رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«أذربيجان».. بوابة خفية للإرهاب

الإثنين 03/ديسمبر/2018 - 03:29 م
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة

تعد أذربيجان إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي التي حازت الاستقلال بعد انهيار الاتحاد في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وفي أعقاب الاستقلال، تقربت أذربيجان من تركيا وعملت على استنساخ النموذج القومي التركي الذي يتسم بالعلمانية المطلقة، ويحمل هذا الأمر دلالات عدة، لعل أهمها تأثر المؤسسات القومية بفكرة عزل الدين عن الحياة العامة، تأثرًا بما كان سائدًا إبان الحكم الشيوعي لأذربيجان، رغم أن غالبية السكان مسلمون.


«أذربيجان».. بوابة

ويمكن أن نرجع توجه أذربيجان للعلمانية إلى أن المواطنين أنفسهم لم يكن لديهم ميول دينية واضحة، خاصة أن أغلبهم لم يكن بمقدوره التميز بين الخلافات القائمة بين المذهبين السني والشيعي، وقد انعكس هذا الأمر على وجود التنظيمات المتطرفة في أذربيجان، التي أباح لها خروج الاتحاد السوفييتي فرصة لإعادة تفعيل أنشطتها على أرض بعيدة عن شبهات الاستخبارات العالمية.  


وقد تولت «جبهة أذربيجان الشعبية» _ الحزب الحاكم في مرحلة ما بعد الاستقلال_ تطبيق النموذج العلماني التركي اتساقًا مع التوجهات الشعبية التي كانت مدركة آنذاك بعدم وجود أي دور حيوي للدين في الحياة العامة. وفي خضم العلمانية، بدأ الفكر الراديكالي في التمدد في بعض الأماكن، لعدد من الأسباب الداخلية والخارجية.


حاولت عدة دول إقليمية ومنها: إيران وتركيا استغلال الفراغ الفكري الذي نجم عن انهيار الاتحاد السوفييتي، وقامت بعمليات تمويل لبعض الأفراد من أجل مساعدتهم على استقطاب أفراد جدد أو زيادة قدرتهم الاستقطابية لأشخاص آخرين. وكعادة الفكر المتطرف، لابد أن تتسم البيئة الداخلية لأي دولة بالهشاشية المجتمعية الفكرية لكي ينجح الفكر المتطرف في التمدد داخلها. ويمكننا تقسيم هذه المؤثرات الداخلية إلى عدد من المحاور على النحو التالي:


1-  الإحباط المجتمعي من سوء تدهور الأوضاع الاقتصادية ومن تحكم النخبة الحاكمة في كل الموارد الاقتصادية وإساءة استغلالها بما يضر مصالح المواطنين. بعبارة أخرى، تسبب صرف الأموال على مشروعات لا تحتل أولوية لدي المواطن الأذربيجاني في زيادة نسب الاستياء الشعبي، الأمر الذي أدى إلى توسيع الفجوة بين النظام الحاكم والمواطنين، ما وفر بيئة خصبة للفكر الراديكالي للتمدد[1].  


2-   سوء الأحوال الاقتصادية: كعادة كل جمهوريات الاتحاد السوفييتي، عانت أذربيجان من ارتفاع نسب الفقر بمعدلات ملحوظة، ما منح الفرصة لحركات الإسلام السياسي للتمدد من خلال شبكة خدماتها الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، وفق تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية في 2004، فإن 49.6% من سكان أذربيجان يقبعون تحت خط الفقر العالمي، و17% من سكان أذربيجان يقبعون تحت خط الفقر الشديد، حيث لا يتعدى إنفاق الفرد الواحد 15 دولارًا في الشهر. بطبيعة الحال، تساهم مثل هذه الأحداث في تقليل الشعور بالولاء القومي، ما يوفر بيئة خصبة للتنظيمات المتطرفة للعمل واستقطاب الأفراد المتضررين من أنشطة الدولة.   


3-  سلوكيات قوات الأمن: يتعلق نشاط التنظيمات المتطرفة أو قدرة الفكر المتطرف على التمدد بنشاط قوات الأمن بصفة عامة. بمعني أنه إذا كانت قوات الأمن قمعية لدرجة كبيرة فإن ذلك يساعد الفكر المتطرف على التمدد، وفي نفس الوقت إذا كانت قوات الأمن قمعية بدرجة كبيرة دون أن تكون على قدر كبير من الكفاءة، فإن ذلك يؤدي إلى تحويل الفكر المتطرف من أطره النظرية إلى أخر عملية، بمعني أن يتم بلورة مجموعة الأفكار المتطرفة على هيئة تنظيم مؤسسي متطرف يمارس تهديدًا للدولة، وقد اتسمت قوات الأمن الأذرية بالقمعية دون الكفاءة ما وفر بيئة مناسبة للعمل الاستخباري الخاص بالتنظيمات المتطرفة، كما حدث في 1998، حينما تم تفجير السفارة الأمريكية في كل من نيروبي ودار السلام بأوامر بدأت من باكو العاصمة الأذرية.



 من الأهمية أن نشير هنا أن قوات الأمن الأذربيجانية قد استهدفت المجموعات الدينية دون استثناء أو تمييز، فعلى سبيل المثال، في منطقة زاجاتالا التي تعد معقلًا للسلفية الوهابية في أذربيجان، قامت السلفية بحلق لحي السلفيين، ثم حرقها، كما قامت بسلوكيات هدفت إلى إذلالهم بشكل رئيسي. وقد كان ذلك سببًا رئيسيًا في تمدد ظاهرة الإرهاب والإسلام السياسي في أذربيجان.


4-  التعليم: حينما يتعلق الأمر بالإرهاب، فإن التعليم يلعب دورًا كبيرًا بلا شك، حيث إن معظم المدارس في أذربيجان لا تقدم تعليمًا دينيًّا معتدلًا غير متشدد. يتعين أن نشير هنا إلى أن أذربيجان في مرحلة ما بعد الاستقلال، أصبح مواطنوها لديهم القابلية للتعرف أكثر على الدين الإسلامي في حالة ما تمت دعوتهم من قبل شخص أو مؤسسة مدنية، ويرجع ذلك إلى أن السلوكيات السوفييتية المضادة للدين، ولدت الرغبة لدي بعض الفئات المجتمعية للتعرف على الأمور الدينية التي كانت محظورة عليهم، دون أن تكون لديهم الرغبة في تطبيق هذا الفكر على أرض الواقع. ولأن المواطن الأذري لم يكن بمقدوره التفريق بين ما هو سني أو شيعي، كان من اليسير على المواطن الأذري أن يقوم بفتح بابه للمبشرين الذين يقدمون أنفسهم كأنهم خبراء بالدين الإسلامي. وهذا في حد ذاته، يحمل المزيد من التهديدات للدولة، خاصة أن الجيل الجديد بإمكانه أن يتم استقطابه بسهوله بالغة بسبب عدم معرفته بما جيد أو سيئ، فيما يتعلق بموضوع الدين فقط، ما يسهل خداعهم وتلقينهم مبادئ متطرفة على أنها مبادئ أصولية بالنسبة للدين الإٍسلامي.


«أذربيجان».. بوابة

المؤثرات الخارجية

ترتبط العوامل الداخلية بأخرى خارجية، ما يعني أن الدول الإقليمية التي يحتل الدين دورًا كبيرًا في أدوات سياساتها الخارجية عملت على استغلال الفراغ الديني الناجم عن رحيل السوفييت، فضلا عن الهشاشية الفكرية للمجتمع الأذري لممارسة النشاط. وتعد السعودية وتركيا وإيران هي الدول الأكثر نشاطا فيما يتعلق بالنشاط الديني القادم من الخارج بالنسبة لأذربيجان.


ازدادت مشاعر الاستياء من مواطني دولة أذربيجان نحو الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة ما بعد الاستقلال من الاتحاد السوفييتي، فعلى عكس المتوقع، قام الكونجرس الأمريكي في 1992 بإقرار قانون تم بموجبه منع الولايات المتحدة من تقديم دعم مالي أو مساعدة مالية لدولة أذربيجان. ورغم أن هذا الإجراء كان موجهًا لحكومة أذربيجان بسبب عدم تبنيها سلوكيات ديمقراطية، لكن تأثير هذه العقوبات طال المواطن في دولة أذربيجان. وقد ساهمت حالة الاستياء الشعبي في توليد نوع من الكراهية ضد الولايات المتحدة، وقد اتسعت دائرة الكراهية في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق ذات الأغلبية الشيعية.


كما تشير بعض الدراسات إلى أن المواطنين في دولة أذربيجان ربطوا بين سلوكيات الولايات المتحدة في المنطقة، وبين مصالحها، ما جعلهم يدركون أن اهتمام الولايات المتحدة ببلادهم يرجع إلى النفط فقط، وليس لشيء آخر، وأن الولايات المتحدة لا تهتم بحقوق الإنسان أو بأي شيء آخر. ويتهم مواطنو دولة أذربيجان الولايات المتحدة بازدواجية المعايير، فالغرب بالنسبة لهم لا يهتم إلا بمصالحه فقط السياسية والاستراتيجية.

 

كان للمدارس الدينية التي تقوم دول خارجية بافتتاحها في أذربيجان دور في نشر الفكر المتطرف داخل هذا البلد، خاصة أنه محاط بالعديد من الدول التي تعد موطنًا للفكر المتطرف، فعلى سبيل المثال إيران موطن الشيعية المتطرفة، وهناك أيضًا في الشمال دولة الشيشان التي تعد معقلًا للراديكالية الإسلامية السنية، هذا فضلًا عن الدور الذي حاولت بعض الدول العربية ملئه في مرحلة ما بعد خروج السوفييت.


«أذربيجان».. بوابة

التركيبة الدينية للمجتمع الأذري

رغم أن الجدال المتعلق بالأيديولوجية الدينية في أذربيجان منحصر بين الأيديولوجية الشيعية الإيرانية و السلفية، فإن المجتمع الأذري يعج بالعديد من المجموعات الدينية الأخرى على النحو التالي:


1-  المدرسة السلفية: هذا المذهب بدأ يتمدد في المجتمع الأذري من خلال بعض المواطنين العرب الذين يعيشون في أذربيجان. ويعد هذا المذهب النقيض التام للفكر الشيعي المتطرف، بل إن وجوده ونموه يتوقف بالأساس على حجم التكتلات الشيعية المتطرفة، لأن كل فعل له فعل مضاد، فصعود الفكر المتطرف في بلد ما لابد أن يقابله فكر متطرف.


2-  المجموعات الشيعية المتطرفة: تتلقي هذه المجموعات دعمًا ماليًّا ولوجستيًّا من إيران بهدف زعزعة سيطرة النظام الحاكم والعلماني، خاصة أن أذربيجان كانت جزءًا من أراضي إيران وتطمح إيران لاستعادتها يومًا ما. بدأ النفود الإيراني في أذربيجان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة، وقبل أن يتم تبادل البعثات الدبلوماسية بين الطرفين. وكعادة إيران بدأت بافتتاح المدارس الدينية الشيعية بهدف نشر الفكر الشيعي وخلق طبقة دينية موالية لها داخل المجتمع الأذري. علاوة على افتتاح المدارس الدينية، قامت إيران بإرسال مبشرين شيعة، خاصة إلى المناطق الجنوبية من أذربيجان والقريبة من الحدود الإيرانية، والتي تتميز بأغلبية سكانية شيعية، كما أرسلت إيران العديد من المبشرين الي المناطق التي تعاني من أزمات اقتصادية خانقة، فضلا عن مخيمات اللاجئين أو مناطق ومخيمات النزوح الداخلي.  


ولأن السلطات الأذرية تتعامل مع المجموعات السلفية باعتبارها خطرًا كبيرًا، فقد قامت بالتركيز على منع المجموعات السلفية من الولوج إلى هذه التجمعات فيما قد سمحت للمبشرين الشيعة بالعمل. وقد أدي ذلك إلى تعاظم النفوذ الشيعي في أذربيجان. ورغم أن الوجود الإيراني موجود بكثافة في المناطق الجنوبية، ومخيمات اللجوء والنزوح الداخلي، فإن المعقل الرئيسي للشيعة في أذربيجان في قرية ناردران في ضواحي العاصمة باكو. ففي داخل هذه القرية، يتم تعليق وترديد العديد من الشعارات الخاصة بالشيعة، مثل «الموت الأحمر أفضل من حياة سوداء».


وفي نهاية التسعينيات، بدأت أذربيجان في معرفة حقيقة الخطر الذي يمثله الشيعة، فقام الرئيس عليوف بحظر وطرد المبشرين الدينيين الإيرانيين، الذين كانوا يستقطبون المواطنين الأذريين بكثافة في المناطق الجنوبية من البلاد.


وتعد المدارس أفضل طرق إيران لنشر المذهب الشيعي وتكوين ولاءات شيعية خاصة بها، ورغم أن إيران قامت بإغلاق المدارس الإيرانية في 2002، لكن عددًا من هذه المدارس لا يزال يعمل في أذربيجان، إلى جوار كل ذلك، لا تزال هذه المدارس تبذل مجهودًا كبيرًا في استقطاب الطلاب الراغبين في دراسة المذهب الشيعي في إيران، ليعود هؤلاء الطلاب ويعملون كسفراء دينيين لإيران في أذربيجان.


3-  هناك مجموعات إيرانية أخري، لكنها ليست متطرفة بقدر المجموعة الأولي. ويقود هذه المجموعة رجل يدعي، ايلجار ابراهيموغلو الذي تلقي تعليمه الديني في مدينة قم، فضلًا عن دراسة حقوق الإنسان في بولندا، يعد الفارق بين هذه المجموعة الشيعية والمجموعة هو أن أتباع الشيخ ايلجار من النخبة المثقفة ومعظمهم لديه ارتباطات فلسفية بحيث يرفضون الأصولية الشيعية ويفضلون تطويرها لتتلاقي مع الحداثة العالمية. تتميز هذه المجموعة بقدرتها على جذب الشباب الصغار.  


4-  إلى جانب المجموعات الدينية المدعومة من الدول الإقليمية الثلاث، نجد أن هناك مجموعات متطرفة أخري تمركزت في هذه المنطقة، وتحديدًا تنظيم القاعدة، وتم كشف وجود تنظيم القاعدة في دولة أذربيجان في 1998، حينما قام التنظيم الإرهابي بتفجير السفارة الأمريكية في كل من نيروبي ودار السلام، حيث كشفت الاستخبارات الأذرية أن أعضاء منتمين لتنظيم القاعدة قاموا بإجراء مكالمة تليفونية إلى آخرين موجودين في مدينة لندن، قبل أن يصدر الأوامر من لندن بتفجير السفارة الأمريكية. بعد هذا الحادث، اتخذت السلطات الأذرية إجراءات حاسمة للغاية، كما قامت باعتقال العديد من أعضاء الجماعة الإسلامية المصرية والذين حامت حولهم ارتباطات بتنظيم القاعدة، وتم ترحيلهم إلى مصر. 

 للمزيد: التوجه شرقًا.. التمدد الإيراني في «أفغانستان» و«باكستان»


«أذربيجان».. بوابة

 الدور التركي في المجتمع الأذري

لعبت تركيا هي الأخرى دورًا كبيرًا في محاولة التأثير على التوجهات الدينية للمجتمع الأذري، من خلال تبنيها للمذهب الحنفي، ويعد هذا المذهب أقل تشددًا وراديكالية من الشيعية المتطرفة ومن السلفية، كما أن المدرسة التركية حاولت احتواء كل التيارات الدينية في أذربيجان من خلال تدعيم فكرة تقبل الآخر وعدم إقصاء الفكر المخالف.


وقد كان تركيز الجانب التركي منصبًا في الأساس حول الجوانب الأخلاقية للمواطن المسلم بغض النظر عن توجهاته الدينية، فضلًا عن محاولة الأتراك إعلاء ثقافة تطبيق الجوانب الدينية على الحياة العامة . وقد اعتقد الأتراك أنهم بذلك يساهمون في تكوين حلقة دائرية محيطة بهم من كل الجوانب دون ان يلتفتوا لفكر كل شخص، معتقدين أن هذه هي الوسيلة المناسبة لجذب كل هؤلاء الأفراد.


المحاولة التركية لفرض نفسها على واقع المجتمع الأذري تمت من خلال عدة خطوات، لعل أبرزها زيادة التعاون بين المؤسسات الدينية التركية وبين نظيراتها في أذربيجان، فضلًا عن بناء المساجد وافتتاح كلية دينية في جامعة باكو الحكومية. كما قامت تركيا بإنشاء المدارس الثانوية بالتعاون مع وزارة التعليم الأذرية.


في النهاية، يتعين أن نشير أن تركيا تستغل علاقاتها الوثيقة مع أذريبجان في افتتاح المدارس الدينية بهدف زيادة نفوذها وتحجيم النفوذ السعودي والإيراني. وتستغل تركيا حاجة أذربيجان للدعم على كل الأصعدة، خاصة بسبب خلافها العسكري مع أرمينيا، في التوغل أكثر داخل أذربيجان من باب التعاون الاقتصادي والعسكري.


المراجع

1-  Anar Valiyev, Azeraijan: Islam in A post-Soviet Republic, Middle East Review of international Affairs, Vol 9, Num 4, 2005.

2-  Emil Souleimanov, Maya Ehrmann, the Rise of Militant Salafism in Azerbaijan and Its Regional Implications, Middle East Policy Council, 2013.

3-    Anar Valiyvev, Terror Organisations in Azerbaijan and Rise of Homegrown terrorism, Research Gate.

4-  Aruza Geybullayeva, Is Azerbaijan becoming the hub of radical Islam, https://www.esiweb.org/pdf/esi_turkey_tpq_id_110.pdf



[1]

"