رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

دراسة: التصوف علم شرعي يمر بأعظم محنة في تاريخه

الإثنين 10/ديسمبر/2018 - 01:31 م
الدكتور أحمد خميس
الدكتور أحمد خميس شتيه
سارة رشاد
طباعة

ثمة تيار متنامٍ داخل الصوفية يجتهد في إثبات أن التصوف علمُ شرعي، والدافع وراء ذلك الهجوم المتجدد الذي تتلقاه الصوفية ويأتي أغلبه من خلفيات سلفية تفيد بأن التصوف المستند أصلًا إلى الغيبيات يشجّع على انحرافات دينية.


لهذا الأمر بات طبيعي أن تتكرر الدروس العلمية الصوفية المعنية بالرد واستعراض الأسس الشرعية القادم منها الصوفية.


الباحثون أيضًا كان لهم دور في ذلك منذ اتجهت بعض الدراسات الجامعية الباحثة في الصوفية وصادرة عن متصوفة إلى التنقيب عن الأصول العلمية للتصوف.


رسالة الدكتوراة المجازة من كلية الآداب، جامعة دمنهور، في عام 2016م وعنونت بـ«التأصيل الشرعي للتصوف – دراسة تحليلية من الكتاب والسنة النبوية»، إحدى هذه الرسائل التي خلصت إلى أن التصوف علم شرعي.

دراسة: التصوف علم

ولم يكن صاحبها الدكتور أحمد خميس شتيه، يطرح فرضية يسعي لإثبات صحتها من عدمها، بل قطع في مقدمته بما اعتبره حقيقة وهي أن التصوف علم شرعي فعلًا مثله كعلم الحديث وعلم الأصول، ليسخّر دراسته بعد ذلك لإثبات أن ما ينسب له -أي التصوف- من انحرافات لا يُسأل عنها، منتهيًا إلى ثمة محنة صوفية حالية اعتبرها الأعظم في التاريخ الصوفي البادئ منذ القرن الثاني عشر الميلادي، مفاداها «رمي التصوف بما ليس فيه».


خميس، أرجع انتشار هذه الانحرافات إلى سلوك مشايخ الصوفية الذين يتحرجون من رد غير العارفين بالمنهج، فيقول: "انتمى إلى التصوف عبر تاريخه نفر ليسوا من أهله، فاندس فيه الكثير من الجهال وأرباب الأهواء، وهي الحقيقة التي أراد الباحث إثباتها في هذه الدراسة للتصوف السني، وكان السبب - فيما يبدو - وراء هذا الأمر الخطير سعة صدر مشايخ السلوك والتربية، ورغبتهم في هداية من انحرف عن الطريق القويم، فكان ديدنهم أنهم لا يردون أحدًا، فامتلأت الطرق بالأدعياء وأهل الأهواء».


وكنتيجة لهؤلاء الأدعياء يقول الباحث إن فئات معادية للتصوف أخذت منهم ذريعة للهجوم عليها لتنتقل وجهتهم إلى العامة الذين أخذوا تصورًا عن الصوفية هو إنها منهج غير ملتزم.


وانتقل إلى جيل جديد من المتصوفة غير الواعين بحقيقة التصوف ما كرّس الصورة المشوهة عن الصوفية، إذ تورطوا هم أيضًا في تصرفات يقول الباحث إنها ليست من الصوفية وتنتشر بصورة كبيرة في الموالد (احتفالات دينية حاشدة).


وإلى أبعد من ذلك ذهب الباحث، إذ قال إن القانون رقم 81 لسنة 1976م (سُن بغرض تقنين أوضاع المتصوفة وتأسس بمقتضاه الهيكل التنظيمي للصوفية) كان عاملًا في تسهيل إضفاء الصبغة الرسمية على الجماعات المنحرفة والمنتسبة للصوفية. وكان ذلك عندما تحولت اهتمامات بعض رموز الصوفية بفعل الطمع في المناصب التي استحدثها القانون إلى أمور إدارية دنيوية، بحسب الدراسة.


مسألة البحث عن أصل كلمة «التصوف» وما إذ كانت أخذت فعلًا من لفظة «الصوف» وهو الكساء الخشن الذي يشير إلى الزهد، أو لها أصول أخرى، تعد إحدى الإشكاليات التي مازالت تواجهها الكتابات الصوفية. إلا أن الدراسة تناولت القضية من ناحية أخرى عندما توصّل الباحث إلى أن التصوف بمعنى الاعتكاف والزهد عرف منذ عهد الرسول (ص) بمسميات غير «الصوفية».


وخلال القرن الثاني الهجري الموافق الثامن الميلادي وبتوارث هذه الطقوس الدينية ظهرت حاجة المسلمين للعثور على مسمى يوصف حالة الزهد فكان اسم «التصوف». ويقول خميس: «كانت تسمية التصوف تسمية علم لا تسمية طائفة، فكانت النظرة إلى التصوف هي النظرة إلى غيره من العلوم التي أحدثت في الدين الحنيف، وكان من شأنها بيان وتفصيل جانب التزكية والسلوك».

دراسة: التصوف علم

 ويتابع: «إذ تنامت الحاجة إلى علم يقعد مسائل الزهد والتبتل والسلوك، فظهر التصوف وظل يتطور كغيره من العلوم حتى اكتمل ودون وصنفت فيه التصانيف التي أخذ عنها ومنها علم التزكية إلى يومنا هذا».


وللتدليل على الأصل الشرعي للتصوف تناول الباحث بالشرح الأركان الست للسلوك لدى الصوفية لتهذيب النفوس وهي: «الصحبة، والصمت، والعزلة، والجوع، والسهر، والذكر»، مبينًا المرجع الشرعي لكلٍ منها. واعتبر أن ذلك يعكس «فهم صوفي عميق» للقرآن والسنة بعكس ما تردد حول الصوفية من إنها استحدثت سلوكيات لم يرد لها ذكر لا في القرآن ولا الآحاديث النبوية.


وفيما يخص الصحبة التي يشترطها التصوف في منهجه، فقال إن الصحابة كانوا مرافقين للرسول وأخذوا عنه العلم، ومن بعده بات الصحابة مربين وناقلين للدين لمن جاءوا من بعدهم وهكذا. ويتابع عن الصحبة: «فهو مبدأ فطري وقانون دنيوي، فإن صح ذلك في الحرف الدنيوية وتأكد صار أثرًا تأكد في دين الله».


أما ركن الصمت الذي تجتهد الصوفية في تربية أبنائها عليه، قال إنه مبدأ قرآني تمثّل في آيات حفظ اللسان بغرض رضا الله. الجوع كثالث ركن للسلوك لدى الصوفية يقول إنه أمر إلهي، إذ أمر الله بالقصد في الطعام، مدللًا على ذلك بفريضة الصيام. وكذلك ركن السهر الذي قال عنه إنه مبدأ شرعي مستعينًا بآيات تدعو لإقامة الليل والتعبد.

 

العزلة أو كما تسمى لدى الصوفية بـ«الخلوة»، أثبت الباحث شرعيته باستدعاء عزلة الرسول (ص) التي عكف على الدخول فيها وخلالها نزل عليه الوحي. وأضاف: «وأن هناك الكثير من الإشارات القرآنية التي تؤكد ضرورة التقلل من الخلطة بالخلق عند فساد الزمن إن أراد الإنسان لنفسه سلامة الدين». أما الذكر الذي يحييه الصوفية يوميًا في سلوكياتهم، فقال عنه: «تبين أن الذكر من أجل الأعمال بل قد يكون أجلها بعد الفرائض كما تبين من النصوص الشرعية الواردة فيه ، فقد أمر القرآن الكريم في مواضع كثيرة جدًا بذكر الله والإكثار منه».


وباعتبار أن أكثر التهم الموجهة إلى الصوفية تتلخص في كونها تيارًا دينيًا ابتدع كثيرًا من أمور ليست في الدين؛ قّدم الباحث تعريفًا لمفهوم «البدعة» غير هذا الذي تقدمه السلفية ويتلخص في إنه كل شيء لم يرد ذكره في القرآن والسنة. وقال الباحث إن البدعة قد تكون حسنة تتوافق مع الشرع مقبولة، أو سيئة تتعارض معه، ومن ثم تحسب أثمًا. وأوضح أن مبدأ الاجتهاد الذي وافق عليه العلماء بالإجماع، هو الباب للبدع الحسنة والسبيل الذي استعانت به الصوفية في إقرار أمور لم يرد ذكرها في الدين نصًا، إلا أن السلفية ترفض الأخذ به.


قضية بناء القبور داخل المساجد إحدي أبرز القضايا التي تأخذ على الصوفية وتتهم بسببها بالشرك، بدعوى إنها بدعة. إلا أن الباحث توصّل إلى إنها معمول بها في قبر الرسول الموجود بالمسجد النبوي في المملكة العربية السعودية، ومن قبله كان قبر النبي إبراهيم وزوجته السيدة هاجر المدفونين إلى جوار الكعبة. وأوضح أن قضية وجود القبور في المساجد ليست قضية صوفية في الأساس بل فقهية، واختلفت حولها الآراء ولم تصل أشدها رفضًا إلى إتهام متبنيها بالشرك كما يحدث مع الصوفية.


وفيما يخص النظريات الفلسفية المنسوبة للصوفية والمعروفة بـ«الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود»، فنفى خميس أن يكون لها وجود في أي من كتابات المنتمين للصوفية. والحلول هو أن يتخيل العبد أن يحل الله فيه أو في معلمه كنوع من الكرامة. أما وحدة الوجود فهي أن يتخيل العبد أن الله يبدو في كل شيء حولنا حتى الجماد ليظهر جماله وعظمته.


وأوضح الباحث أن القضيتين ليستا من الصوفية، على الرغم من أن بعض العلماء وافقوا على الثانية وهي وحدة الوجود ورفضوا بالإجماع الأولى وهي الحلول والاتحاد.

 

وللتدليل على صواب المنهج استند «خميس» إلى إشادة علماء الإسلام الأوائل بالتصوف، مشيرًا إلى إنه حتى العلماء المعبرين عن المنهج السلفي فقد انتقدوا التصوف ليس في المطلق ولكن في أمور نسبت خطأَ للصوفية بحسب كلامه.


للمزيد.. التصوف المتشرّع.. دروس العلم تُهدد حلقات الذكر

للمزيد.. «الصحوة الصوفية».. مبادرة شبابية تعيد التصوف إلى سيرته الأولى

"