رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«شمال بوركينافاسو»...اضطرابات اجتماعية وموجات إرهابية متصاعدة

الخميس 03/يناير/2019 - 10:17 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة

مع مطلع عام 2019 أعلن المتحدث باسم حكومة بوركينافاسو، ريمي فولجانس داندجينو، إعلان حالة الطوارئ في المناطق الشمالية من البلاد التي تقع على الحدود البوركينية - المالية، وذلك في إطار  تصاعد العمليات الإرهابية في المنطقة الشمالية[1].

«شمال بوركينافاسو»...اضطرابات

شهدت المنطقة الشمالية في بوركينافاسو يوم 28 ديسمبر 2018 عملية إرهابية مركبة  نفذتها ما تعرف بـ «جماعة الإسلام والمسلمين» _ جماعة متطرفة محلية مرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إقليم الساحل والصحراء، إذ هاجم المسلحون في البداية إحدي المدارس وأحرقوا كتبها الدراسية والعلمية، ثم توجهوا بعد ذلك مباشرة نحو أحد الأكمنة الشرطية المتحركة على الحدود المالية ـ البوركينية واعتدوا عليه وقتلوا عشرة جنود، كما تبنت الجماعة العديد من العمليات الإرهابية التي تمت في البلاد خلال 2018، خاصة العملية التي تم ارتكابها في العاصمة «واغادوغو» في مارس التي قتل فيها نحو ثمانية من رجال الأمن وجرح عشرات آخرين.[2]


في الغالب تشهد منطقة شمال غرب بوركينافاسو المعروفة بـ«إقليم الساحل»، منذ عام 2015 هجمات إرهابية متفرقة من قبل الجماعات الإرهابية المحسوبة على «القاعدة»، مثل جماعة «أنصار الإسلام»، و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، وفي يناير 2016 نفذ تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» هجومًا مسلحًا على مطعم وفندق في واغادوغو، قُتل فيه 30 شخصًا.


للمزيد: إعلان الطوارئ في بوركينا فاسو بسبب الإرهاب المتزايد بالبلاد

«شمال بوركينافاسو»...اضطرابات

يتضح من الإجراء السابق أن البلاد مقبلة على عام عصيب يتحتم عليها فيه مواجهة تنامي التنظيمات المسلحة النامية في المناطق الشمالية المتاخمة مع الحدود المالية، إذ نجحت الجماعات المتطرفة في استغلال حالة "الغُبن الإثني"، والاجتماعي المتنامية في المناطق الشمالية، وهو ما سيتم توضيحه في النقاط التالية:


أولًا. الدوافع  الجيوسياسية لانتشار الإرهاب في شمال بوركينافاسو:


تتميز جغرافية الإرهاب في منطقة غرب أفريقيا بتمركزها في نقاط محددة، مثل شمال شرق نيجيريا حيث ساحل «بحيرة تشاد»، ومناطق شمال الكاميرون ووسط مالي وأخيرًا شمال بوركينافاسو على الحدود مع جمهورية مالي، وتتميز تلك المناطق بأنها بيئات خصبة لانتشار الجماعات الإرهابية، نظرًا لحالة الفقر البيئي والمعيشي الذي تتميز به تلك الأقاليم.


للمزيد: بوركينا فاسو في مرمى «الإرهاب القاعدي»

«شمال بوركينافاسو»...اضطرابات

كما تعد بوركينافاسو من أهم الدول في غرب أفريقيا، فمن الناحية الدينية، يدين أغلبها بالإسلام، أما من الناحية الجيوسياسية (مصطلح يطلق على تأثير الجغرافيا على السياسة)، فهي تجمع بين تحديات إقليمي الساحل والصحراء وغرب أفريقيا، حيث انتشار الجماعات الإرهابية في الإقليمين «بوكو حرام» و«نصرة الإسلام والمسلمين»، خاصة في مالي.


الجوار المالي الملتهب

شهد عام 2011 اضطرابات أمنية كبرى على خلفية سقوط النظام الليبي السابق بقيادة معمر القذافي في أغسطس 2011، ما أدى لإنتشار الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء وتحركها بكل سهولة ويسر، هذا بالإضافة إلى توافر السلاح بغزارة نتيجة سقوط الجيش الليبي.


ولم يمض على سقوط طرابلس شهور معدودة، حتي كانت منطقة الساحل ضاربة موعدًا جديدًا مع الانفلات الأمني، ففي 21 مارس 2012 تحركت أرتال عسكرية من الجيش المالي بقيادة «أمادو سانوغو» صوب مبني الإذاعة والتلفزيون وبعض المباني الحكومية، ومنها القصر الرئاسي بـ«بماكو»، وكان الهدف الرئيسي للتحرك العسكري، إسقاط النظام بقيادة الرئيس «حامادو توماني توري»، بزعم تراخي النظام السياسي في تدعيم الجيش المالي الذي بات يواجه صعوبات جمة في تأمين الحدود الشمالية التي شهدت في بداية عام 2012 نشاطًا ملحوظًا للحركة الوطنية لتحرير الأزواد (حركة انفصالية)  وبعض الجماعات الإرهابية[3].


أدت أحداث الانقلاب العسكري في باماكو إلى انهيار تام للدولة المالية، خاصة في المناطق الشمالية، حيث قامت حركات الطوارق (الأزواد) بالتعاون مع الجماعات الإرهابية المحسوبة على القاعدة مثل حركتي «التوحيد والجهاد» و«أنصار الدين»، بالسيطرة على مدن شمال مالي الواحدة تلو الأخري مثل كيدال وغاوا وتمبكتو.[4]


التوافق بين «حركة تحرير الأزواد» والجماعات الإرهابية لم يدم طويلًا إذ اندلعت الصرعات بين الجانبين في أبريل 2012 ونجحت الجماعات الإرهابية «أنصار الدين» و«حركة التوحيد والجهاد»، في السيطرة على مناطق شمال مالي، خاصة مدينة تمبكتو التاريخية الأمر الذي أدى لتدخل فرنسي في شمال مالي حيث عملية السرفال التي نجحت في وقف زحف الجماعات الإرهابية نحو العاصمة بماكو.


ونجحت العمليات العسكرية الفرنسية «السرفال، برخان» والجهود الدولية والجهود الإقليمية المتمثلة في تحالف (G-5)، في ضعضعة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، ما دفع العديد من الجماعات مثل «جماعة أنصار الدين» و«تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» و«جبهة تحرير ماسينا» و«تنظيم المرابطون» للاندماج في تنظيم واحد تحت مسمي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» في مارس 2017.  


ثانيًا. تعقيد الديناميكيات المحلية كمعزز لانتشار الإرهاب

لا يعود انعدام الأمن في شمال بوركينافاسو إلى انتشار الإرهاب في الجوار المالي فقط، بل يعود أيضًا إلي العجز في مجال التنمية، وفشل الدولة المركزية في فهم احتياجات الإقليم، فالديناميكيات المحلية في بوركينافاسو معقدة للغاية وباعثة على التطرف والإرهاب، فالمناطق الشمالية للبلاد «منطقة السوم» Soum   تعاني من العديد من المشكلات الاجتماعية الناجمة عن حالة التهميش السياسي والاقتصادي لتلك المناطق، بالإضافة إلى حالة التهميش الاقتصادي الذي تعاني منه المنطقة تعاني المنطقة من العديد من التمايزات الاجتماعية وكانت سببًا رئيسيًّا في بروز عوامل التطرف في تلك المنطقة.[5]


ومنطقة السوم يسكنها بشكل رئيسي جماعة «الفولاني» التي تعد ثاني أكبر جماعة عرقية في البلاد وفقًا لتقديرات عام 2006، ولها امتدادات خارج بوركينافاسو حيث تنتشر في مالي ونيجيريا والعديد من دول غرب أفريقيا، ورغم سيطرة «الفولاني» العرقية على المنطقة الشمالية فإنها تعاني من وجود حالة تمييز طبقي داخلها وهو ما أفضى إلى ظهور الإرهاب والجماعات الإرهابية، فالجماعة تنقسم إلى طبقتين متمايزتين متصارعتين هما طبقتي النبلاء والعبيد، وهو ما يوحى بأننا أمام صراع طبقي كالذي صاغه «كارل ماركس» في أطروحته الشيوعية.[6]


وتعود جذور التمييز الطبقي إلى فترة ما قبل الاستعمار خاصة بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، عندما نزحت بعض القبائل الرعوية من جماعة «الفولاني» إلى منطقة السوم.


للمزيد: مقتل «كوفا» يثير تساؤلات حول مصير «نصرة الإسلام والمسلمين» بأفريقيا

نجحت القبائل الفولانية في الهيمنة على المنطقة واستيعاب الجماعات المحلية داخل جماعة الفولاني، حتي باتت تلك الجماعات تٌنسب إلى جماعة الفولاني، ورغم الاستيعاب أوجد قادة الجماعة نوعا من التسلسل الهرمي داخلها أعلاها طبقة النبلاء والملاك ورجال الدين وهم من القبائل المهاجرة، وأدناها طبقة العبيد والحرفيين وهم من القبائل التي تم استيعابها.


إذن نستنتج أن الأزمة ترجع أصولها إلى نظام اجتماعي متحجر، وغير متكافئ، فاشل في الاستجابة إلى الاحتياجات الاجتماعية، ما أدى إلى ظهور العديد من الجماعات والحركات الاجتماعية والسياسية التي تطالب بضرورة تحسين الأوضاع في السوم، ومن تلك الجماعات جماعة «أنصار الإسلام» التي بدأت كحركة مناهضة للتمييز الطبقي في المنطقة مطالبة بتحقيق المساواة إلا أنه سرعان ما تحولت الحركة إلى حركة متطرفة دينية تدعم الجماعات الإرهابية الأخري في منطقة الساحل والصحراء. [7]


«أنصار الإسلام» والتحول نحو التطرف والإرهاب

جماعة «أنصار الإسلام» التي تقف وراء الكثير من أعمال العنف، ويتم تصويرها على أنها مرتبطة بالقاعدة، نشأت في المقام الأول كحركة اجتماعية لمواجهة التهميش السياسي والاجتماعي في «إقليم سوم»، كما أن زعيمها «مالام إبراهيم ديكو» دعا في السابق لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في إقليم السوم، مطالبًا بتحقيق المساواة بين الطبقات في الإقليم وكسر هيمنة القوى التقليدية (زعماء القبائل) في تلك المنطقة متهمًا إياها بإفقار منطقة السوم لصالح تحقيق مصالح شخصية.[8]


«ديكو» خطيب مفوه نجحت مفردات خطابه الحماسية والداعية لمواجهة الظلم الطبقي في شمال بوركينافاسو، في جذب المحرومين والشباب إلى جماعته واتخاذه مسلك العنف تجاه المؤسسات الحكومية، إذ نجح في مارس 2017 في إخراج منطقة السوم من سيطرة الحكومة واغادوغو، الأمر دفع الحكومة البوركينية لشن عملية عسكرية في المناطق الشمالية لإعادة السيطرة عليها ومواجهة تمرد «ديكو» ولم يتثن إلى الآن معرفة مصيره هل قتل في العملية العسكرية أم لا؟، وفي النهاية يمكن اعتبار أن جماعة أنصار الإسلام نشأت كحركة تمرد اجتماعي ناقمة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما لبثت أن تحولت إلى حركة دينية متطرفة تمتلك العديد من الصلات بالجماعات الأخرى المنتشرة في المنطقة المرتبطة بتنظيم القاعدة.[9]


النشاط العملياتي والمواجهة الأمنية

بدأ نشاط «ديكو» تقريبًا ما بين عامي 2009 و2010 كداعية محلي ينادي بضرورة وقف التمييز الطبقي والعنصري في البلاد، إلا أن دعوته الدينية واجهت في البداية معارضة صارمة من قبل القيادات التقليدية في منطقة شمال بوركينافاسو والحكومة في العاصمة، الأمر الذي دفعه للتحول تدريجيًا نحو التطرف واللجوء إلي الجماعات الإرهابيَّة المحسوبة على القاعدة في منطقة الساحل والصحراء.


ومؤخرًا خلال السنوات القليلة الماضية، وبالتحديد منذ 2015 بدأت تظهر ملامح إرهابية لـــ«تنظيم ديكو» عبر التفجيرات المتتالية في واغادغو والسوم، الأمر الذي أدى إلى افتقاد السيطرة الكاملة على المناطق الشمالية خلال عامي 2016 و2017؛ ما دفع إلى تدخل عسكري بوركيني في المنطقة الشمالية في مارس 2017 أسفر عن عودة الاستقرار بصورة نسبية.


إلا أن التفجيرات الأخيرة التي شهدتها المدينة يوم 28 ديسمبر 2018 أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن التنظيم نجح في التكيف مع الضغوط العسكرية التي تشنها الحكومة وإعادة التمركز من جديد مما يؤدي إلى ضرورة تغيير نمط المواجهة مع التنظيم وعدم الاقتصار على الناحية العسكرية فقط.


وأخيرًا.. يجب على الحكومة البوركينية صياغة الاستجابات التي تأخذ في عين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والمحلية للأزمة في شمال البلاد، وذلك بالتركيز على المشاريع الإنمائية وتوفير العدالة الاجتماعية.

[3] . قائد الانقلاب العسكري في مالي «يعتذر» للشعب، بي بي سي عربي، 28 يونيو 2013، متاح على الرابط التالي:

http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2013/06/130627_mali_coup_apology

[4] . محمد عبد الكريم أحمد، بوكو حرام: من الجماعة إلى الولاية : أزمة التطرف والفساد في أفريقيا (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، نوفمبر 2017) ص ص 147 ـ 151.

[5] . International crisis group, The Social Roots of Jihadist Violence in Burkina Faso’s Northm, At:

https://www.crisisgroup.org/africa/west-africa/burkina-faso/254-social-roots-jihadist-violence-burkina-fasos-north

[6] ,IBID

[7] IBID

[8] . Roland Benedikter and Ismaila Ouedraogo, Extremist Expansion in Burkina Faso: Origins and Solutions, the global observatory, May 12, 2017, At: https://theglobalobservatory.org/2017/05/burkina-faso-extremism-al-qaeda-ansarul-islam/.

[9] . IBID

"