رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

الإرهاب.. «شوكة» فى ظهر التعاون «العربي ـــ الأفريقي»

الجمعة 28/ديسمبر/2018 - 12:53 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة

تتميز العلاقات العربية ــ الأفريقية بأنها ممتدة ومترابطة طوال التاريخ، متميزة بثرائها الاجتماعي والسياسي والثقافي في جميع الحقب التاريخية الممتدة، فقديمًا قبل ظهور الإسلام كانت للعرب تجارة واسعة في شرق أفريقيا والحبشة.


وشكلت المدن الواقعة على طول ساحل البحر الأحمر مراكز للاتصال والتواصل والتبادل التجاري والاجتماعي الثقافي بين العرب والأفارقة([1])، وما لبث أن جاء الإسلام حتى كان لشرق أفريقيا حظٌّ وسببٌ في انتشاره، ففي البداية كانت هجرة المسلمين الأولى إلى أرض الحبشة التي مثلت الحاضنة الأولى للإسلام، وما لبث أن انتشر الإسلام في أقاليم القارة الأفريقية كافة؛ إذ لم يكد يمر القرن الأول من ظهور الإسلام حتى كان قد انتشر في شمال أفريقيا، ثم امتد بعد ذلك إلى مناطق غرب القارة([2])، كما أن منطقة شرق أفريقيا الممتدة على طول ساحل المحيط الهندي شكلت تفردًا خاصًّا في العلاقات العربية ــــ الأفريقية؛ حيث شكلت الممالك التي تكونت على جانبي المحيط الهندي وبحر العرب نموذجًا خاصًّا للعلاقات الأفروعربية، خاصةً مملكة البوسعيد في سلطنة عمان وزنجبار.


الإرهاب.. «شوكة»

وفي الفترة التي أعقبت موجة الاستقلال في ستينيات القرن العشرين وصل التعاون العربي ــــ الأفريقي ذروته في منتصف السبعينيات؛ إذ عقد مؤتمر القمة العربي ــــ الأفريقي في القاهرة عام 1977، ومنذ ذلك التاريخ شهدت العلاقات العربية ـــــ الأفريقية العديد من المراحل من الجمود إلى التأزم في بعض مواقفها؛ حتى لاح للبعض أن تحقيق التعاون بين الجانبين أصبح صعب المنال في الفترة المقبلة؛ وذلك بسبب العديد من العوامل السلبية، أبرزها الإرهاب، وهو ما سيتم توضيحه كالتالي:


توطن الإرهاب:

استوطن الإرهاب 3 أقاليم أفريقية بدأ من شمال أفريقيا، ثم شرق أفريقيا، وأخيرًا غرب أفريقيا، ومن خلال عملية التأصيل التاريخي للإرهاب في أفريقيا نجد أن الجماعات الإرهابية انطلقت حركيًّا وفكريًّا من شمال القارة؛ حيث الدول العربية، وتمددت إلى دول جنوب القارة.


وتزخر دول شمال أفريقيا، مثل مصر والجزائر بخبرة طويلة في كيفية مواجهة الجماعات الإرهابية المسلحة، سواء كان ذلك فكريًّا أو أمنيًّا، فخلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، عانت الدولتان من الهجمات الإرهابية المتكررة، ونجحتا بعض الشيء في مواجهة هذا الخطر، ما حدا بالجماعات الإرهابية أن تستغل الدول الأفريقية جنوب القارة، ميدانًا لعملياتها المسلحة ضد تلك الدول، فكانت محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق «حسني مبارك» في أديس أبابا عام 1995، أثناء حضوره القمة الأفريقية في أديس أبابا.([3])


وتركت حادثة أديس أبابا أثرًا سلبيًّا في العلاقات العربية ـــــ الأفريقية، إذ أخذت السياسة الخارجية المصرية في تهميش الدائرة الأفريقية من حساباتها الخارجية لصالح دوائر أخرى، مثل حوض البحر المتوسط والعلاقات مع الولايات المتحدة.([4])


وشكّل السودان أيضًا رقمًا سلبيًّا في إطار العلاقات العربية ـــــ الأفريقية؛ إذ إن المجموعة الإرهابية التي حاولت اغتيال الرئيس المصري الأسبق انطلقت من السودان وبرعاية مسؤولين في الإدارة السودانية، كما وفد السودان في فترة التسعينيات الملاذ الآمن للعديد من الجماعات الإرهابية العالمية، مثل تنظيم القاعدة برئاسة «أسامة بن لادن» الذي كان مقيمًا في الخرطوم ([5]). 


وشكّل وجود تنظيم القاعدة في السودان ضررًا كبيرًا بدول الجوار الأفريقي للسودان؛ إذ استخدم السودان كمسرح لعمليات التنظيم، وهو ما اتضح في عملية تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام  في أغسطس 1998([6])، وهو ما أدى إلى قيام الدول الجوار السوداني، مثل كينيا وأوغندا بدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان في  إطار حربها مع الحكومة السودانية؛ ما أدى في النهاية إلى انفصال جنوب السودان في يوليو 2011.


وتوازيًا مع تحركات «القاعدة» في السودان تجاه دول الجوار كانت الساحة الجزائرية تعج بالأحداث الإرهابية، التي تعرف باسم العشرية السوداء، والتي كانت تقوم بها «الجماعة الإسلامية المسلحة» وبعد انقضاء فترة العشرية السوداء تحولت بقايا تلك الجماعة لتنزوي تحت لواء تنظيم القاعدة بمسمى جديد، وهو «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وحرك التنظيم الجديد عملياته ضد دول شمال وغرب أفريقيا مثل تونس والجزائر وموريتانيا ومالي وبوركينافاسو([7]).


ما لبث أن انشق عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تنظيم إرهابي آخر وهو «حركة التوحيد والجهاد» ([8])  متخذًا من منطقة شمال مالي ميدانًا لانطلاق هجماته المسلحة والإرهابية، ونجح التنظيم بمساعدة تنظيم آخر وهو «أنصار الدين([9])» وقبائل الطوارق في السيطرة على منطقة شمال مالي، وإعلان قيام دولة الأزواد، وتهديد العاصمة المالية بماكو؛ وهو ما استدعى في النهاية التدخل الفرنسي في مالي 2013 من أجل القضاء على الدولة الوليدة المزعومة، وطرد الجماعات المسلحة من شمال مالي([10]). 

الإرهاب.. «شوكة»

أما في شرق أفريقيا، فقد نشطت حركة شباب المجاهدين (تنتمي إلى تنظيم القاعدة)، في الصومال، ولم تكف عن توجيه ضرباتها إلى الشعب الصومالي أو دول الجوار، مثل كينيا وإثيوبيا، ومن أبرز الهجمات التي قام بها التنظيم في الفترة الأخيرة الهجوم على جامعة «جارسيا» في كينيا، والذي أدى إلى مقتل 179 شخصًا في مارس 2015.([11])


وتعتبر منطقة البحر الأحمر من المناطق الحيوية التي ينشط فيها تنظيم القاعدة، من خلال وجود عناصره بكثافة وقوة في جنوب اليمن وفي الصومال، ومن ثم نجد أن التنظيم نجح في فرض «كماشة» على منطقة القرن الأفريقي؛ الأمر الذي أدخل المنطقة في العديد من الأزمات الأمنية، أبرزها عمليات القرصنة قرابة الساحل الصومالي.


ورغم التهديدات الكبرى في منطقة القرن الأفريقي، ومضيق باب المندب، وخليج عدن، فشلت الدول العربية والأفريقية في إنتاج آلية مشتركة يمكن من خلالها إعادة ضبط المنطقة، وفرض الأمن وطرد العصابات والمجموعات المسلحة من المنطقة، وتركت المنطقة بأسرها تتلاعب بها القوى العالمية كافة، فللولايات المتحدة وفرنسا وإيران والصين، وغيرهم من الدول وجود أمني وعسكري في تلك المنطقة.


وبالتأكيد فإن استمرار الوضع كما هو عليه بين الدول العربية والأفريقية أمر غير مجدٍ بالنسبة للطرفين، بل يساعد على تهديد الأمن القومي للدول العربية والأفريقية على حد سواء؛ لذا يجب اتباع استراتيجية مناسبة يمكن من خلالها تعزيز العلاقات العربية الأفريقية، وذلك من خلال النقاط التالية:


1ـ  تعزيز أسلوب الشراكة والتعاون في حل الخلافات: فيما سبق تم استعراض العديد من الخلافات والأزمات بين الدول العربية والأفريقية التي يجب حلها في إطار من التعاون والشراكة، فمثلًا مشكلة مياه النيل وسد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا يمكن من خلال التعاون البناء بين جميع الأطراف التوصل إلى صيغة مناسبة، تتضمن الحقوق التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل، وتضمن لإثيوبيا ودول المنابع الحق في التنمية.


ولتحقيق هذا المبدأ «التعاون والشراكة» ينبغي على إثيوبيا الاعتراف بحقوق مصر والسودان في مياه النيل، ومدى الأهمية المصيرية التي يتمتع بها نهر النيل بالنسبة للدولتين، ويمكن بناء الشراكة، من خلال العديد من المراحل، فمثلًا في المرحلة الأولى (الشراكة الأمنية) تواجه إثيوبيا العديد من الاضطرابات الأمنية التي تمثلها الجماعات الإرهابية (حركة شباب المجاهدين في الصومال)، ولتحقيق الشراكة الأمنية في هذا المجال يمكن استحداث تعاون مصرى ـــ إثيوبي من خلال نقل الخبرات الأمنية المصرية لمواجهة الجماعات الإرهابيَّة، أما في المرحلة الثانية (الشراكة التنموية) فيمكن تحقيقها من خلال تشجيع الاستثمار المتبادل بين الجانبين في مجالات محددة مثل الطاقة من خلال تشجيع إثيوبيا على إقامة محطات لتوليد الكهرباء بالغاز، بدلًا من اعتمادها على محطات الكهرومائية التي يتم بناؤها في السدود على الروافد الرئيسية لنهر النيل، ويمكن استغلال اكتشافات الغاز الطبيعي في مصر حاليًّا؛ من أجل الترويج لمد إثيوبيا بالغاز اللازم لتشغيل محطات الكهرباء.


2 ـ تعزيز التعاون الأمني في منطقة الساحل والصحراء: يجب على دول منظمة الساحل والصحراء ترقية عملية التعاون الأمني بين تلك الدول؛ لضرب تحركات الجماعات الإرهابية، وعدم توفير ملاذات أمنة لتلك الجماعات في الصحراء الكبرى، وذلك من خلال:


تمتع الدول الأعضاء كافة بحق المطاردة الساخنة للجماعات الإرهابية، أي أن من حق أي دولة في المنظمة مطاردة الجماعات الإرهابية، حتى لو اخترقت حدود دولة أخرى؛ الأمر الذي يسمح للدول المجاورة لليبيا ومالي دخولهم وضرب الجماعات الإرهابية، إن اقتضت الضرورة، وسبق لمالي أن منحت الجزائر حق المطاردة الساخنة للجماعات الإرهابية على أراضيها.([12])


* تحقيق التبادل المعلوماتي بين جميع الدول فيما يخص الإرهاب والجماعات الإرهابية المنتشرة في المنطقة

للمزيد: قراءة في مستقبل الإرهاب العالمي بعد انهيار «داعش»


 



[1] ـ عبدالله سالم بازينة، انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء (مصراتة : جامعة 7 أكتوبر، الطبعة الأولى، 2010) ص ص 48 ـ 49.

[2] ـ المرجع السابق، ص 69.

[3] - محمد سالمان، «محاولة اغتيال مبارك.. أسرار لم يدفنها الزمن.. أصابع الاتهام تشير إلى تورط السودان.. وتسجيل الترابى يؤكد عدم علم البشير بالعملية.. والرئيس الأسبق يروى التفاصيل بنفسه»، اليوم السابع، 4 يوليو 2016،

 http://www.youm7.com/story/2016/7/4/محاولة-اغتيال-مبارك-أسرار-لم-يدفنها-الزمن-أصابع-الاتهام-تشير/2787368

[4] ـ شريف الغمرى، العودة إلى أفريقيا، صحيفة الأهرام،  29 يناير 2015،

http://www.ahram.org.eg/NewsPrint/356935.aspx

 

[5] ـ العربية نت،  «الترابي: بن لادن جاء للسودان كمستثمر وكراهيته لأمريكا لها أسباب شخصية»،

http://www.alarabiya.net/articles/2010/12/31/131611.html

[6]  - محمد السيد سليم، تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين (القاهرة: دار الفجر الجديد للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 2008) ص 680.

[8]  بوابة الحركات الإسلامية، «كتيبة المرابطين في مالي.. منتخب الجهاديين الأفارقة»، 23 ديسمبر 2014، متاح على الرابط التالي: http://www.islamist-movements.com/13382

[9]  بوابة الحركات الإسلامية، حركة «أنصار الدين».. طالبان مالي، 23 سبتمبر 2014، متاح على الرابط التالي:  http://www.islamist-movements.com/3483

[10] - عبير شليغم، التدخل الفرنسي في مالي: البعد النيوكولونيالي تجاه أفريقيا (القاهرة: المركز العربي للبحوث والدراسات، 15 فبراير 2015) متاح على الرابط:  http://www.acrseg.org/36650

[11] - BBC News, Kenya attack: 147 dead in Garissa University assault, at http://www.bbc.com/news/world-africa-32169080

 

[12] - هيام لعيون، مالي تمنح الجزائر حق المطاردة «الساخنة'» للإرهابيين الفارين من أراضيها، موقع جزايرس، متاح على الرابط التالي:  https://www.djazairess.com/elhiwar/26507

 

"