رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

الربيع العربي والسترات الصفراء.. قواسم مشتركة أهمها منصات التواصل ومظاهر التخريب

الجمعة 07/ديسمبر/2018 - 11:16 م
المرجع
محمود رشدي
طباعة

اندلعت شرارةُ الغضبِ في الأوساط الفرنسيَّة، ضد سياسات الإصلاح الاقتصادي، التي اتخذها الرئيس الشاب المُنتخب منذ عامٍ ونصف، إيمانويل ماكرون.


وصارت مثلَ كرةِ اللهب المتدحرجة تزيد وتتسع بمرور الوقت، ورغم تجميد الحكومة الفرنسيَّة قراراتها وتعليقها مؤقتًا لفترة قد لا تتجاوز الستة |أشهر، فإن موجات الغضب الفرنسي مازالت ملتهبةً كالنارِ تحت الرماد مُنذرةً باشتعالها في أي وقت، خاصةً بعدما انتقلت السُّترات الصفراء من العاصمة باريس لدولٍ أخرى أوروبية مثل بلجيكا وبلغاريا، والسؤال المطروح: ما هو مستقبل الاحتجاجات الأوربية؟ وهل تشهد القارة العجوز  ربيعًا مثلما شهدته الدول العربية منذ سبع سنوات؟

الربيع العربي والسترات
تحدَّث البعضُ عن قواسمٍ مشتركةٍ، جمعت بين ثورات الربيع العربي، التي شهدتها المنطقةُ العربيَّة مُنذ 2011، ومازالت تبعاتها تدور حتى يومنا هذا، والاحتجاجات التي انطلقت من العاصمة الفرنسيَّة باريس مُنذ عدة أسابيع، وتطورت لأحداث عنفٍ وتخريبٍ، ومنها انتقلت لدولٍ أوروبية أُخرى تشهد ظروفًا مُشابهة لما يعيشها المواطن الفرنسي. 

ومثلما كانت الثورة الرقميَّة سببًا أساسيًّا في التحول نحو العولمة الاقتصاديَّة، شاركت أيضًا في عولمة الاضطرابات والأحداث الثوريَّة، فمن منصات التواصل الاجتماعي انطلقت ثورات الربيع العربي، وكذلك انتفاضات السترات الصفراء في العواصم الأوروبية، ما جعل البعض يُطلق على الأخيرة «عدوى الربيع العربي» تنتقل إلى أوروبا لتصنع ربيعًا أوروبيًّا.
الربيع العربي والسترات
- التنفيس الافتراضي ( دور وسائل التواصل الشبكي)

في عام 2011، اندلعت ثوراتُ العربي العربي؛ مطالبةً بالتغيير السياسي للحكومات القائمة، ورفعت غالبيتها شعارًا واحدًا يتطلب تحقيق عدالة اجتماعيَّة، ومكافحة للفساد، وتنفيذ نظامٍ سياسيٍ ديمقراطيٍ. ارتبطت تلك الموجات باستعمال وسائل إعلامية حديثة للتواصل والتنسيق، ما شكل تحديًّا لوسائل الأمن من أجل إخمادها، وفي مقدمتها وسائل التواصل الاجتماعي، التي وجد فيها شبابُ الوطنِ العربي متنفسًا للتعبير عن غضبهم وآمالهم وطموحاتهم ورغباتهم في التغيير.

وَمثَّلَ صعودُ نجمِ شبكات التواصل الاجتماعي كـ«فيس بوك» و«تويتر»، وغيرها من شبكات التواصل الافتراضية الحديثة، خطرًا على استقرار الأنظمة خاصةً في الدول العربية، وفتح هذا الصعود باب التساؤل في عدة أمور حول الدور الذي لعبته وسائل الاتصال الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي في الثورات العربية، التي دفعت العالم إلى إعادة حساباته في مجال آليات التعامل مع تقنيات الاتصال الحديثة.

في السابع عشر من نوفمبر 2018، عارض مواطنون فرنسيون السياسة الإصلاحية للرئيس الحالي، ووصفتها بأنها سياسة منفصلة عن الواقع وتدعم نظرية دولة النيوليبرالية؛ التي ترفع يداها عن الدور الاقتصادي والداعم للقطاعات المتوسطة والفقيرة، نمت ونظمت حركة الاحتجاج عبر وسائل التواصل الاجتماعي لذلك لم يظهر قادة ومنظمون للاحتجاجات، لكن ما تتسم به الحركة هو التنسيق عبر فيس بوك والدعم الشعبي.
الربيع العربي والسترات
- تشابك دوافع التظاهر (فشل السياسة النيوليبرالية)

تشابهت دوافع التظاهر والاحتجاجات الأوروبية مع العوامل التي دفعت الشباب العربي للثورة ضد حُكام بلادهم، تمثلت تلك الدوافع في غياب العدالة الاجتماعيَّة، وغلاء المعيشة، وبالتالي ارتفاع مُعدل البطالة بين أفراد الطبقة الفقيرة، وانتشار ارتكاب الجرائم للحصول على ما لم توفره له الدولة والذي يُمثل أبسط حقوقه في الحياة.

وبالنسبة للاحتجاجات في فرنسا، ومنها باقي العواصم الأوروبية، عقب الأزمة المالية  العالمية 2008، التي اجتاحت العالم ومازالت تعاني منها القارة العجوز حتى وقتنا هذا، مازالت السياسات الأوروبية تعتمد بشكل كبير على سياسة النيوليبرالية، ويمكن تلخيصها في ترك الدولة لأي دور يذكر في عمل آليات السوق لصالح المؤسسات المالية، وتتبنى تلك النظرية المؤسسات المالية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد.

انتهج ماكرون سياسةً، اعتبرها البعضُ منفصلةً عن الواقع، وتميل نحو الطبقة البرجوازية، واعتبرها البعضُ الآخر ضروريَّة إصلاحيَّة. تمثلت تلك السياسة في: تخفيض الضرائب على طبقة الأغنياء، متبعًا سياسة تقشفيَّة على الطبقات الأخرى، فعلى سبيل المثال، قرر التخلص مما يقرب من 1600 وظيفة في الخدمة المدنية، وتخفيض المعاشات التي تمولها الدولة، وتخفيض الإنفاق الحكومي على نظام الرعاية الصحية العامة، ومزايا الإسكان والنقل، وتجميد مشاريع البنية التحتية الرئيسية، وآخرها زيادة أسعار المحروقات البترولية بنسبة 23% على مدار عام. تلك الأخيرة التي أغضبت كثيرين، ودعا البعض لاحتجاجات في 17 نوفمبر بما عرف باحتجاجات «السترات الصفراء». وانتقلت تلك الاحتجاجات إلى بلجيكا وبلغاريا ضد سياسة الحكومات الحالية.
الربيع العربي والسترات
-غياب القيادة

امتازت ثوراتُ الربيعِ العربي بغياب قيادة سياسية لها توجه نحو محاولة تنفيذ أجندةٍ سياسيَّة مُغايرة بالطبع للسياسات القائمة، أو نخبة سياسية تقود الثورة نحو تحقيق أجندة معين لصالحها، فأيًّا كان نوع القيادة الثورية صالحةً أو فاسدةً، فلم تُصاحب ثورات الربيع العربي أي قيادة يمكن التأثير عليها. ويمكن أن نُطلق عليها قيادة افتراضيَّة قادها العالم الافتراضي والقواسم المشتركة، التي جمعت المُتظاهرين في رفض السياسات الحكومية القمعية والاقتصادية.

بالنسبة للاحتجاجات الأوروبية،  فلم تُصاحبها هي الأخرى أي نخبة سياسيَّة أو حزب سياسي معين؛ إذ يبرز الدور الرئيسي في اشتغالها لأصحاب السترات الصفراء، وعلى الرغم من اشتراك عددٍ من النقابات العمالية ونقابة الشرطة في تلك الاحتجاجات، فإنه لم يوجد أي فصيل يقودها سوى التفاهم لرفض سياسة ماكرون الإصلاحية.
الربيع العربي والسترات
- انتهازية الأحزاب المتطرفة

تشترك كلٌّ من ثورات الربيع العربي والاحتجاجات الأوروبية بوجود فصيلٍ متطرفٍ، ينخرط ضمن صفوفها محاولًا اقتناص نتائجها حال نجاحها، أو التملص منها في حالة فشلها، ولذا يمتاز موقفه بالتردد والترصد في ظل تلك الأحداث المُتسارعة، ومحاولة لكسب أي دورٍ سياسي تخلقه تلك المظاهرات، كما أنه يحاول أن يعتلي مكان القيادة، فقد حاولت تيارات الإسلام الحركي إمالة وجهة التوجه السياسي للمرحلة الانتقالية تجاه أجندتها، على الرغم من موقفها الغامض فور اندلاع المظاهرات. فعلى سبيل المثال، حاولت جماعة الإخوان في مصر الاتفاق على مسار سياسي يُفضي لكسب قيادتها وجهة الحكومة، بيد أن القيادة المصرية وقتها رفضت مقترح جماعة الإخوان، ولكن لعدم توحد رؤية الشباب الثوري عقب انهيار نظام مبارك، تحركت الجماعة – بخبرتها في العمل التنظيمي- لتشكيل تيار سياسي حاز على غالبية مقاعد البرلمان ومقعد الرئاسة. بيد أن الأجندة المتطرفة، أرغمت الشعب ليقود ثورة تصحيحية لإزالة جماعة الإخوان، ومنها انتقلت العدوى إلى داخل الأوساط التونسية والليبية. 

أما عن الاحتجاجات الأوروبية، فخلاف تيار الإسلام الحركي في الربيع العربي، تندس التيارات اليمنية المتطرفة داخل الاحتجاجات وهو ما قد يعهد إليها أعمال العنف التي صبغت الاحتجاجات منذ اندلاعها وقد يثنيها عن سلميتها، وهي من تدعو لانتخابات برلمانية مبكرة، وتلقي باللوم على المهاجرين بأنهم من يقيمون بأعمال شغب داخل المظاهرات. فتغرد مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، بعيدًا واقترحت حل الحكومة الفرنسية وإجراء انتخابات مبكرة دون انتظار عام 2022، وهو الأمر الذي يؤكده أيضًا جان لوك ميلونشون، رئيس حزب «فرنسا المتمردة» (اليسار المتطرف).
الربيع العربي والسترات
في السياق نفسه، أوضحت جاكلين مورو (إحدى الناشطات اللواتي أطلقن حركة «السترات الصفراء») أن الحكومة تتحمل وزر ما آلت إليه الأوضاع، مُحذرةً في الوقت ذاته بأن السترات الصفراء باتت رهينةً في أيدي بعض الحركات الشعبوية المتطرفة التي تريد الفوضى والخراب وتشترط رحيل كلٍّ من الرئيس والحكومة معًا.

ختامًا، هل يمكن القول إن تلك الاحتجاجات يُمكن أن تقود تلك العوامل المُشتركة لما يمكن أن نطلق عليه، ربيعًا أوروبيًّا على غرار ثورات الربيع العربي؟، ولكن سيواجه ذلك الربيع – إذا أمكننا قول ذلك- عدة تحديات لإرساء نفس نتائج الوضع العربي، والذي انتهي بوضع مأساوي في كثير من دول باستثناء بعض الدول مثل مصر وتونس، وذلك نظرًا لدرجة المؤسساتية العالية التي تتمتع بها غالبية الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا بالتأكيد، وديناميكية العمل السياسي، والذي يمكن أن بفضي في أسوأ الحالات لحل الجمعية الوطنية في فرنسا، والبدء بانتخابات أخرى برلمانية مبكرة، إضافة لعدم التصاق السلطة بالحكومات الأوروبية بشخص الرئيس أو رئيس الحكومة.
"