy, 29/8/2018, The National interest, available at https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/will-iran-leave-syria-29982 . 

4.       مصطفى السعيد، بوتين بين إيران وإسرائيل، الأهرام الرقمي، متاح على الرابط التالي  http://www.ahram.org.eg/NewsQ/675258.aspx .

5.       مرفت زكريا، دلالات الهجوم على المؤسسات الأمنية في إيران، 23/12/2018 ، المركز العربي للبحوث والدراسات، متاح على الرابط التالي http://www.acrseg.org/41058?fbclid=IwAR2AsnGp-4pwUKb2BVTcpspceGgzeI2wxusUf9KM9l0yThTZCQPbVRsyWs8 .

6.       محمد عباس ناجي، استحقاقات صعبة: لماذا ستتصاعد ضغوط الداخل والخارج على إيران في 2019 ، 3012/2018، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة،  متاح على الرابط التالي http://cutt.us/w98Vz 

7.       سمر أجوري، الانسحاب الأمريكي من سوريا: مَن هم الرابحون والخاسرون؟ Euro News، 21/12/2018 ، متاح على الرابط التالي https://arabic.euronews.com/2018/12/21/the-consequential-winners-and-losers-of-the-american-withdrawal-from-syria 

"