رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

الإخوان و«أدب السجون».. من قصائد المِحَن إلى رسائل الأحِبَّة

الخميس 26/أبريل/2018 - 11:13 ص
سيد قطب
سيد قطب
دعاء إمام
طباعة
في جانب من زنزانة اقتُطعت منها زاوية لمرحاض، يجلس أحدهم ممسكًا قلمًا ووريقات، يخطُّ فيها سطورًا متعجلة، ثم يَدُسُّها في مكان بعيد عن أعين الحرّاس.. منذ خمسة أو ستة عقود منصرمة وصلت إلينا أفكار كان منبعها السجون؛ إذ عكف أعضاء جماعة الإخوان (أسسها حسن البنَّا 1928) على تدوين يوميات ورسائل ومذكرات دارت رحاها في المعتقلات، وصفوها بـ«أشجان المِحَن»، وعرَّفوها بأنها «أدب السجون».


الإخوان و«أدب السجون»..
ملتقى الحكَّائين

بعد أن أمضى سيد قطب (1906-1967) -مُنظِّر الجماعة، سنواته الأولى في ليمان طرة- سجن يقع جنوبي القاهرة- كوَّن خلالها رؤيته التي خلص إليها؛ فقال بجاهلية المجتمع، وحتمية الصدام مع الحاكم، ومنذ الحكم عليه بـ15 عامًا بدأت من عام 1955، كانت أفكار قطب حبيسة الجدران؛ ففي عام 1959 انتهى من تأليف الأجزاء الـ12 الأخيرة من كتابه "في ظلال القرآن"، وبدأ يُنقِّح الأجزاء الـ18 الأولى التي نشرها بين عامي 1952 و1954 قبل سجنه.

ومع خروجه للعلاج في مستشفى السجن مطلع الستينيات، طرح أفكاره على رفيق المعتقل يوسف هواش، ولمعت في رأسه فكرة تأسيس حركة إسلامية جديدة، وعمل على التبشير بها من 1962 حتى 1964، دأب خلالها "قطب" على الاتصال بالإخوان خلال فترات التَّرَيُّض في فناء المستشفى، وتوالى مجيء أفراد الجماعة إليه للتعرف على دعوته، واعترف بتكوين أسر في السجن لدراسة كتبه.

لُقِّبت شقيقته الصغرى "حميدة" بـ"حاملة الرسائل"؛ فكانت حلقة الوصل بين أخيها وأنصاره في الخارج، ووصل إليهم كتاب "معالم على الطريق" الصادر عام 1964، والذي وُصف بأنه دستور للجماعات المتطرفة؛ فكُتب داخل السجن، وتدرجه الجماعة تحت تصنيف "أدب السجون"، إضافة إلى وثيقة "لماذا أعدموني؟" التي أوصى فيها بإزالة رؤوس رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ومدير مكتب المشير، ومدير المخابرات، ومدير البوليس الحربي، وخطة لنسف بعض المنشآت كمحطات الكهرباء والكباري.


الإخوان و«أدب السجون»..
في هذه الأثناء تخوَّف تيار من "اليسار الإخواني" من نشر أفكار قطب التي دعت للعنف، وكفَّرت المجتمع والحكام؛ لكن حسن الهضيبي المرشد الثاني للجماعة (1950-1973) وافق على طباعة كتاب "معالم على الطريق"، ليس هذا فحسب؛ بل قال الهضيبي: إن "قطب فهم عبارة لا إله إلَّا الله بمعنى أنه لا إله على الأرض إلَّا الله، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله".

وبعث برسالة إلى أعضاء مكتب الإرشاد المسجونين، الذين اعترضوا على آراء قطب في السجن، قال فيها: "ما قاله قطب هو الحق الذي لا يسع أي مسلم أن يقول بغيره؛ لكن أعترض –فقط- على الصورة القوية البارزة التي يُعبِّر بها عن رأيه الصحيح ذاك؛ لأن ذلك لا يحمل سياسة.. لا نرى داعيًا للخلاف؛ فمن يريد أن يأخذ برأي سيد قطب فليأخذ به، ومن لا يريد أن يأخذ به؛ فليظل على موقفه، إلى حين الإفراج عن المسجونين، وعودة الجماعة إلى نشاطها، وآنذاك يمكن طرح الموضوع للمناقشة لتحديد ما يُقال وما لا يُقال".

أدب المِحنة

بين جدران إحدى زنازين السجن الحربي (سجن عسكري يتبع وزارة الدفاع) في العام 1955، كان يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، يردد على مسامع النزلاء أبياتًا من الشعر شرع في تأليفها فترة تواجده بالسجن. 

وكان السجن ملتقى الحكَّائين الإخوان، ولأن القرضاوي لم يُسمح له بحيازة أقلام وأوراق؛ فقد كانت وسيلته للحفاظ على إنتاجه التكفيري، هي تكرار ترديد الأبيات على شباب الجماعة المحبوسين معه وتلقينهم الأبيات؛ لضمان نقلها إلى أفراد الإخوان فور خروجهم من السجن، ومن ثَم توثيقها ونقلها على أنها "أدب المِحنة".


الإخوان و«أدب السجون»..
على مدار عشرين شهرًا قضاها القرضاوي في السجن الحربي كتب "الملحمة النونية"، وعدد أبياتها 294 بيتًا، بدأها بـ"ثار القريض بخاطري فدعوني.. أفضي لكم بفجائعي وشجوني"، وفيها شبَّه نفسه بالنبي يونس؛ إذ قال: "نونية والنون تحلو في فمي أبدًا فكدت يقال لي ذو النونِ (لقب نبي الله يونس)".

رسائل الأحِبَّة
أما محمد كمال السنانيري أبرز قادة النظام الخاص (تأسس عام 1940)، فصُنِّفت رسائله ذات الطابع الرومانسي ضمن "أدب المِحنة" الذي يفخر به الإخوان، وخلال فترة وجوده بالسجن عام 1954 وبعد قضاء عدة سنوات، طلب من سيد قطب أن يخطب أخته "أمينة"؛ رغم علمه بأنه حُكِم عليه بالمؤبد؛ لكن العروس وافقت على الفور، وبقيت ما يقارب العشرين عامًا مخطوبة لـ"السنانيري" القابع في السجن الحربي.

ومن بين الرسائل التي كتبها لـ"أمينة": "لقد طال الأمد، وأنا مشفِقٌ عليك من هذا العناء، وقد قلت لكِ في بدء ارتباطنا قد يُفرَج عني غدًا، وقد أمضي العشرين سنة الباقية أو ينقضي الأجل، ولا أرضَى أن أكون عقبة في طريق سعادتك، ولكِ مطلَق الحرية في أن تتخذي ما ترينه صالحًا في أمرِ مستقبلك من الآن، واكتبي لي ما يستقرُّ رأيُك عليه، والله يوفقك لما فيه الخير".

ردت شقيقة قطب على رسالته بأنها منتظرة؛ فقالت: "لقد اخترت أملًا أرتقبه، طريق الجهاد والجنة، والثبات والتضحية، والإصرار على ما تعاهدنا عليه بعقيدة راسخة ويقين دون تردد أو ندم".

وعن مذكرات الإخوان المكتوبة في السجون، يقول طارق أبوالسعد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية وعضو سابق بجماعة الإخوان (انضم إلى الجماعة في السبعينيات وفُصِل منها في 2011)، إنَّ المُعلَن مما وصل إلينا من كتب الإخوان، كتاب" في ظلال القرآن"، ووثيقة "لماذا أعدموني" لسيد قطب، و"دعاة لا قضاة" لحسن الهضيبي، إضافةً إلى بعض الرسائل الشخصية والأشعار لقيادات الإخوان، والتي كُتِب كثير منها خلال فترة السجن.

ويتطرق إلى أن دخول الأوراق والأقلام اللازمة للكتابة يتم عن طريق دفع رشاوى من قيادات الجماعة لحرَّاس الزنازين، وأضاف لـ"المرجع"، أن "هذه المذكرات تم تسريبها عبر نساء وأخوات كُنَّ يزرن أقاربهن في السجون؛ فيحملونها معهن أثناء خروجهن؛ نظرًا لصعوبة تفتيشهن بشكل دقيق"، لافتًا إلى أن المحامين –أيضًا- يكونون وسيلة لحمل تلك الأوراق إلى قيادات الجماعة خارج السجون وأقاربهم، حسب قوله.

"