رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

طبقها «البنّا» مطلع القرن الـ20..«الحِسبة» أولى خطايا الإخوان في مصر

السبت 01/ديسمبر/2018 - 06:24 م
المرجع
دعاء إمام
طباعة

مع أيامه الأولى بالمدرسة الإعدادية، التقى الصبي «حسن» ذو العشرة أعوام، بـ«محمد أفندي عبدالخالق» مدرس الحساب والرياضة بالمدرسة، وجلس المعلم يتحلق حوله تلاميذه، مقترحًا أن يؤسس طلابه جمعية مدرسية يسمونها «جمعية الأخلاق الأدبية»، يكون هو المشرف عليها ويضع لائحتها، ثم يختار من بين الطلاب من يمثلون مجلس إدارتها، التي تلخص عملها في مراقبة تصرفات الطلاب، وتطبيق غرامة لمن سب زميله، وتتضاعف الغرامة إذا تطاول الطالب على أبويه، ومن يمتنع عن التنفيذ يقاطعه زملاؤه.

طبقها «البنّا» مطلع

لم يخطر ببال «محمد أفندي» أنه يربي أول أجيال القرن العشرين على نظام «الحِسبة»، الذي يطبقه تنظيم «داعش» بعد نحو مائة عام، إذ اعتمد التنظيم الإرهابي الذي ظهر بالعراق عام 2013، على تعيين ما يسمى بـــ«ولي الحسبة»، والذي يختار عناصر من التنظيم لمراقبة أحوال الناس ومن يخطئ يتم تطبيق الحدود الشرعية عليه، والتي قد تكون بقطع اليد أو الرجم وربما القتل.


وقع اختيار رئيس مجلس إدارة جمعية «الأخلاق الأدبية» على الطالب «حسن أحمد عبدالرحمن البنّا"_ الذي أسس فيما بعد جماعة الإخوان عام 1928_، وقال «البنا» في سيرته الذاتية المعنونة بـ«مذكرات الدعوة والداعية»: (حاكمت الكثيرين على مخالفات وقعت منهم، وجمعت من الغرامات مبلغًا لا بأس به، كنا ننفق بعضه في تكريم زميل، أو تجهيز ميت غريب غريق ألقى به النيل إلى جوار سور المدرسة)، وكان رقيبًا على أقرانه في المدرسة، فمن لم يؤد الصلاة في وقتها يحصل منه على غرامة، مطالبًا بتطبيق هذا النموذج في المعاهد الدينية والمدارس.


يمضي «البنا» ساردًا أثر تلك الجمعية على تنشئته؛ فهي التي دفعته للإبلاغ عن صاحب إحدى السفن، بعدما لاحظ خلال سيره بقرية المحمودية التي نشأ بها، أنه يضع تمثالًا خشبيًا عاريًا على ساري السفينة، فذهب إلى ضابط نقطة الشرطة وأبلغه عما رآه.

للمزيد: مرصد الإفتاء يحمل «البنّا وقطب» مسؤولية «شرعنة العنف والتكفير»

طبقها «البنّا» مطلع

وبحسب كتابات «مؤسس الجماعة»، فقد استجاب الشرطي لطلبه وهدد مالك المركب وأمره بأن ينزل التمثال على الفور، ومن الدلائل على دور «البنا» في التأصيل لنظام «الحسبة»، يقول: (حضر الضابط صباح اليوم التالي وأخبر الناظر بما فعلته، وأذاع النبأ في الإذاعة المدرسية، مشجعًا الطلاب على إنكار المنكر والإبلاغ عنه على الفور).


لم يكتف «البنا» الذي عمل بمهام «ولي الحِسبة» بدور «جمعية الاخلاق الأدبية فقط»، بل تطورت إلى تأليف جمعية إسلامية داخل المدرسة، أطلق عليها جمعية «منع المحرمات»، إذ كان اشتراك العضو بها بين 5 و 10 مليمات أسبوعيًّا، ووزعت مهامها على الأعضاء، فمنهم من تولى تحضير نصوص تحذيرية، وكتابة خطابات، وآخرون كانوا يكتبون تلك الرسائل بالحبر ثم طباعتها، وأخير يتولى مسؤولية توزيعها على من تصل إلى الجمعية أخبارهم، أنهم يرتكبون مخالفات أو لا يحسنون أداء العبادات.

للمزيد:العمل السري.. أسلوب الإخوان في سبيل التمكين والاستحواذ


توزع رفاق «البنا» على الشوارع وملأوا الطرقات، يتلصصون على العباد؛ فمن علموا أنه أفطر في نهار رمضان، أو ارتدى حليًا ذهبيًا، أو لم يخشع في الصلاة، يصله خطاب شديد اللهجة ينهاه عن ما فعله، إضافة إلى انتشار هؤلاء الصغار في المآتم، يراقبون النسوة، فمن لطمت وجهها أو شقت ملابسها، أرسلوا خطابًا لزوجها أو وليها.


ويبرر«البنا» اللجوء للأطفال في توزيع الخطابات، رغم إمكانية تعرضهم للخطر، بأن صغر سنهم وعدم التفات الأنظار إليهم أو وقع الشبهة عليهم، كان يسهل عليهم الوجود في كل الأماكن، دون أن يأخذ الناس حذرهم من هؤلاء الصبية، حتى الشيخ الكفيف الذي ساعد «البنا» على حفظ القرآن في «كُتّاب» قريته ويدعى «محمد زهران»، لم يسلم من تلك الجمعية، إذ قالوا إنه حدثت منه بعض المخالفات الشرعية؛ وطالبوه بالابتعاد عن المكروهات .

للمزيد: «الأطفال».. الكنز الاستراتيجي للتنظيمات الإرهابية

طبقها «البنّا» مطلع

ستة أشهر هي عمر أول «هيئة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر» تعرفها مصر، فقد استمر عمل جمعية «منع المحرمات» نصف عام بأكمله، حتى انفضح أمرها بعد أن أمسك صاحب مقهى بفتى حاول وضع خطاب له أسفل الباب، ينهاه عن اصطحاب راقصات إلى بيته أو المقهى، فأمسك به ودلّ الناس عليه، ولم يكن هذا مبررًا للكف عن ذاك النشاط من وجهة نظر «البنا»، فقال: (بعد هذه الواقعة قررنا تخفيف نشاطنا والبحث عن طرق أخرى لمنع المحرمات).


وفور بلوغه الرابعة عشرة، قرأ  «البنا» لـ«حسنين الحصافي» شيخ الطريقة الحصافية (طريقة صوفية انضم لها البنا في بداية حياته)، الذي استزاد منه «مؤسس الجماعة» فيما يخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ عدّد «البنا» في «مذكرات الدعوة والداعية» ، ما مارسه «الحصافي» من تصرفات، منها أنه لطم رجل على وجه حينما رآه ينحني لـ«رياض باشا» (رئيس وزراء مصر في الفترة بين 1879 و1893)، ومرة أخرى أنه حطّم تمثالًا خشبيًّا موضوعًا على مكتب أحد الموظفين، إضافة إلى تعنيف الخديو توفيق (سادس حكام مصر من الأسرة العلوية، حكم منذ 1863 حتى 1879)؛ الذي ألقى عليه «الحصافي» التحية فأومأ برأسه ردًا عليه؛ مما أغضب الشيخ.

للمزيد: حسن البنا ورفاعي طه.. أفكار متشددة لم تُهذّبها الصوفية

تصوف «البنّا».. محطة شقت صفوف الإخوان


تلك المرحلة من عمر مؤسس الجماعة، ساهمت بصورة كبيرة في تشكيل شخصية فرد  يهوى العمل السري، وجمع الاشتراكات وفرض الغرامات، ومحاسبة الناس على أفعالهم، إضافة إلى الزجّ بالصغار في مهام تمثل خطورة عليهم، مثل حمل الخطابات وتوصيلها للمخالفين -من وجهة نظره-، وهي المبادئ التي نقلها تنظيم «داعش» والجماعات الإرهابية الأخرى عن الإخوان ؛ سواء في تطبيق نظام «الحِسبة» أو تجنيد الأطفال وغير ذلك.  

وعرفت مصر «الحِسبة» مجددًا، بعد وصول الإخوان إلى سدة الحكم عام 2012، إذ انتشر مجموعة من الشباب في المدن والقرى يطالبون بإقامة الحدود، فشهدت الدولة فى تلك الفترة القصيرة، عدة حالات منها مقتل شاب في محافظة السويس عام 2013، بعدما رآه هؤلاء الشباب يجلس مع خطيبته، إضافة إلى مشاجرة أخرى انتهت بالتعدي على قبطي وإصابته في رأسه، واطلقت هذه المجموعة على نفسها «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، أسسها شاب يدعى «هشام عشري».


وبعد الصمت الإخواني تجاه «الأمر بالمعروف»، وعدم اتخاذ موقف حاسم من الهيئة التي أعلن عنها رسميًا خلال حكم الجماعة، قال الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في المجتمع تقع على الدولة، ولا دخل للشعب أو الأفراد بها؛ منعًا لانتشار الفوضى ولتحقيق الاستقرار بالمجتمع.

الكلمات المفتاحية

"