رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad
عبدالرحيم علي
عبدالرحيم علي

عبدالرحيم علي يكتب من باريس: أزمة السترات الصفراء وخيارات الرئيس ماكرون

الأحد 09/ديسمبر/2018 - 12:37 ص
طباعة
منذ بدأت احتجاجات أصحاب السترات الصفراء يوم السبت 17 نوفمبر الماضي؛ احتجاجًا على فرض ضرائب على المحروقات في إطار خطة الرئيس ماكرون للإصلاح الاقتصادي، والتي ضمنها برنامجه الانتخابي الذي صعد على أساسه إلى سدة الحكم في فرنسا، وهناك ارتباك كبير وعدم خبرة سياسية واضحة في إدارة الأزمة من قبل فريق الرئيس، وبخاصة حزبه السياسي، حزب الجمهورية إلى الأمام، الذي غاب تمامًا عن المشهد حتى اللحظة وترك الرئيس يواجه وحده الشارع بلا ظهير يحميه.

المتابع من قريب للمشهد كان لا بد أن يشاهد كرة الثلج وهي تتدحرج لتعمق في طريقها الأزمة، محولة إياها من مطالب اقتصادية واضحة إلى أزمة سياسية واجتماعية معمقة وخطيرة؛ الأمر الذي ضيق الخيارات المطروحة أمام الرئيس وفريقه، وأعطى الفرصة لخصومه السياسيين في الداخل والخارج للّعب على وتر الأزمة، وزيادة حدتها.

لقد بدأت الاحتجاجات بالمطالبة بإلغاء الزيادة المقررة على ضرائب المحروقات، وسرعان ما تحولت - نتيجة الإدارة غير الخبيرة للأزمة - إلى المطالبة بسقوط الرئيس نفسه، أو إيقاف تنفيذ برنامجه الاقتصادي الذي يعني في النهاية اغتياله سياسيًّا.

خيارات ماكرون

لم يعد أمام الرئيس ماكرون فيما يبدو سوى 4 خيارات رئيسية:

الخيار الأول: اللجوء إلى استفتاء عام على سياساته؛ تكرارًا لتجربة الجنرال ديجول في مواجهة احتجاجات الطلبة في عام 1968، وفي هذه الحالة الخسارة متوقعة بنسبة 80%، وهي النسبة التي أيدت مطالب السترات الصفراء.

الخيار الثاني: حل الجمعية الوطنية تمهيدًا لانتخابات تشريعية تفضي إلى فوز مؤكد لأحد أحزاب المعارضة، أو تحالف بين حزبين رئيسيين؛ حزب التجمع الوطني الذي ترأسه مارين لوبين، وحزب فرنسا الأبية الذي يترأسه جون لوك ميلانشون، وتشكيل حكومة «تعايش»، على غرار تجربتي الرئيسين فرانسوا ميتران عام 1986 مع رئيس الوزراء جاك شيراك وعام 1993 مع رئيس الوزراء إدوار بلادور، والرئيس جاك شيراك عام 1997مع رئيس الوزراء جوسبان.

ينزع هذا التعايش كامل سلطات رئيس الجمهورية فيما يتعلق بالسياسات الداخلية لصالح رئيس الوزراء الجديد الذي يحمل برنامجًا مختلفًا عن برنامج الرئيس، كما يلزمه بالتشاور مع رئيس الحكومة في قضايا السياسة الخارجية والدفاع؛ الأمر الذي يمكن أن يقضي على مستقبل ماكرون السياسي بالكامل، لكنه في المقابل يمنح الرئيس قبلة الحياة لـ3 سنوات قادمة.

الخيار الثالث: إقالة حكومة إدوار فيليب وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة شخصية قوية من يمين الوسط أو يسار الوسط، وهناك حديث عن توليته الحكومة لفرانسوا بايرو (يمين الوسط)، أو جاك إيف لودريان (يسار الوسط)، مع الاستعانة بوزراء من مختلف التيارات؛ وذلك إذا تم بنجاح سيسمح لماكرون بألا ينقطع عن قاعدته الشعبية الوسطية، وسيحافظ على تأثيره السياسي، وربما يستطيع العودة إلى الواجهة بقوة قبل الانتخابات الرئاسة المقبلة.

الخيار الرابع: لجوء الرئيس ماكرون للمراوغة، مرة أخرى، ومحاولة كسب الوقت عبر كلمته التي سيلقيها اليوم الإثنين، يحاول فيها استرجاع الأوضاع لنقطة الصفر، ولكنه ساعتها سيراهن بحرق فرنسا السبت المقبل (١٥ ديسمبر)، وهو ما فطن إليه وزير خارجيته المخضرم جان إيف لودريان فسارع في تصريحات لمحطة RTL الفرنسية بالإعلان أن الموقف الراهن في فرنسا يستدعي نقاشًا قوميًّا جادًّا، ليس للخداع أو المماطلة وإنما لإيجاد الحلول، وإلا سيكون الثمن باهظًا.

وأضاف لودريان الذى يعتبر أكثر أعضاء حكومة ماكرون خبرة بالعمل السياسي محليًّا ودوليًّا أن الرئيس ماكرون يعي الآن ضرورة عدم تجاهل الأحزاب ومؤسسات الدولة أو فرض حلول من أعلى، مؤكدًا أنه آن الأوان لدخول الشعب الذي يعيش في فرنسا العميقة، ففي إشارة إلى الأقاليم الفرنسية خارج باريس العاصمة، في الحوار المجتمعي والسياسي.

والحقيقة أنه رغم إدراك واحد من أهم أعضاء حكومة ماكرون للأزمة فإن حلها حتى وإن أراد ذلك ماكرون سيكون مكلفًا، لماذا؟ لأن هناك العديد من العناصر الخارجية والداخلية التي دخلت على خط الأزمة؛ لضمان استمرارها ومحاولة تعميقها.

عوامل إزكاء الأزمة:

لا أحد أسهم في خلق تلك الأزمة بالطبع سوى ماكرون وحده، وسياساته التي أغضبت الأغلبية من الشعب الفرنسي، ولكن بعد مرور أكثر من أسبوعين على استمرار الاحتجاجات وتفاقمها فإن أجهزة ودولًا عديدة بدأت تتداخل على خط الأزمة.

في مقدمتها بالترتيب:

تركيا - أردوغان: الذي يحاول أن يؤكد لأوروبا أنه لاعب رئيسي في أي حدث يحدث على أراضيها، عن طريق الجماعات والجمعيات التركية الموجودة في فرنسا، وضواحي باريس تحديدًا، والتي تشارك كوادرها بقوة في الاحتجاجات.

إيران- التي تريد أن ترد ضربة ماكرون الذي أعلن في الشهور الأخيرة ضبط خلايا إرهابية تنتمي إلى الحرس الثوري الإيراني، ووجّه إنذارات شديدة اللهجة لإيران، بضرورة الكف عن العبث على الأراضي الفرنسية، وألغى زيارته لطهران، والتي كان مقررًا أن يقوم بها في شهر أبريل المقبل.

قطر- المتضررة من موقف فرنسا المساند لكل من مصر والإمارات والسعودية؛ حيث تعاطت حكومة ماكرون تعاطيًا إيجابيًّا مع مصر فيما يتعلق بصفقات الرافال وحاملات الطائرات، واستقبلت الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي بكل ترحاب، معلنة عن شراكة فرنسية إماراتية طويلة الأجل، كما أنها لم تأخذ موقفًا من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، على عكس ما أرادت قطر، فيما يتعلق بقضية خاشقجي، بل دعت على لسان الرئيس ماكرون شخصيًّا إلى منحه فرصة أخرى، وهي تستخدم الإخوان والجمعيات المنتمية إليها في الحفاظ على الأزمة ساخنة ومشتعلة، خاصة في الضواحي.

اليمين الأوروبي- الداعم لتحركات اليمين الفرنسي والمناوئ لسياسات ماكرون خاصة فيما يتعلق بالموقف من الاتحاد الأوروبي.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: الداعم لمارين لوبان غريمة ماكرون والمناوئ لماكرون؛ نظرًا لمحاولة الرئيس الفرنسي قيادة الاتحاد الأوروبي ضد مصالح أمريكا، في الوقت الذي تريد لوبين فيه الخروج من الاتحاد الأوروبي؛ الأمر الذي يخدم ترامب وتوجهاته.

وقد التقت مارين لوبان أمس الأول في بروكسل، في هذا الإطار، مع ستيف بانون منسق الحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب، والمعروف باتجاهاته اليمينية المتطرفة، وعدائه لسياسات ماكرون.

ولكن ما الذي عمق الأزمة وصولًا لهذا الوضع؟ وهل هي وليدة تلك الاحتجاجات لأصحاب السترات الصفراء؟ بالتأكيد الإجابة بالنفي.


البداية

لقد تحول ماكرون وزير الاقتصاد الفرنسي السابق (2014-2016) إلى ظاهرة سياسية منذ استقالته من منصبه الوزاري في شهر أغسطس 2016؛ ليؤسس حركة «إلى الأمام».

اليمين الفرنسي وصف إيمانويل ماكرون آنذاك بـ«العميل» ورأى فيه المنافس الأشرس، الذي يمكن أن يشكل عقبة أمام وصول زعيمهم فرانسوا فيون إلى سدة الحكم. أما الحزب الاشتراكي فلقبه بـ«بروتوس جديد»، ذلك السياسي الذي شارك في قتل الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر، رغم أنه هو الذي صقل مسيرته ومنحه مستقبله.

لأنه بترشح ماكرون للرئاسة خدع حسب رأيهم الرئيس فرانسوا هولاند الذي عينه وزيرًا للاقتصاد في 2014، بعدما عمل مستشارًا له في قصر الإليزيه في 2012.

لكن في أغسطس 2016، قرر ماكرون مغادرة الحكومة؛ بحثًا بمفرده عن السلطة العليا، ودون أن يتساءل عن تداعيات الترشح ضد رئيس قدّم له كل الدعم والمساندة؛ من أجل البروز في الساحة السياسية الفرنسية والأوروبية؟ وهو ما يبرر موقف الرئيس الفرنسي السابق هولاند الذي كان أول سياسي فرنسي يقابل أصحاب السترات الصفراء، ويعلن تعاطفه مع مطالبهم.


إصلاحات ماكرون
جاء ماكرون إلى السلطة محملًا ببرنامج طموح للإصلاح السياسي والاقتصادي تضمن في مجال الاقتصاد إعادة هيكلة سوق العمل، والتخلي عن الوقود الأحفوري، وتحديث نظام التعليم المزدوج، إضافة إلى رفع الضرائب الاجتماعية، التي تؤثر في غالبية الشعب الفرنسي، وإلغاء الضريبة على الثروة، التي استفاد منها الأثرياء.

لم يكتف ماكرون بذلك، وإنما راح بكل قوة يعيد تشكيل الحياة السياسية في فرنسا، منحيًا التيارين الأساسيين في فرنسا، الجمهوريين والاشتراكيين، من المشهد، ودفع عوضًا عن ذلك بحركة جديدة أسسها قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2017 بعام واحد، أطلق عليها مسمى «إلى الأمام»، تحولت إلى حزب سياسي بعدما وصل ماكرون إلى السلطة تحت مسمى «الجمهورية إلى الأمام».


حركة «إلى الأمام»

هي حركة سياسية فرنسية «لا يمينية ولا يسارية»، أسسها الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2016، لتكون انطلاقة سياسية له نحو قصر الإليزيه.

أطلق ماكرون الحركة يوم 6 أبريل 2016 في مسقط رأسه بمدينة أميان شمالي فرنسا، عندما كان وزيرًا للاقتصاد في حكومة إيمانويل فالس، وذلك قبل إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية التي جرت في أبريل ومايو 2017.

وقال ماكرون، خلال الاجتماع الذي عقده لهذا الغرض في مسقط رأسه، إنه قرر أن يؤسس حركة سياسية جديدة بعد أن فكر واستشار أصدقاءه، وقد نالت الحركة بعد إطلاقها تغطيةً إعلاميةً واسعةً، إضافةً لدعم من شخصيات سياسية فرنسية معروفة، وبرلمانيين وأعضاء سابقين في الحكومات الفرنسية المتعاقبة.

واستطاعت الحركة أن تجذب المزيد من الشباب ورجال الثقافة والأعمال، وحتى بعض السياسيين من اليمين واليسار الذين أعلنوا مساندتهم لماكرون في الانتخابات الرئاسية لعام 2017.

كما نالت الحركة ومؤسسها دعمًا خارجيًّا، خاصة من مؤيدي الوحدة الأوروبية.

ولكن ليست كل النوايا الحسنة تصنع الخير، فعلى عكس ما أراد ماكرون أسهمت الحركة الجديدة في اختلال ثنائية الحكومة- والمعارضة، التي ميزت الحياة السياسية الفرنسية لعقود طويلة، عندما استخدم ماكرون كل ثقله الذي اكتسبه خلال الانتخابات الرئاسية، ودفع بها إلى واجهة المشهد في أول انتخابات برلمانية لتحصد 309 مقاعد من أصل 588، وتصبح هي الأغلبية التي سوف يعتمد عليها ماكرون في إقصاء كل مناوئيه السياسيين من المشهد السياسي، وهو ما يدفع الآن ثمنه باهظًا في تلك الاحتجاجات.

فتشكيل الحركة منذ البداية كان غريبًا، فمن جهة، تريد أن تكون حركة للمواطنين ولآلاف الجمعيات في البلاد، ومن جهة أخرى، يركز هيكلها على شخص واحد، هو ماكرون؛ الأمر الذي حولها إلى فقاعة افتراضية تعتمد على ما يمثله الرئيس من ثقل دون أدنى خبرة لها بالواقع السياسي الفرنسي. وسرعان ما تحولت الحركة إلى حزب بلا منافس سياسي، بعد أن تقلص الحزب الاشتراكي، وأصيب حزب الجمهوريين بمرض الانقسامات الرهيب.

حتى الأحزاب التي يرمز إليها بالمتطرفين، جان لوك ميلانشون (يسار) ومارين لوبان (يمين)، يبدو أنهما خرجا من اللعبة السياسية تمامًا، بعد أن كانت «مارين لوبان» قاب قوسين أو أدنى من قصر الإليزيه، بعدما خاضت معركة الإعادة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية منافسة لماكرون.


حركة السترات الصفراء:

في ظل هذا الفراغ السياسي جاءت احتجاجات حركة السترات الصفراء على خلفية فرض ضرائب مختلفة على المحروقات في إطار برنامج الرئيس الانتخابي الذي وعد بتحويل فرنسا، من خلاله، إلى عصر الطاقة البيئية الجديدة تمهيدًا لاستغنائها نهائيًّا عن الطاقة المستخرجة من الأرض.

وفي الواقع ماكرون لم يعِ جيدًا درس التاريخ الذي يقول بوضوح: إن معظم الثورات الفرنسية كانت شرارتها الأولى، تبدأ بزيادة الضرائب.

ولكن الرئيس الشاب المنتشي بانتصاره، غير المتوقع، ربما نسي تلك العقدة «عقدة الضرائب» عند شعبه، والتي عانى منها قبله رؤساء كثيرون، فارتكب أول الأخطاء بتجاهل الاحتجاج، ثم التعالي عليه عندما رأى أن المحتجين ينتمون إلى القرى البعيدة والمدن الصغيرة التي تحمل أسماء مجهولة بعيدًا عن قلب باريس.

ولم يكن تكرار الاحتجاج السبت التالي واتساعه بفضل الشبكة العنكبوتية يزعج الحكومة والرئيس بقدر تأييد أكثر من 80 في المائة من الفرنسيين له من ناحية وعدم قدرة ما يعرف باسم «الهيئات الوسيطة بين الشعب والسلطة (الأحزاب- البرلمان- النقابات- الجمعيات) ليس على التنبؤ بالحركة ولا على احتوائها فقط ناهيك عن ركوبها واستغلالها سياسيًّا.

لقد عجزت جميع أحزاب المعارضة؛ لأن الرئيس نفسه قام بإقصائها عن المشهد كاملًا بفوزه الرئاسي ثم البرلماني غير المتوقع.

ورغم أن مطالب الحركة هي مطالب يسارية فقد بدت مارين لوبان المحسوبة على اليمين المتطرف أكثر المؤثرين في الحركة، وهي التي دفعتها نحو الشانزليزيه.

وقد كشفت الأزمة في المحصلة الأخيرة، أخطر نقاط ضعف الرئيس وهي ما كانت تمثل - قبل عام ونصف - أقوى أسلحته وهي شباب حزبه الذين بدوا متشرذمين وضائعين، في الوقت الذي فرغت فيه الساحة السياسية بفعل إجراءات ماكرون نفسه قبل عام من أي قوى سياسية تتفاعل مع الأزمة؛ ما وضع الرئيس والحكومة في العراء أمام الرأي العام، ولكن هل سيطول وقوف الرئيس ماكرون عاريًا أمام الرأي العام؟ هذا ما ستسفر عنه تطورات الأزمة في الأيام القليلة المقبلة.

abelrahimali63@gmail.com

"