رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

«من الذي نزع الفتيل؟».. شهادة حية ومعايشة حقيقية من داخل «داعش»

الثلاثاء 01/يناير/2019 - 02:45 م
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

(داعش التي رأيت) هو كتاب ألفه القيادي السلفي، أحمد ساهر، عضو جماعة أحرار الشام، عن شهادته على هذه الحقبة الخطرة، مسلطًا الضوء على تجربة دولة البغدادي، التي رآها بنفسه، وسمع شهودها.

  


«من الذي نزع الفتيل؟»..

محمد السيد أحمد حسن أبوجبل، كان يسكن في القاهرة في زهراء مدينة نصر، عمارة ١١٣٣، شقة ٤٤، منذ ١٨ سنة، اعتنق الفكر السلفي، وكان من تلاميذ محمد إسماعيل المقدم، وتخصص في مجال السياسة الشرعية على يد محمد الصاوي بالإسكندرية، وسامح عباس بطنطا، وطه نجا بالدقهلية.

 

عمل ساهر خبير تسويق وإدارة أعمال، ودرب نحو ٢٠ ألف متدرب، وفق قوله، قبل أن يذهب للقتال في سوريا، ويسمى «صليل الصوارم».

 

توفي والده مبكرًا، كما توفيت أخته عقب سفره لسوريا، وتنقل ما بين القاهرة والإسكندرية، ورغم بداياته السلفية على يد كبار مشايخ الدعوة، مثل برهامي ومحمد إسماعيل، كانت له أفكار قريبة من السلفيين الحركيين.

 

حين قررت الدعوة السلفية إرسال أفرادها للقتال في سوريا، على اعتبار أن الجيش السوري هو جيش رافضي، كان من بينهم أحمد ساهر.

 

نقل ساهر رسالة أمه إليه على صفحته بالفيس بوك عقب سفره: «ولدي ما عدت أتحمل غيابك صغيري.. أشعر بك في كل شيء حولي يا مهجة القلب الحزين.. انفرط قلبي من البكاء عليك.. أفكر فيك يوم أموت وحدي دون أن ترتوي أمومتي منك.. يوم أحرم من أكثر وجه أتمنى أن تراه عيني قبل الفراق.. معقول يا أحمد أموت وأنت مش معايا؟ من سيلقنني الشهادة إن لم يكن أنت؟ من سيقرأ لي كتاب الله قبل الرحيل؟ من سيحملني ويواريني في قبري، ويظل بجواره يدعو لي ويؤنس وحشتي؟ حتى زيارة قبري ستحرمني غربتك البعيدة منها».


قال ساهر: تركت أمي والتحقت بالثورة السورية مبكرًا، على يد المصري «أبومعاذ همام»، وكان جلّ عمله مع حركة أحرار الشام، وبما أني ضيف عليه فقد وجدت نفسي محاطًا بهذا التنظيم، وبعد ٤٠ يومًا قدمت فيها بعض خدماتي لهم قررت الاستقلال التام وعدم الانتماء لأي فصيل، ومما أستحسن ذكره أن هؤلاء الأحرار عند داعش (مرتدون)، وما لاحظته حدوث تغير فكري رهيب لأغلب شرعيي الأحرار وقادتها في الفترة الأخيرة، وتحديدًا قبل أشهر قليلة من حادثة مقتل القادة، وأستطيع أن أقول بل أجزم أن ثورة فكرية كبيرة حدثت (لعدد كبير) من قادة الأحرار وشرعييها على أفكار التيار الجهادي/ ورسالة «أبوأيمن الحموي» (نحو منهج رشيد)، خير دليل على ذلك.

 

يضيف: قررت أن أنطلق لأشاهد وأخدم مع فصائل أخرى، وبدأت أدرس دورات فى التنمية البشرية، ولاحظت أن الأعضاء متباينون جدًّا في أفكارهم، لكن كان هناك نوع من الشباب له لهجة ذات نبرة تكفيرية عالية، تتكرر على ألسنتهم كلمة (مرتد) أكثر من غيرهم، وكنت أتجنب هؤلاء ولا تستهويني حواراتهم فقد شبعت منها منذ أكثر من ١٥ سنة، وقرأت أغلب أدبيات التيار الجهادي والحركي الإخواني، والسلفي، وأصبح لا يستهويني إعادة المعاد، وتكرار المكرر، وبعد إعلان البغدادي الخلافة بقرابة سنة، كنت كلما سألت عن أحد أصحاب هذه النبرة العالية كان يأتيني الخبر أنه التحق به.

 

يعدد ساهر الأسباب التي دفعته لكتابة شهادته، ومنها توسع التكفير، والقتل بالانتساب وباللوازم، فيقول: الأحداث التي سنذكرها لا يقصد من سردها مجرد الحكاية، بل نهدف لتحليل تجربة داعش، وأكثر من ذلك أني سأهدي متابعي هذه السلسلة هدية نادرة؛ حيث سأعرض موقف داعش في بعض الأحداث، وأقارنه بمواقف فصائل أخرى (كأنك تقرأ كتابًا في الفقه المقارن)؛ وذلك كي نتعرف على النتيجة التي جناها كل مسار من هذه المسارات.


السبب الرئيسي وفق قوله، أن المشكلة في عشرات الأوهام والمعلومات المبتورة والإشاعات التي يرددها آلاف حول هذه التجربة (المعارضون والمؤيدون)، المشكلة في سطحية تناول الأحداث، وعدم الغوص في الدوافع والعقائد التي بناء عليها فعل الفاعل فعله.

 

في مقدمته يذكر ساهر أن هذه المذكرات كتبت بعد فترة طويلة جدًّا من رفضي الإدلاء بأي كلمة حول داعش، رغم إلحاح كثير من الإخوة فالإجابة عن السؤال الشهير (ما رأيك؟) لا يمكن تلخيصه في كلمات، أو حتى مقال، فالأمر أعقد من ذلك بكثير؛ الأمر لا يتلخص في (هل) قتلت الدولة فلانًا أم لا؟ هذا السؤال مهم، لكن الأهم: لماذا قتلته؟ هل لأنها تراه مرتدًّا؟ أم لأنه مفسد؟ أم أن الدولة لم تقتله أصلًا وإنما قتله أحد أفراد الدولة؟ وهل هذا القاتل قتل المقتول بناء على أفكاره الشخصية أم بناء على عقائد رسختها داعش في ضميره؟ فرق كبير بين كل إجابة من هذه الإجابات. وأنا أزعم أن هذه الجزئيات غير واضحة لأغلب من يحللون ويكتبون من الطرفين.

 


«من الذي نزع الفتيل؟»..

داعش يقتل بالهوية

 

يبدأ ساهر أولى حلقات كتابه (داعش التي رأيت) بسؤال: هل فعل «داعش» ما فعل لأنه كان يرى أنه على (صواب) والآخرون على (خطأ) فقط؟.. الإجابة: لا .. الأمر أكبر من ذلك.. كان هناك سر آخر خلف كواليس كل تلك الأحداث.. سر اكتشفناه مع الوقت.. إن السر الدفين هو أن نبتة التكفير كانت قد بدأت تترعرع.. طوال هذا الوقت كان عدد ليس بالقليل من رموز داعش يرى أن باقي الفصائل الإسلامية (مرتدون).. لم تكن معركة هذا الخط مع باقي الكتائب الإسلامية معركة (صواب وخطأ) بل كانت معركة (إيمان وكفر).. وانتصر هذا الفكر بعد ذلك، وبدأت مرحلة جديدة هي مرحلة التأصيل العلني لتكفير كل من يقف أمام (تمدد) داعش؛ بدعوى موالاته للكفار.. وتخلص داعش من حيائه في التكفير، وانتقل إلى مرحلة (تأصيل التكفير)، وإصدار بيانات تكفيرية علنية بوضوح (كبيانهم المشهور في تكفير الجبهة الإسلامية).

 

يضرب ساهر مثلًا على تضخم حالة التكفير وتوسعها لدى التنظيم فيقول: دخلت أصلى بأحد المساجد بريف حلب، فإذا بشاب مصري يُدّرس لمجموعة منتخبة من الشباب.. جلست بالدرس وكان رائعًا بحق، وبعد الدرس تعرفت عليه فإذا بالأخ من أبناء مدرسة الإسكندرية، ومن تلاميذ ياسر برهامي، تحدثت معه فأخبرني أنه أتى بتكليف مباشر من الدعوة السلفية، وأنهم أرسلوا عشرات الدعاة وطلبة العلم والأطباء لسوريا، والحق أنني قابلت بعضهم فعلًا، وفوجئت بعد أيام أن داعش دخل هذه المنطقة، وألقي القبض على هذا الشاب، الذي لم يكن أكمل الشهر بعد، فسألوه إلى أي فصيل ينتمي؟ فقال لهم وهو لا يعرف التمايز بين الفصائل: (أحرار الشام)، فقتلوه بدم بارد، على اعتبار أنه مرتد، ومات رحمه الله.

 

يضيف أن أصعب أيام عشتها هي في منطقة الأتارب التي اقتتلت فيها داعش مع الفصائل المسلحة، وكانت أول مواجهة مسلحة مفتوحة بين داعش وكتائب عدةّ، سواء إسلامية أو غير إسلامية، وكنا ننام ونصحو فنجد قتلى بالطرقات لا نعرف من القاتل ومن المقتول وفيمَ قُتل، وانتشر الهلع واختلطت الأوراق، والتزم الناس بيوتهم، ووجد اللصوص ضالتهم في هذا المناخ الهوليوودي، و(بدأ) داعش في استخدام وسائل غريبة جدًّا لتأديب خصومه، كإرساله انتحاريين داخل سيارات مفخخة، ولم يستمع لأي ناصح أو داع للتهدئة، وسواء كنت من محبي الأخ عبدالله المحيسني، أو تتحفظ عليه تبقى شهادة الرجل الشهيرة معبرة جدًّا عن تلك الحقبة الزمنية، وكانت لشهادته أصداء واسعة (وإن كنت لا أوافقه على قليل مما جاء فيها)، وسأقتبس من شهادته بتصرف يسير بعض العبارات التي وصفت حال تلك الأيام بسلاسة أغبطه عليها؛ فقد أغنتني عن كتابة الكثير: جاء ذلك اليوم، يومَ الخميس يومَ بدايةِ الأحداثِ (يقصد أحداث الأتارب) ومن قَدَر اللهِ أن كنتُ حاضرًا لأول طلقةٍ أُطلقتْ في هذه الأحداثِ، فدخلتُ حينها فإذا بأهلِ الأتارب في شدةِ الغضبِ، وأُطلقَ النار باتجاهنا ظنًّا منهم أننا من تنظيم داعش، فدخلتُ فسألتُ: ما الأمرُ؟ عسى اللهُ أن يَحقنَ بي الدماءَ.. فقالوا لي: دخل داعش على الأتارب وأراد اعتقالَ أحدِنا، فقلنا: لا يُمكنُ أن يُؤخذَ إلا عن طريقِ محكمةٍ شرعيةٍ فذهب من جاء منهم، فلما كان من الغد خُطفَ الأخُ المطلوبِ ووجدنا جثتَه، يقولُ أهلُ الأتارب قتلَهُ خطابُ الليبي (من داعش) فقلتُ لهم ألا تنتظرون لعلي أتفاوضَ معهم؟ قالوا: كيف تتفاوضُ معهم وهم في كلِ مرةٍ يرفضون مبادراتك، ويرفضون المحاكمَ الشرعية؟! فخرجتُ حينها هائمًا حزينًا أشكو إلى الله بثي وهمي، فاندلَعَتِ الاشتباكاتُ بالثقيل في الأتارب فانسحب داعش، وبجوار الأتارب (موقع الفوج ٤٦)، وفيه عددٌ من الكتائبِ منها «شهداءُ الأتاربِ»، و«جبهةُ النصرةِ»، و«جبهةُ ثوارِ سوريا»، فاقتحم داعش على الفوجِ فَقُتِلَ من النصرةِ ١٠ وعددٌ من غيرهِم، وعلى إِثْرِ ذلك اتسعتْ رقعةُ المعاركِ ضد داعش لتصلَ جبل الزاويةِ والرقةَ وحماةَ، وكلُ فصيلٍ له في الفوج ٤٦ حقٌّ، اشتبك مع داعش في مناطقَ أخرى (غضبًا لمن قتلتهمُ في الفوج 46)، وهنا جاءت مساندةٌ من داعش للأتارب، وطريقُها يمرُ بكتائبِ نورِالدين زنكي، فرفضَ جنودُ زنكي مرورَ المساندةِ، (قائلين): لا يُمكن أن نسمحَ لكم ولا للجيش الحر بالمرور، فلن نكون جسرًا للفتنة، فأراد داعش الدخولَ بالقوةِ فرفضَ زنكي، وتم الاشتباكُ فاشتعلتْ مناطقُ حلبِ الغربية، بالرغم من كون زنكي له علاقةٌ طيبةٌ بداعش (سابقاً)، وعلى الرغم من أن كتائبَ زنكي كانت معروفةً ببلائها الحسنِ ضد النظام، ثم مع ما كان عندَ الكتائبِ من مظالمَ سابقةٍ مع داعش حاولتْ كلُّ كتيبةٍ أن تَستَرِدَّ مظلمَتَها، وقام كلُّ من له مظلمةٌ سابقةٌ باستردادِ مظلمتِه، فاشتعلت الشام، ثم تسلقَ بعد ذلك السّراقُ والخونةُ وطَفِقَ النظامُ يُشعلُ هنا وهناك فاختلطَ الأمرُ، فليس الأمرُ كما يُصورُ البعضُ (أنها) حربٌ على الإسلام أو على إقامةِ دولةِ الإسلامِ، وإلا فلو كان كذلك فَلِم لم تَحدثْ تلك الأحداث، ولن أنسى ذلك اليوم حينما خطبتُ في جامعِ الأتارب قبلَ الأحداث، فاحتشد الناسُ حولي يشكونَ لي مظالمَ كبيرةً وقعتْ عليهم من داعش، ولا أَملِكُ لهم حولًا ولا قوةً، وإني لأقسمُ بالله لقد رأيتُ مظالمَ يشيبُ لها الولدانُ، ارتُكبتْ مِن قِبَلِ التنظيم في الشامِ، فكم رأينا من معتقلين في السجونِ بلا ذنبٍ أو تُهمة، وكم رأينا قتلًا بالشُّبهة وتصفياتٍ لمعتقَلين، ولعل آخرَها في هذه الأحداث حينما كنت أتفاوضُ لإطلاقِ سراحِ إخوتي أسرى داعش ومبادلتِهم، ففوجئتُ بقاضي التنظيم يقولُ: قد اجتهدنا فصفّيناهم، فَصُعِقْتُ من هذا الكلام، وقلتُ: هل ترونهم مرتدين؟ قال: لا، لكن اجتهدنا في ذلك، قلت: وإخوانُنا الأسرى الذين نريدُ أن نبادلَ بهم ما حالهم؟ فقال هذا اجتهادُناوليست أحداثُ قصفِ مدينةِ عويجل بقذائفِ الهاونِ وقتلِ النساءِ والأطفال منا ببعيد، وقد وقفت على ذلك بنفسي، وحين قلتُ لقادةِ داعش: كيف تضربون الناسَ بالمفخخاتِ، والله يقول ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا))؟! فقال: مفخخةٌ واحدةٌ تقتلُ عشرين يعصمُ اللهُ بها المئات!، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

يكمل ساهر نقله لشهاد المحيسني، قائلًا: أطلقت (مبادرة الأمة)، فأيدها أبوقتادةَ الفلسطيني وأبومحمدِ المقدسي ود.إياد قنيبي، ود.يوسف الأحمد ود.أكرم حجازي والشيخ حسين محمود وغيرُهم، ثم أعلنتِ الجماعاتُ المختلفةُ بصالحِها وطالحِها القبولَ بشرعِ الله حكمًا بينها؛ لكنهم رفضوها، فاتّسعَت رقعةُ القتالُ، وبدأتِ الأخبارُ تُشاعُ، والأكاذيبُ تُذاعُ، بأن هناك أخواتٌ يُغتصَبن، ويعلمُ اللهُ لقد ذهبت في أكثرَ من موقفٍ فوجدتُ الأمرَ مجردَ شائعةٍ لا وجود لها، وربما وقعت بعضُ الأمورِ والأحداثُ، ولكن الحديثَ عنها يتمُّ بطريقة يُرادُ منها تجييشُ الشبابِ؛ للانخراطِ في اقتتالِ المسلمين فيما بينهم، فأصبح كلُّ من أراد التورُّعَ وأحجم عن القتالِ يقالُ له: كيف تخذلُ إخوانَك وكيف تتركُ أخواتِك يُغتصبن؟!، ولما دعونا الناسَ لاعتزالِ الفتنةِ فإذا بالمفخخاتِ تضربُ في أماكنَ عامةٍ، والذي نفسي بيده لقد وقفتُ بنفسي على كثير منها، على مفخخةٍ في دركوش انفجرتْ في مكانٍ عامٍ، فسألتُ واليَ داعش قلت: من استهدفتم؟ قال: قتلت 30 من خصومِنا.. فذهبت رغم المخاطرة ووقفتُ بنفسي عليها فإذا بها لم تَقتلْ سوى من فجَّر نفسَه ورجلًا من عامةِ الناسِ، وجرحتْ 4 أطفالٍ، ومثلُها وقفتُ عليها في «كفر ناها»، التي قُتلَ فيها طفلٌ ومن فجر نفسَه، وأخرى في «كفر جوم» قُتل فيها من فجر نفسَه فقط!، يا الله ماذا سيفعلُ من فخَّخَ ومن فجّرَ ومن أرسلَ ومن أيّد.. ماذا سيفعلون بـ«لا إله إلا الله» إذا جاءتهم يوم القيامة؟! ماذا سيقولون لذلك الطفلِ الصغير، ولذلك الشيخِ الكبير، ماذا سيقولون للنفوسِ الزكيةِ المعصومةِ التي ضربتها تلك المفخخةُ بلا ذنب!.

 

متواليات القتل والتكفير

القتل بالانتساب والهوية، والقتل بمتواليات التكفير وقاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر)، والقتل باللوازم وبالموالاة، هي أهم القواعد التي أطلقها داعش وتوسع فيها، وهذا ما ذكره ساهر في كتابه أيضًا.

 

يقول أحمد ساهر:  أحد أشهر الملاحظات التي أفزعت أهل الشام من داعش أيضًا هو القتل بـ(الانتساب)، وهذه نقطة شديدة الحساسية، وتحتاج إلى توثيق خاص، فمثلًا: أنت أخ من جماعة «صقور الشام»، وصقور الشام كانت بجوار الجيش الحر في الأحداث، وهم يحكمون على الأخير أنه صحوات مرتد، ومن ثم فحكم جماعة الصقور مثلهم، وهذا الذي فعلوه بعد ذلك بأخ مصري اسمه أحمد عندما اقتحموا مقرات الأحرار بالمنطقة الشرقية، وكان قد قدم من مصر منذ أيام فقط ولا يعرف شيئًا عما يحدث، وكان محفظًا للقرآن ومعلمًا لا علاقة له بالقتال، وقد وضح لهم ذلك، لكنهم قتلوه لمجرد انتمائه للأحرار المرتدين عندهم.

 

مسارات التكفير

هناك مسارات للتكفير تحدث عنها ساهر، اتخذها داعش طريقاً للقتل والتفجير؛ حيث قال ظهر جليًّا أننا أمام مسارين في المناطق التي تم تحريرها من سيطرة الجيش السوري؛ الأول: يمكن تسميته بـ(التطهير الداخلي الفوري)، وهذا اختاره داعش، ويقتضي القضاء العاجل على العملاء والجواسيس، والحق أن أغلب من اتهمهم داعش بهذه التهم (في البداية) كان ينطبق عليهم هذا الوصف ووضعت كلمة (في البداية) بين قوسين؛ لأنها توسعت بعد ذلك في إلصاق هذه الأوصاف توسعًا عجيبًا هيج الجميع ضده.

المسار الثاني: وهو مسار جميع المجموعات الأخرى تقريبًا، ويرى أن التطهير الداخلي له فاتورة باهظة؛ حيث أغلبهم له جبهات مثل:

•عصب عشائرية ولاؤها للقبيلة والمساس بأحد أبنائها ربما أقام القبيلة كلها.

• أو عصابات مفسدة سارقة مسلحة تلبس لباس المجاهدين وتظهر بصورة الكتائب الثورية.

• أو شوكات وعُصب ثورية حقيقية مدعومة ومسلحةً غربيَّا، ويجري إعدادها لاستلام البلاد بعد سقوط النظام.

هنا أتت واحدة من اللحظات الفارقة، لحظة تحول كبيرة في تاريخ الأزمة السورية ومفترق طرق أدى لانفجار أحداث عدة، فداعش اختار التخلص الفوري من (العدو القريب)، بينما اختارت باقي الفصائل الفراغ من (العدو البعيد).

وتلحق بهذه النقطة نقطة أخرى شديدة الالتصاق: هل نبدأ (الآن) بتطبيق الحدود أم نتمهل؟ ومرة أخرى رأى داعش ضرورة استعجال هذه اللحظة، بينما رأى الآخرون أن الوقت لم يحن بعد، ومن ثم فإن المكون الفكري والشرعي لشباب داعش في جزئية (استقرار وأمن المناطق المحررة)، كان يدفعهم تجاه فكرة واحدة هي: تأسيس دولة مستقلة والانفصال بها، ومن هنا قتلوا كل من يعارضهم، أو ينتمي لفصيل آخر، مثل صائد الدبابات محمد فارس؛ بتهمة أنه كان شيعيًّا، رغم أنه لم يكن كذلك.

يضيف ساهر: لا أنفي أن (بعض) خصوم داعش، خاصة من الجيش الحر، توسعوا في قتل عناصر التنظيم بطريقة غير شرعية، بل اشتهر أن بعض مجرمي الجيش الحر صار يقتل كل مهاجر ظنًّا منه أن المهاجرين كلهم في صفه، حتى كنت أتواصل مع بعض إخواني المهاجرين فيخبروني أنهم يختبئون في أماكن سرية؛ كي لا يقتلهم أعداء داعش.

الأسباب التي ذكرها ساهر لرفض تنظيم داعش كثيرة، أهمها: (التحكم والاستعلاء - التحريض غير المباشر والشحن العقدي والنفسي لأعضائها -  التكفير.

عن النقطة الأخيرة، ذكر قائلًا: لا زلت أذكر أول تلك المشاهدات «المضحكة المبكية»، حكاها لي أحد الإخوة الثقات وكان شاهد عيان على بعض تفاصيلها (أمر أحدُ الشرعيين بداعش أحدَ الآباء (منتسب للتنظيم أيضًا) أن يُفَرِّق بين ابنته وزوجها (زوجها هذا هو صديق صديقي الذي يروي القصة)؛ لأن زوجها هذا مرتد فقد شارك في الانتخابات المصرية! وبالفعل امتثل الأبُ لأمر ذلك الشرعي، ومنع ابنته من زوجها، ولم تَعُد له حتى وَقَّع الزوج على ورقة استتابة! كما هناك فصائل قليلة جدًّا بالشام، يأذن لها داعش بالمرور على أراضيه، مثل: جند الأقصى - الفجر - جيش المهاجرين والأنصار، ويرأسه صلاح الدين الشيشاني، وقد اندمجت تحته الكتيبة الخضراء، ثم اجتمعت هذه الفصائل في تجمع أطلقوا عليه (أنصار الدين)، أما الباقون فكلهم مرتدون.

الخلاصة، هي أن «داعش التي رأيت»، مذكرات مهمة، تعد من أولى الشهادات الحية عن شخص اقترب من هذا التنظيم؛ لأنها تشرح وتفصل بالضبط عن طريق عقد مقارنة بينه وبين الفصائل الأخرى، كيف تطور التوسع بالتكفير، حتى وصلنا إلى النسخة الحالية من التنظيم؟


"