رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

من كوريا الجنوبية.. الأزهر له دور رسمي هناك والدولة تحارب التطرف وتدعم الصوفية

السبت 29/ديسمبر/2018 - 06:24 م
المرجع
محمد عبد الغفار
طباعة

تُعد منطقة شرق آسيا (الشرق الأقصى)[1] من المناطق الواعدة والرائدة سياسيًّا واقتصاديًّا؛ حيث تمتلك تلك الدول قدرات اقتصادية قوية ومتطورة، كما أنها تعد فاعلًا سياسيًّا مهمًا في الحياة السياسية العالمية، إضافة إلى امتلاكها علاقات قوية مع مختلف دول العالم.


ومنطقة شرق آسيا تتميز أنها لم تشهد وجود أي تنظيمات تابعة للقوى الإسلامية الحركية باستثناء الصين، على الرغم من أنها تعد قبلة لسفر العديد من المسلمين، سواء كان ذلك بغرض العمل في المصانع ونظرًا لحاجة تلك الدول إلى القوى العاملة، أو بغرض السياحة، إضافة إلى تحول عدد من مواطني تلك الدول إلى الدين الإسلامي، نظرًا لما يتمتع به من قدرات روحية تساعدهم في مواجهة الفكر المادي المسيطر على الحياة هناك.


وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك مؤشرات متزايدة تشير إلى أن تلك المنطقة سوف تكون محلًا لظهور التنظيمات الراديكالية الإسلامية، وذلك بسبب اهتمام عدة دول ذات الأفكار الدينية المغلوطة بنشر معتقداتها هناك، إضافة إلى وجود أزمات فعلية للمسلمين في بعض تلك الدول، مثلما هو الحال في الصين.


للمزيد: كوريا الشمالية.. مسجد شيعي بالداخل وتعاون مع التنظيمات الإرهابية في الخارج

من كوريا الجنوبية..

طبيعة الوضع الإسلامي في كوريا الجنوبية

وعليه فالمرجع يستعرض من خلال هذه الدراسة طبيعة الوضع الإسلامي في تلك الدولة، كمحاولة لكشف أوضاع المسلمين بها، خصوصًا وأن المعلومات الواردة باللغة العربية نادرة في هذا المجال، كما أن تلك المعلومات سوف تساعد في فهم طبيعة المجتمعات، ما يساعدنا في فهم إمكانية ظهور جماعات الإسلام الحركي الإرهابية بتلك الدول.


وفي هذه الدراسة، سيتم تناول وضع الدين الإسلامي في كوريا الجنوبية؛ حيث يوجد الدين الإسلامي بنسبة ضئيلة، ففي عام 2005، أصدرت الدولة الكورية بيانًا بالديانات الموجودة بالدولة، ولم تدرج الدين الإسلامي ضمن تلك القائمة، وحاليًا، بلغ عدد المسلمين في كوريا الجنوبية نحو 200 ألف مواطن، أو ما يقرب من 0.4% من نسبة السكان داخل الدولة، والعديد منهم هم مهاجرين من دول إسلامية أو يوجد بها الإسلام بنسبة كبيرة، بينما يكمن بعضهم الآخر في الكوريين الذين يتحولون إلى الدين الإسلامي.([2])


ويرجع قلة عدد المسلمين في كوريا الجنوبية إلى عدم معرفة الكوريين بالقواعد الصحيحة للدين الإسلامي، وكذلك سيطرة أخبار جماعات الإسلام الحركي مثل القاعدة وداعش على الإعلام في كوريا الجنوبية، ما أدى لتكوين صورة سلبية عن الإسلام فيها، وكذلك قيام بعض المجموعات الدينية غير الإسلامية بالتحذير من خطر المسلمين، والتحذير من خطر نشر الطعام الحلال وأسلمة الأسر من خلال الزواج من الفتيات الكوريات، وكلها عوامل ساهمت في زيادة خوف الكوريين من الدين الإسلامي.([3])


وعلى الرغم من ذلك، تحتوي كوريا الجنوبية على 8 مساجد، وعدد قليل من المراكز الإسلامية، وتنتشر في أماكن مختلفة داخل كوريا، ومنها العاصمة سول، وبوسان ومناطق أخرى، وتسمح تلك المساجد والمراكز لغير المسلمين بالدخول؛ للتعرف على الفعاليات والأنشطة بالداخل، ولكن مع ارتداء الملابس المناسبة لها كمؤسسات دينية.([4])


وتشير التقارير الرسمية إلى أن الحكومة الكورية الجنوبية قامت بإنفاق 200 مليون يوان، وهو ما يوازي 175 ألف دولار، وذلك بهدف إنشاء أماكن مناسبة لصلاة المسلمين في الأماكن السياحية، وهي عبارة عن غرف مصممة على هيئة مسجد، وتهدف كوريا الجنوبية إلى جذب المزيد من السياح المسلمين إليها.([5])


للمزيد: اهتمام الجامعات اليابانية بالإسلام.. أسباب اقتصادية أم دوافع ثقافية؟

من كوريا الجنوبية..

إسهامات عربية 

وساهمت بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية في نشر الدين الإسلامي في كوريا الجنوبية؛ حيث قدمت السعودية منحًا تعليميًّا للجيل الأول من المسلمين الكوريين، مثلما حدث مع «عبدالرحمن لي جو هوا»، أول إمام كوري جنوبي، والذي درس الإسلام في جامعة المدينة المنورة، بناءً على بعثة سعودية.([6])


ولم تقدم المملكة العربية السعودية منحًا دراسية فقط، ولكنها ساهمت في نشر الدين الإسلامي من خلال بناء المساجد الدينية، مثل مسجد وسط سول The Seoul Central Mosque، والذي يقع في وسط العاصمة الكورية سول، وهو أول مسجد قائم في كوريا الجنوبية، وتم بناؤه في عام 1976.


ويلتحق بالمسجد مدرسة الأمير سلطان الإسلامية في الدورين الثاني والثالث، التي يشرف عليها المركز البحثي الإسلامي، وتقدم الخدمات الدينية بثلاث لغات، هى العربية والإنجليزية والكوربية، ويتضمن المسجد أيضًا قاعة للاجتماعات.


كما ساهمت دولة ليبيا في بناء مسجد بوسان الفاتح Busan Al-Fatah Mosque، والذي يعد ثاني مسجد في كوريا الجنوبية، وتم بناؤه في عام 1980، من خلال دعم مالي ليبي عبر وزير المالية السابق على فلاق، ويتضمن المسجد بجوار قاعة الصلاة، دروس لتعلم الكمبيوتر، واللغة العربية، واللغة الإنجليزية، ودروس في الدين الإسلامي؛ لتعليم العامة عمومًا والمسلمين خصوصًا المزيد حول دينهم.


ويلاحظ في المسجد أنه لا يعقد تلك الدروس الدينية تحديدًا في يوم الجمعة، ولكنه يعقدها خلال يوم الأحد، في الفترة من الحادية عشر صباحًا، وحتى منتصف الليل، وذلك حتى يكون الموعد مناسبًا لكافة الكوريين الجنوبيين، وليس فقط المسلمين، وهذا جزء من أهداف المسجد المعلنة.


ويعد المسجد هو المركز الإسلامي الوحيد في بوسان، وكذلك هو المركز الإسلامي الأكبر شمال شرق كوريا الجنوبية، لذا فهو يخدم عدة محافظات في هذه المنطقة مثل بوسان، ودايجو Daegu، وأولسان Ulsan، ويتم زيارته من خلال 25 ألف مسلم كل عام، ويضم المسجدة عدة أدوار، فهناك مسجد للرجالة في الدور الثاني، وآخر للنساء في الدور الثالث، ومطعمًا تركيًا للأكل الحلال.([7])


وهناك عدة مراكز إسلامية، تسيطر عليها عدة دول أو منظمات عالمية، مثل مركز المنهاج الإسلامي Minhaj Islamic Centre في مدينة سوون Suwon في شمال غرب كوريا الجنوبية، وتم تأسيسها من خلال منظمة منهاج القرآن العالمية، التي يشرف عليها الدكتور محمد طاهر القادري، من أبرز الشخصيات الصوفية في باكستان.

من كوريا الجنوبية..

الأزهر هناك

كما ترتبط منظمة منهاج القرآن العالمية بعلاقة وطيدة بالرابطة العالمية لخريجي الأزهر؛ حيث تشرف على فرع الرابطة في باكستان، والتي تم افتتاحها في عام 2010 برعاية من الشيخ أحمد الطيب، رئيس الجامعة آنذاك، وتهدف المنظمة إلى نشر الفكر الأزهري الوسطي في مختلف دول العالم، وذلك من خلال طلاب الأزهر في تلك الدول..


ويعمل مركز المنهاج الإسلامي على نشر ومواعيد الدروس الدينية التي يتم عقدها في المركز، ودروس لتعليم القرآن الكريم، وبث حي لها، ويهتم المركز ببث دروس الشيوخ الذين ينتمون للرابطة العالمية في مختلف دول العالم، وهذا يدل على أن المركز يعمل على تحصين كوريا الجنوبية من الفكر المتطرف عن طريق الأفكار الصوفية.


وهناك جمعية الطلاب المسلمين في كوريا الجنوبية Muslim Student Association in Korea MSAK، وهي منظمة غير ربحية، تضم الطلاب في المرحلة الجامعية ومختلف المراحل التعليمية؛ بهدف ربط هؤلاء الطلاب المسلمين جنبًا إلى جنب، إضافة إلى تنظيم محاضرات ودعوات عن الدين الإسلامي وعلومه المختلفة، بهدف تقديم العلم الديني الصحيح إلى المسلمين.


ولا يقتصر عمل جمعية الطلاب المسلمين على تعليم العلوم الدينية، كما يظهر على صفحتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث تعمل على تقديم درس للغة العربية والإنجليزية والكورية، إضافة إلى دروس في الجوانب الأكاديمية مثل كتابة الأوراق العلمية، واستضافة علماء الدين من مختلف الدول.


وعلى الرغم من صعوبة تحديد الاتجاه الفكري للجمعية؛ حيث لا تعلن عن ذلك بصورة واضحة، فإن تتبع طبيعة هؤلاء العلماء يمكننا من التعرف على ذلك؛ حيث استضافت الجمعية الدكتور أنيس محمد، وهو أول عميد لكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان، التي عمل بها شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب، وترتبط بعلاقات علمية وطيدة بجامعة الأزهر وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.


وتعمل المنظمة على تنظيم بعض الأنشطة الخيرية، وهى تختلف عن غيرها من الجمعيات في تلك المناطق؛ حيث تعلن بوضوح عبر صفحاتها الرسمية عن طبيعة تلك الأنشطة، والجهة المستفيدة، وتظهر صورًا مختلفة للفعاليات، مثلما فعلت في 15 من أغسطس من عام 2018؛ حيث عقدت فعالية لجمع التبرعات للمواطنين اليمنيين في جزيرة جيجو الكورية، والذين عانوا من من ويلات الحرب اليمنية، وعرضت المنظمة نحو 20 صورًا لأحداث الحملة.


وهناك المركز الإسلامي الكوري في ديجون Korea – Islamic Center of Daejon ICD Masjid، ويقع في مدينة ديجون بوسط كوريا الجنوبية، وهى خامس أكبر مدينة بالدولة، ولا يظهر المركز الكثير من المعلومات عن طبيعة تمويله، إلا أنه يهتم بنشر الأحاديث الدينية باللغات العربية والإنجليزية والكورية، على صفحته الرسمية بـ فيس بوك، كما ينشر بثًا حيًّا للدروس الدينية بالمركز، ولكنها تنشر باللغة الكورية فقط.


وتأتي أهمية المركز أنه يأتي في مدينة مكتظة بالجامعات ذات الشهرة العالمية، ومعاهد البحوث، لذا فهو قبلة لمختلف الطلاب من الدول الإسلامية، لذا يهتم المركز بتوفير أماكن للصلاة، ومطعم للوجبات الحلال، وتقديم الأموال والمعونات المادية كخدمة لهؤلاء الطلاب، حتى يستطيعوا الحياة في كوريا الجنوبية.



ومن اللافت للنظر، أن المركز يرفق صورًا للمساجد والمعالم الدينية المصرية الشهيرة فيما ينشره على صفحته الرسمية بموقع فيس بوك، ففي 21 من مايو من عام 2018، واحتفالًا ببدء شهر رمضان، وضع المركز صورة لمسجد محمد علي في المقطم، وهذا امتداد لتأثر المساجد والمراكز الدينية في كوريا الجنوبية بالفكر الإسلامي بناءً على وجهة النظر المصرية النابعة من الأزهر الشريف، كما يبدو على هيئة الحضور في المسجد أن أغلبهم ينتمون لدولتي الهند وباكستان.


وهناك مركز جيجو الإسلامي Jeju Islamic Center، والواقع في مقاطعة جيجو جنوب كوريا الجنوبية، وتم إنشاء المركز في عام 1994، من خلال كيم دي يونج، كان يسمي بالمركز الإسلامي الثقافي بجيجو، ولكن في عام 2014، قام الدكتور عبد الطيب محمود، حاكم ولاية سرواك الماليزية، والذي اتهم في قضايا فساد في مارس من عام 2014، بتغيير اسم المركز إلى الاسم الحالي.


وكيم داي يونج، الذي يعد مؤسس المركز، قد ذهب إلى قطر في عام 1980، ومكث بها لمدة 12 عامًا، درس بها الشريعة لمدة 6 سنوات في جامعة قطر، كما قام بتقديم دروس في فنون الجودو للشرطة القطرية والأجهزة الأمنية المختلفة في قطر، وزار 320 مدينة في 85 دولة حول العالم؛ للتعرف على الثقافة الإسلامية.


وتظهر الصفحة الرسمية للمركز على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، سيطرة كيم داي يونج على مجريات الأمور داخل المركز؛ حيث يظهر في الفعاليات والأنشطة كافة التي يشرف عليها المركز، ويغلب على تلك الأنشطة الطابع الديني التام، من خلال إقامة الصلاة، والدروس الدينية، وتناول وجبات الإفطار مع زوار المركز، والذي يغلب عليهم المظهر الاندونيسي.


ويتضح من الدراسة أن كوريا الجنوبية ربما تكون قد أيقنت خطر جماعات الإسلام الراديكالية، التي تدين بالأفكار الإرهابية المتطرفة، لذا سمحت بانتشار المراكز والمساجد الإسلامية ذات الطابع المعتدل، التي تعتمد في مرجعيتها على أفكار مؤسسة الأزهر، منارة الوسطية في العالم الإسلامي، وذلك بصورة غير مباشرة، إما عن طريق جماعات على علاقة بمشيخة الأزهر، أو من خلال السماح لأفراد درسوا بالأزهر بتحمل مسؤولية تعليم المسلمين بها.


للمزيد: المسلمون في اليابان.. مشهد معقد وتبرعات مجهولة المصدر


كما أن السماح لمنظمة ذات مرجعية صوفية بالوجود بصورة قانونية في كوريا الجنوبية، يشير إلى فهم الدولة الكورية لأهمية الفكر الصوفي الوسطي في مواجهة الأفكار المتطرفة للجماعات الراديكالية الأخرى؛ حيث يغلب على الفكر الصوفي الطابع الروحي، وقبول الآخر، ورفض تكفير المجتمع والمواطنين المخالفين لهم كما تفعل جماعات الإسلام الحركي المختلفة.


كما عملت كوريا الجنوبية على المساهمة بشكل فعال في احتواء وتوفير حاضنة مجتمعية جيدة للدين الإسلامي والمسلمين بها، سواء كانوا مواطنين تحولوا بصورة جديدة إلى الدين، أو مهاجرين من الخارج، ويظهر ذلك بوضوح في دعم الدولة الكورية لبناء أول مسجد بها.

 



[1] . مصطلح جيوسياسي يطلق على دول شرق آسيا كاليابان والكوريتين والصين ومنغوليا  

[2] - Ben Jackson, How Influential is Islam In south Korea?, Available at https://bit.ly/2QRZ4kw.

[3] - Ben Jacjson, Op. Cit.

[4] - Mosques and Islamic centers in South Korea, Available at https://bit.ly/2VaL9o4.

[5] - Miranda Mazariegos, South Korea courts Muslims to fill tourism gap, Available at https://bit.ly/2F4ss1A.

[6] - Kim Young Deok and Yoon Sojung, Korean Imam talks about Islam in Korea, Available https://bit.ly/2ENa5gN.

[7] - Busan Al-Fatah Masjid, Available at https://bit.ly/2GFDdrW.

"