رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«الرومانسية الصوفية».. طريق الدراويش إلى إيطاليا

الجمعة 30/نوفمبر/2018 - 05:05 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة

بين دروب القارة العجوز تخللت «الصوفية» لتأسر بروحانيتها المثالية ورومانسيتها العقائدية ملايين البشر من سكان أوروبا ممن وجدوا في أساطيرها سكينة بعثرتها سنين الأباطرة وضريبة الاستعمار وفوضى الثورات الصناعية.


فمع تدفق التصوف إلى الغرب - بصرف النظر عن تلك النقطة الزمنية متعددة الأطروحات، التي بدأ عندها هذا التيار بالتجذر في الثقافة الأوروبية- انغمس الكثيرون في أفكاره وأسراره التي لامست تعقيدات النفس البشرية وأعطت تفسيرات أكثر رحابة لتقبل تلك التعقيدات أيًا كانت.


ومن بين أكثر الدول التي تعاطف مواطنوها مع الطرق الصوفية كانت إيطاليا، التي يعيش فيها حوالي 2.2 مليون مسلم وذلك فقًا للإحصائية الأخيرة التي قدمتها وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية ومقرها فيينا « FRA»، التي أكدت أن هذا التعداد يُعد من أعلى الأرقام في الاتحاد الأوروبي.

«الرومانسية الصوفية»..

تاريخ ومفردات

ورغم أن الأيدلوجية الصوفية قد لاقت رواجًا في المجتمعات المتحضرة بناء على نظرتها المختلفة للدين، تلك النظرة التي تجلت بشكل واضح في تعاليم الحركة الصوفية الدولية التي أسسها الهندي عنايت خان ( 1882- 1927) في الغرب عام 1910 التي تعتمد على أن التصوف هو منهج روحاني وإنساني لا يرتبط بالدين بشكل رئيسي، فإن المنهج في إيطاليا قد ازدهر مع معتنقي الإسلام.

للمزيد: «عنايت خان».. موسيقي نقل التصوف من الهند إلى الغرب

أخذ التصوف في الازدهار محافظًا على تعاليمه الأساسية من التسامح والتقبل الواسع للآخر؛ وهذا «التقبل» كان من المفردات التاريخية والأساسية التي فتحت باب التصوف في الدولة الإيطالية.

وفُتح هذا الباب عن طريق أحد أعلام الصوفية في البلاد وفي القارة العجوز بأكملها وهو «عبدالواحد بالفتشيني» أو «Abd al Wahid Pallavicini» (1926- نوفمبر 2017) وهو إيطالي الجنسية ولد في ميلانو لعائلة بالفتشيني ذات الشهرة العريقة في الأوساط النبيلة الإيطالية، وتحول عبدالواحد إلى الإسلام عام 1951 بعد رحلة إلى سنغافورة تأثر فيها بالطريقة الأحمدية الإدريسية الشاذلية.


وإلى جانب سمات العراقة والنبل والشهرة التي رسمت الصورة الذهنية للتصوف على يد بالفتشيني، فإنه أيضًا قام بإعلاء معاني التقبل للآخر وما يبرهن على ذلك هو حضوره المتعدد للمنتديات والحوارات العالمية التي يعقدها الفاتيكان دوريًّا لتقريب وجهات النظر بين الأديان وإعلاء قيم الإنسانية، فهو لم يزدري المسيحية بعد خروجه منها ولكن الصوفية قد زادته تسامحًا.


ومن مفردات العراقة والتقبل ننتقل إلى نبذ العنف تلك السمة التي أسهمت في تشكيل الفكر الصوفي لدى العلم الإيطالي الآخر بالتيار وهو «جبريل مانديل» أو  «Gabriele Mandel»، ومانديل (1924- 2010) هو إيطالي ولد في بولونيا لأب أفغاني وتأثر  كثيرًا بفترات اعتقاله وتعذيبه على يد النازيين، ما جعل رؤيته للتصوف تصطبغ بالسلام ونبذ النزاعات والحروب وهي الرؤية التي بدأ في نشرها منذ شبابه الذي اعتنق فيه الطريقة الجراحية الهلفيتية ليصبح المرشد الخاص بها في إيطاليا.

«الرومانسية الصوفية»..

طرق ومراكز

وبطبيعة الحال تأثر تعداد الطرق بأشهر الأعلام الإيطالية التي جلبت التصوف إلى روما ولذلك فإن أشهر الطرق الصوفية في البلاد هي كالتالي:

·       الجراحية الهلفيتية

تأثر الإيطاليون بجبريل مانديل الذي درس الموسيقى في مدارس فينيسا وجمع بين الألحان والجراحية الهلفيتية تلك الطريقة التي تعود إلى الشيخ التركي محمد نورالدين الجراحي (1678- 1720).

واشترك في التمهيد للطريقة الجراحية إلى جانب مانديل التركي  مظفر أوزاك (1916- 1985) الذي أسس لها مركزًا يعد من أهم الأفرع في القارة العجوز.

للمزيد: «الجراحية الهلفيتية».. التصوف كما يعشقه الغرب

للمزيد: الصوفي مظفر أوزاك.. مئذنة المحبة وطريق الوصال

«الرومانسية الصوفية»..

·       الأحمدية الإدريسية الشاذلية

تعتبر الإدريسية الشاذلية من أهم الطرق الصوفية الممثلة في إيطاليا وذلك عن طريق الجمعية الدينية الإسلامية الإيطالية المعروفة اختصارًا بـ«COREIS» ويقع الفرع الرئيسي لها في ميلان منذ أوائل التسعينيات، وقد أسسها عبدالواحد بالفتشيني لحماية التراث الروحي والفكري للدين الإسلامي في الغرب، والتلاقي مع أعضاء التيار.

ويديرها حاليًا ابنه يحيي الذي يُعتبر ممثل الطريقة في البلاد، ويُشرف على الأنشطة المختلفة للجمعية، وفروعها المنتشرة في لاتسيو وصقلية وتوسكانا وغيرها من المدن كافة، ويبلغ عدد أعضاء الجمعية حوالي 150 ألف إيطالي.

والطريقة الأحمدية الإدريسية الشاذلية هي إحدى طرق الدراويش التي تعود إلى المغربي أحمد بن إدريس الفاسي (1750- 1837) وتنتشر في آسيا ومصر والمغرب العربي.

·       النقشبندية

تعتبر النقشبندية من الطرق المهمة والمنتشرة بشدة في أوروبا لاسيما إيطاليا التي تشهد وجود مركز مهم للطريقة يقع في بلدة أميليا بمقاطعة تيرني في إقليم أومبريا ويرأسه الشيخ برهان الدين حرمان الذي اعتنق التيار النقشبندي بعد تأثره بالشيخ القبرصي ناظم الحقاني (1922- 2014).

للمزيد: التصوف في ألمانيا.. تركي الهوى ونقشبندي المنهج

ويقدم المركز أنشطة متعددة تتنوع بين الأمسيات الثقافية وحلقات الذكر، وتنتظر الطريقة إقامة تجمع مهم لأعضائها في المركز بمنتصف ديسمبر القادم، وذلك على غرار التجمعات المتعددة التي تعقد دوريًّا.

·       المولوية

لم يكن أن يستقيم الحديث عن التصوف في إحدى دول أوروبا دون التطرق إلى أتباع جلال الدين الرومي الذين تأثروا بأشعاره وحكمه ليعتمدون سمات طريقته المولوية بألحانها ورقاصاتها الدائرية وتسامحها.

 وبالبحث حول وجود الطريقة في إيطاليا لم يتضح أن هناك مركزًا أو موقعًا محددًا للطريقة ولأتباعها بعكس ألمانيا مثلاً، ولكن توجد بعض العروض للرقصة المولوية بعدد من المراكز الثقافية.

«الرومانسية الصوفية»..

ملاحظات محظورة

اللافت في دراسة التصوف في إيطاليا أن الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية تعتبر من أبرز الطرق الصوفية في البلاد، وذلك على الرغم من كونها محظورة في مصر نتيجة لأفكارها ومضامينها التي سبق وأعلن مجمع البحوث الإسلامية والأزهر ووزارة الأوقاف فساد عقيدتها الإسلامية.

والبرهانية هي إحدى الطرق التي أسسها في الماضي إبراهيم الدسوقي، وشيخها الحالي هو السوداني محمد عثمان عبده البرهاني.

وقد تم تأسيس فرع الطريقة بإيطاليا في الثمانينيات في قلب العاصمة روما، وتبعه فرع آخر بنابولي وزاوية أخرى في منطقة أوريليا، وتشهد المراكز إقامة الحضرة يوم الأحد من كل أسبوع، كما تعقد درس توعية آخر عن الطريقة والتصوف عمومًا كل أربعاء، وإلى جانب ذلك تقيم المراكز الاحتفالات المتعددة الصاخبة بشكل يشبه موالد الشرق.


إضافة إلى اعتبار البرهانية من أهم الطرق الصوفية وأكثرها انتشارًا في البلاد رغم حظرها في مصر وبعض البلدان العربية القريبة جغرافيًا من إيطاليا، فإن التاريخ المشترك بين البلدان العربية وبين إيطاليا لم يلق بظلال واضحة على التصوف في الدولة الأوروبية.


فعلى سبيل المثال كانت ليبيا مستعمرة إيطالية منذ 1911 إلى 1943 وكان أشهر مقاوميها وهو عمر المختار (1858- 1931) شيخ المجاهدين كان صوفيًا يعتنق الطريقة السنوسية وعلى الرغم من ذلك فهي غير ممثلة بشكل واضح في خريطة التصوف في إيطاليا.

عبدالواحد بالفتشيني
عبدالواحد بالفتشيني
جبريل مانديل
جبريل مانديل
برهان الدين حرمان
برهان الدين حرمان
"