رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

طرق استهداف التنظيمات للدول.. «الإرهاب المائي نموذجًا»

الأربعاء 28/نوفمبر/2018 - 08:45 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة

كانت ولاتزال الظاهرة الإرهابية من أكبر مهددات العيش والسلام في المجتمعات الإنسانية على مر العصور، فمنذ فجر التاريخ عانت تلك المجتمعات من العمليات التخريبية التي يرتكبها الأفراد والمجموعات والحكومات من أجل تحقيق غايات ومصالح خاصة.


اتسمت الظاهرة الإرهابية طوال التاريخ الإنساني بالبساطة وعدم التعقيد سواء في الأفكار أو التكتيكات الإرهابية، إلا أنه في الفترة الأخيرة اتخذت العديد من الصور والسياقات، التي تضفي عليها مزيدًا من التعقيد في فهمها سواء من ناحية الأفكار  أو التكتيكات.

ومن أبرز التجليات الحديثة للإرهاب ظهور أنماطٍ جديدةٍ منه، مثل الإرهاب المائي؛ حيث أصبحت «نظم المياه» في العديد من الدول أكثر جاذبية للتنظيمات، فاستهدافها يحقق العديد من التأثيرات السلبية على الحكومات والمجتمعات الحديثة قد تصل تلك التأثيرات إلى حالة فناء شامل للمجتمعات المستهدفة، لذا ستحاول هذه الدراسة التطرق إلى أبعاد ظاهرة الإرهاب المائي الممارس من قبل الجماعات المتطرفة إزاء المجتمعات الحديثة.     

طرق استهداف التنظيمات

أولًا . الظاهرة الإرهابية في عصر ما بعد الحداثة


الظاهرة الإرهابية في عصر ما بعد الحداثة لا تعترف بوجود ثوابت معينة أو مجموعة من الحقائق الدارجة فلا قواعد محددة سلفًا يمكن الركون إليها في تفسيرها؛ حيث تنوعت أهداف وتكتيكات الجماعات الإرهابية بشكل كبير.


ساهمت عوامل عدة في تعقيد الظاهرة الإرهابية في خلال العقود الأخيرة مثل العولمة، فالتنظيمات عملت على تطويع أدوات العولمة كالإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والتقدم الإلكتروني في شن المزيد من الهجمات الإرهابية وظهور صور وأنماط جديدة من الإرهاب مثل «السيبراني».  


يؤكد «إدريس بن عطية الطيب» المحاضر بقسم العلوم السياسية في «جامعة العربي التبسي الجزائرية» أن الظاهرة الإرهابية في مرحلة ما بعد الحداثة اتخذت العديد من الأنماط والصور الحديثة وتم تقسيمها وفقًا لعدد من المعايير  من بينها التاريخي وعدد الفاعلين والمعيار الموضوعي، وتم تقسيم المعيار الموضوعي إلى النقاط التالية([1]):


Ø     الإرهاب النووي: يتمثل في المخاوف لدى الدول في امتلاك الجماعات الإرهابية رؤوسًا نووية، وتعاظمت احتمالات امتلاك الجماعات المتطرفة لأسلحة نووية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، إلا أنه في الوقت الراهن تتضاءل فرص تلك الجماعات نظرًا لتعقيدات التكنولوجيا النووية التي ليست مُتاحة للجميع وتحرص الدول النووية على تأمينها بالشكل المطلوب([2]).



Ø     الإرهاب الكيماوي: يتسم بالسهولة النسبية عن الإرهاب النووي نظرًا لسهولة تصنيع المواد المتفجرة الكيماوية، وخلال الفترات الماضية وثقت العديد من الهجمات الإرهابية الكيماوية مثل هجمات مترو الأنفاق في اليابان التي نفذتها جماعة «أوم شيرنكو»([3]).



Ø     الإرهاب البيولوجي: أسلوب تمارسه بعض الجماعات عبر استخدام الكائنات الحية المسمومة والبكتريا والفطريات الضارة من أجل تحقيق هدف معين متمثل في نشر الأمراض والأوبئة في الإنسان والحيوان والنبات بغرض القضاء عليهم([4]).



Ø     الإرهاب البيئي: يتحدد الإرهاب البيئي من خلال رغبة بعض الأشخاص في استهداف النمط البيئي المحيط، من أجل معاقبة المجتمعات مثل إشعال الحرائق الواسعة وزيادة التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية، والحد من الجهود الحكومية لمواجهة أثر التغييرات المناخية مثل الدول الذي تلعبه بوكوحرام في تعطيل الإجراءات الحكومية والدولية لمواجهة التأثيرات المتزايدة لتغير المناخ في منطقة بحيرة تشاد([5]).


Ø     الإرهاب السيبراني: يتمثل في تطويع التكنولوجيا الحديثة والثورة الرقمية في تنفيذ العمليات الإرهابية كاختراق المواقع الحكومية الحساسة والحصول على المزيد من المعلومات وتحويل الأموال وتجنيد المتطرفين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.


Ø     الإرهاب الإيكولوجي: يمكن اعتباره أنه الاستخدام غير القانوني للقوة ضد الأشخاص أو الممتلكات بقصد إنقاذ البيئة من التعدي والدمار البشريين. الهدف المعلن للإرهابيين الإيكولوجيين هو إبطاء أو إيقاف استغلال الموارد الطبيعية ولإثارة الاهتمام العام بالقضايا البيئية.


Ø     الإرهاب المائي: أما فيما يخص تعريف الإرهاب المائي فلا يوجد تعريف محدد للإرهاب المائي؛ نظرًا لتشعب التهديدات المائية في العالم وعدم حصرها في إطار معين، فقد تأتي التهديدات على سبيل المثال لا الحصر عبر  تلويث مصادر المياه بواسطة الفطريات والبكتريا السامة وهو ما يجعلها غير صالحة للاستهلاك سواء للبشر أو الحيوانات أو الزرع، ويعد هذا الأسلوب قديمًا نوعًا ما استخدمته السلطات الاستعمارية في وأد الحركات المناهضة للاستعمار فمثلًا استخدمته السلطات الاستعمارية البريطانية في قتل قائد الثورة الصومالية «محمد بن عبد الله حسن» عام 1920.([6])    


 ويمكن أن تأتي التهديدات أيضًا عبر  قطع وحجز المياه عن بعض المناطق، وهذا النوع من الإرهاب تمارسه الدول ضد بعضها البعض أو ضد بعض الجماعات مثل الإجراءات التي تمارسها تركيا في قطع المياه عن سوريا والعراق بإقامة السدود والبحيرات الاصطناعية، وقد تأتي التهديدات أيضًا عبر  تدمير المنشآت المائية كالسدود من أجل إغراق مدن وقرى بأكملها وهو ما يُعد أخطر  التهديدات المائية مثل المخاوف التي انتشرت عقب سيطرة «داعش» على مدينة الموصل عام 2014 واتجاهه نحو تدمير «سد الموصل» ما قد يتسبب في إغراق العاصمة العراقية بغداد بأكملها.


أنماط متشابكة

لعل ما يميز الإرهاب المائي هو تداخله مع أنماط الإرهاب الأخرى كالسيبراني والبيولوجي والكيمائي وغيرهم، فمثلًا يتداخل الإرهاب السيبراني مع الإرهاب المائي عبر  رغبة الجماعات الإرهابية في السيطرة على أنظمة التحكم  الإلكترونية الخاصة بالسدود والخزانات والقنوات المائية، فعن طريق ذلك يمكن إيقاف إمدادات المياه عن بعض المناطق وتعطيشها وقد تتفاقم الأمور أكثر وأكثر عن طريق إيقاف إمدادات المياه للمناطق الصناعية والتجارية الكبرى ما ينتج عنه خسائر اقتصادية ضخمة، وقد يؤدي الاختراق الإلكتروني لأنظمة التحكم في السدود إلي إغراق بعض المناطق.


تم توثيق أولى حالات الاختراق الإلكتروني لمنظومات المياه والري والصرف الصحي في 23 أبريل 2000 في مدينة كوينزلاند بأستراليا؛ حيث ألقت الشرطة القبض على رجل حاول السيطرة اللاسلكية على نظام مياه الصرف الصحي لشركة «ماروتشاي شاير» وإطلاق مياه الصرف الصحي في المتنزهات والأنهار والممتلكات.

وفي عام 2002 تزايدت المخاوف الأمريكية من احتمال حصول تنظيم القاعدة  علي معلومات عن نظام التحكم الإلكتروني (SCADA) الذي يتيح لها إمكانية الولوج على نظم المياه في الولايات المتحدة.


ويتداخل الإرهاب المائي مع الكيميائي عبر العديد من الوسائل الشائع والأبسط منها هو تقليل نسبة الكلور والأوزون الذي يتم استخدامهما في تنقية المياه، أما التحدي الكيميائي الأبرز فيتمثل في استخدام مبيدات الآفات والمواد  الكيميائية والمبيدات الفوسفاتية العضوية في تلويث خزانات وقنوات المياه مما يعرض حياه البشر للفتك.


ويواجه الإرهاب الكيميائي العديد من التحديات أبرزها كيفية الحصول على المواد الكيميائية المناسبة والقادرة على الحفاظ على مفعولها المميت لفترة معينة من الزمن، وتعد بعض المركبات مثل مادة «سيانيد الصوديوم» (NaCN)  شديدة الفتك إذا تم استخدمها في تلويث المياه كما أنها متوفرة ويسهل الحصول عليها لأنها مستخدمة في صناعة التعدين والمعادن، والأهم من ذلك أن سيانيد الصوديوم من خواصه أنه أبيض اللون سريع الذوبان في الماء وهو ما يجعل إمكانية اكتشافه صعبه للغاية.


طرق استهداف التنظيمات

ثانيًا . الإرهاب المائي في المدركات السياسية والثقافية


تعتبر المياه موردًا أساسيًّا للمجتمعات البشرية وسبيلًا لتحقيق الرفاهية الاقتصادية، ويعتمد المجتمع الحديث على بنية تحتية معقدة ومتشابكة لتوفير إمدادات مياه آمنة يمكن الاعتماد عليها، لذا فأي مجتمع يعاني من ندرة المياه سيعاني من العديد من الأزمات قد يستغلها أعداؤه في ممارسة المزيد من الضغوط عليه.


الإرهاب المائي في الإدراك الثقافي


لم يغبْ الإرهاب والتهديد المائي عن الثقافات الشعبية للأمم والمجتمعات فالعديد من الروايات الأدبية والأفلام السينمائية عالجت تلك الفرضية، فبين عامي 1969 و1970 عالجت السينما والرواية المصرية مسألة التهديد والإرهاب المائي في فيلمين اعتُبِرَا من أفضل أفلام السينما المصرية على مدار تاريخها، هما فيلمي «شيء من الخوف» و«الأرض».


تدور أحداث فيلم «شيء من الخوف»([7]) حول توظيف قائد التنظيم العصابي «عتريس» لمصادر المياه في الضغط على سكان القرية من أجل الحصول على الإتاوة المفروضة عليهم، ففي حال مخالفة سكان القرية لتعليماته يقوم بحجب المياه عن القرية بغلق الهويس المائي المغذي لها ما يؤدي لتدمير المحاصيل الزراعية فضلًا عن تعطيش الأهالي.

فيما تدور  أحداث فيلم «الأرض»([8]) حول تمرد وثورة بعض الفلاحين في إحدى القرى المصرية نتيجة رغبة الحكومة في مد طريق مُعبد يخدم أحد الأثرياء، إلا أن الطريق المزمع إنشاؤه سيبتلع أراضي المزارعين المحدودة ما دفع البسطاء للتمرد، فكان عقابهم قطع المياه عنهم وتعطيش أراضيهم.


وتطرق الفيلم إلى نقطة أخرى غاية الأهمية إلى أن ندرة المياه تكون دافعًا قويًّا للاقتتال الأهالي بين الأفراد والجماعات، فالفيلم في أحد مشاهده المهمة تطرق إلى الصراع الدموي الذي تم بين المزارعين حول أسبقية الري، وهو ما يمكن قياسه في الصراعات الدموية التي تتم الآن في المناطق التي باتت تُعاني من فقر مائي شديد سواء في بحيرة تشاد وشمال نيجيريا وباتت الجماعات الإرهابية (بوكو حرام) في تلك المناطق فاعلًا كبيرًا في تلك الصراعات.


لذا؛ فالفيلمان نجحا إلى حدٍ كبيرٍ في تقديم صورة مبسطة عن فاعلي وممارسي الإرهاب المائي، فالإرهاب المائي يمكن أن يمارس بواسطة العصابات الإجرامية والجماعات المتمردة كما تناوله فيلم «شيء من الخوف» أو يمكن أن يمارس بواسطة السلطة السياسية تجاه إحدى الجماعات أو المجتمعات وهو ما تناوله فيلم «الأرض».


وتطرقت أيضًا السينما الأمريكية إلى مسألة التهديد والإرهاب المائي؛ حيث صور فيلم Batman Begins الذي صدر في عام 2005 محاولة إرهابية لتدمير مدينة «جوثام» عبر تسميم المياه وإطلاقها في أنحاء المدينة، وفي عام 2006 صدر فيلم آخر  Waterborne الذي يتناول عملية هجوم بيولوجي لإمدادت المياه في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، ويوجد فيلم آخر صدر في عام 2006 تناول مسألة الإرهاب المائي وهو فيلم V for Vendetta الذي تناول قيام السلطات الفاسدة بتلويث المياه في مدينة لندن لأجل نشر الخوف في نفوس المواطنين لتوطيد سلطته الحكومة[9].


الإرهاب المائي في الإدراك السياسي


شبه الكاتب الأمريكي «بيتر غيليك» Peter H. Gleick الإرهاب المائي بالدمار الشامل، فيمكن تعريض حياة مجتمعات بشرية كاملة للخطر والهلاك بواسطة دس كميات قليلة من المواد المسممة في المياه.


لذا باتت الهجمات التي يتم من خلالها استهداف مصادر المياه تحمل المزيد من التداعيات السياسية المهمة أبرزها التأثير على الإدراك العام لدى المجتمع والحد من الثقة السياسية في المؤسسات الحكومية.


فاستجابات المجتمعات وتعاطيها مع الأزمات والعمليات الإرهابية التي تصيب مصادر المياه تختلف عن غيرها من العمليات الإرهابية، فالكثير من الأحيان يمكن قبول التبريرات الحكومية حول الخسائر الناجمة عن العمليات الإرهابية الكبرى التي يتم ارتكابها، في حين يكون التعاطي الشعبي مع انقطاع المياه لفترات لأسباب غير إرهابية مثل الصيانة أمرًا غير مبرر ، وغير مقبول شعبيًّا ويسبب المزيد من السخط الاجتماعي؛ حيث تُعد انقطاع المياه من أهم أسباب تحريك المظاهرات الصاخبة في دول العالم، في حين أغلب المظاهرات التي تأتي بعد التفجيرات الإرهابية تكون أكثر تضامنية مع ضحايا الأحداث مع إلقاء بعض اللوم على التقصير الحكومي في مواجهة الحادث.


وقد يكون استهداف المنشآت المائية هدفًا لقيام تمرد من قبل إحدى الجماعات المصنفة وفقًا لقوانين الدولة على أنها إرهابية، ففي هذا السياق أوضح وكيل جهاز أمن الدولة السابق في مصر «فؤاد علام» في تصريحات صحفية بأن القيادي في جماعة الإخوان «سيد قطب» كان يهدف إلى تفجير القناطر الخيرية جنوبي دلتا مصر؛ وذلك من أجل  إغراق محافظات الدلتا بأكملها وبداية التمرد الذي ستقوده جماعة الإخوان من أجل الوصول إلى السلطة في ستينيات القرن الماضي([10]).


تاريخ استهداف المنشآت المائية


يعود تاريخ الهجمات على شبكات المياه إلى فترات سحيقة من الزمن؛ حيث دائمًا ما كانت السدود والقنوات المائية محط سخط التنظيمات المتمردة والإرهابية، وهو ما سيتم الإشارة إلى بعض الهجمات في النقاط التالية [11]:


Ø     في الحضارة السومرية التي انتشرت جنوب بلاد الرافدين منذ 4500 عام حاول ملك لكش حرمان الممالك المجاورة له بقطع إمدادات المياه عنهم، وفي القرن التاسع عشر  (1840 -1850) هاجمت مجموعات متمردة في الولايات المتحدة مجموعة من السدود والخزانات في شرق ووسط الولايات المتحدة  بسبب المخاوف من قطع بعض إمدادات المياه عن بعض المناطق.


Ø      خلال الفترة من  الممتدة بين عامي 1907 و 1913 قام المزارعون في وادي «أوينز» بولاية كاليفورنيا الأمريكية بهجمات متكررة علي نظام القنوات الذي يتم بناؤه لتحويل مياههم إلى مدينة لوس أنجلوس المتزايدة.


Ø     في السودان خلال الفترة من 1978 و1984 تعرضت قناة جونجلي التي يتم بناؤها في مناطق جنوب السودان إلي العديد من العمليات الإرهابية وسرقة المعدات؛ ما أدى لتوقف عملية البناء في القناة تمامًا وعدم إنجاز المشروع.


Ø     خلال حرب الاستقلال الموزمبيقية (1964 -1974 ) تم تدمير «سد كاهورا باسا».


Ø     في عام 1992 وجدت السلطات التركية وجود تركيزات مميتة من سيانيد الصوديوم في خزانات المياه التابعة للقوات الجوية التركية وتم اتهام حزب العمال الكردستاني (PKK) بالتورط في تلك العملية.


Ø     في إطار الحرب في الكونغو الديمقراطية عام 1998 شنت القوات المناوئة للرئيس كابيلا هجمات علي سد إنغا لوقف إمدادات المياه عن العاصمة كينشاسا.


Ø     في يوليو 1999، تم اكتشاف قنبلة مزروعة في خزان للمياه بالقرب من بريتوريا بجنوب أفريقيا. وكانت القنبلة قوية بما يكفي لحرمان المزارعين، وقاعدة عسكرية قريبة، ومنشأة أبحاث مائية من المياه.


Ø     منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر تصاعدت موجات استهداف السدود والقنوات المائية ففي 2003 هدد تنظيم القاعدة بضرب أنظمة المياه الأمريكية وتسميم مياه الشرب في المدن الأمريكية والغربية.


Ø     وفي الأردن 2003 ألقت السلطات الأردنية القبض على عراقيين كانوا بصدد تسميم إمدادات المياه التي تخدم القوات الأمريكية في الصحراء الشرقية الأردنية بالقرب من الحدود مع العراق، وفي ذات العام أيضًا تعرض خط أنابيب المياه الرئيسي في بغداد للرئيس ما أدى إلى قطع المياه عن العاصمة العراقية.

طرق استهداف التنظيمات

ثالثًا . المياه كمحدد إرهابي في الشرق الأوسط وأفريقيا

لعبت المياه دورًا كبيرًا في تأجيج الصراعات والحروب في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا خلال العقود الأخيرة، واستغلت الدول الإقليمية والتنظيمات الإرهابية قضايا الأمن المائي في تحقيق أهدافهم وممارسة الضغوط على الدول الإقليمية خاصة العربية.


إيران بين تجفيف البصرة وتفخيخ هلمند


لدى إيران باعٌ طويلٌ في الإرهاب المائي؛ حيث سبق أن جندت بعض عناصر تنظيم «طالبان» في أفغانستان بتفجير السدود الأفغانية الواقعة على نهر  «هلمند» مثل سد «كمال خان»، حتى لا تتأثر إمدادات المياه الواردة إليها من الأنهار الأفغانية، كما سعى «نظام الملالي» إلى منع بناء «سد بخش أباد» في «إقليم فارح» الأفغاني([12])، وتعرض «سد سلمي» الذي تم تدشينه عام 2016 لأكثر من عشر عمليات إرهابية منذ إنشائه وحتى اليوم؛ ما أدى لمقتل حراسه، ووجهت الاستخبارات الأفغانية اتهامات متكررة لإيران بالعبث في السدود الأفغانية ([13]).

للمزيد: التوجه شرقًا.. التمدد الإيراني في «أفغانستان» و«باكستان»

وفي الجهة المقابلة؛ حيث العراق لعبت السياسية الإيرانية إلى حجب المياه عن الأهوار العراقية الأمر الذي تسبب في زيادة الملوحة في مياه البصرة ما أدى إلى حدوث كارثة بيئية في البصرة؛ حيث نفوق الآلاف من الحيوانات والنباتات والأسماك؛ فضلًا عن تسمم البشر وانتشار الأوبئة، وتقدر كمية المياه المقطوعة عن العراق حوالي 7 مليارات متر مكعب من المياه، حسبما أعلن مسؤول في وزارة الزراعة الإيرانية([14]).   

للمزيد: الأزمة البيئية بـ«البصرة».. أحدث الجرائم الإيرانية في العراق

«أليسو التركي».. والإفناء الجماعي في الموصل

لم تكن السياسات الإيرانية الخاصة بالتهديد والإرهاب المائي في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث سبقتها السياسات التركية التي وصفت بالأكثر وحشية وإرهابًا؛ حيث اتخذت تركيا العديد من السياسات التي من شأنها قطع مياه نهري دجلة والفرات عن العراق وسوريا.


وفي هذا السياق أوضح الباحث فى الشؤون السياسية «الدكتور محمد فؤاد رشوان» بأن ما تقوم به تركيا بشأن المياه فى نهر دجلة هو أشد صور الإرهاب المائي الذى تقوم به دولة تجاه دولة أخرى؛ حيث قامت أنقرة بافتتاح «سد أليسو» في فبراير 2018 والذى يحجب أكثر من نصف إيراد نهر دجلة عن دولة العراق بالمخالفة لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات المتعلقة بالأنهار الدولية؛ حيث تعانى مدينة الموصل الآن من انخفاض شديد فى منسوب المياه بحيث أصبح من السهل عبور النهر سيرًا على الأقدام وهو ما يعني جفاف دجلة، وهو ما سيؤدى بالضرورة إلى نزوح جماعي لسكان الموصل، ويرى «رشوان» أن «سد أليسو» هو أشد صور الإرهاب المائي ضراوة لما يمثله من احتمالية القضاء على الآلاف سكان الموصل خلال أيام معدودة إذا لم تستطع بغداد تدبير البدائل اللازمة.   


خلافة داعشية على ضفتي دجلة والفرات


توجد فرضية تاريخية ثابتة بأن الدول تنشأ على ضفاف الأنهار الكبرى، وتلك الفرضية لم يسقطها داعش من حساباته العملية في إنشاء دولته المزعومة؛ حيث أنشأ دولته المزعومة في مناطق تتميز بوجود موارد مائية متجددة مثل نهري دجلة والفرات وروافدهما.

انصب الاهتمام العالمي وقت صعود داعش على استغلال التنظيم لآبار النفط السورية في حين تم إغفال حرص التنظيم علي السيطرة على الموارد والمنشآت المائية في العراق وسوريا.


في تقرير شامل أوردته مجلة «فوربس» الأمريكية بتاريخ 25 نوفمبر 2015 أوضح أن تنظيم داعش كان أحرص على الوصول إلى الموارد المائية واستغلالها والسيطرة على المنشآت المائية موضحة أن نهري دجلة والفرات لعبا دورًا مركزيًّا في نشأة الخلافة المزعومة التي أعلنها التنظيم عام 2014.([15])    


تمكن داعش خلال عام 2014 في الوصول إلى اثنين من البحيرات العراقية المهمة هما «بحيرة سد حديثة» البالغ سعتها التخزينية 8,28 مليار متر مكعب وأيضًا «بحيرة الثرثار» في مدينة الفلوجة، كما نجح التنظيم في السيطرة على أخطر السدود العراقية وهو «سد الموصل».([16])


تمكن داعش من استغلال المياه كسلاح استراتيجي له؛ حيث دأب على استهداف البنية التحتية المائية مثل تدمير أنابيب المياه ومحطات الصرف الصحي، كما تم إغراق العديد من القرى والمدن كالموصل  كوسيلة عقابية  ضد القرى التي رفضت الانصياع للتنظيم، فخلال الفترة من 2013 وحتي 2015 شن التنظيم 20 هجومًا كبيرًا على البنية التحتية الخاصة بالأنهار ومحطات المياه والصرف الصحي، كما تم تسميم بعض محطات المياه.


من أبرز الإجراءات الإرهابية التي اتخذها «داعش» ضد العراقيين إغلاق سد الفلوجة؛ ما أدى لتدمير نحو 200 كم مربع من الحقول الزراعية، كما تم إغلاق «قناطر الرمادي» بالأنبار ما أدى لتقليل تدفق المياه إلى الأهوار العراقية وفرار السكان نتيجة الجفاف الشديد[17].

كما لجأ التنظيم إلى توظيف آخر للموارد المائية عن طريق  السماح بتدفق المياه إلى البلدات والقرى الموالية والمتعاطفة مع التنظيم، وأسهمت سيطرة التنظيم على «سد الموصل» وغيره من سدود شمال بغداد إلى الحصول على قدرات كهربائية متولدة من نتيجة عمل تلك السدود وهو ما يفسر  عدم إقدام التنظيم على تفجير سد الموصل نظرًا للاستفادة القصوى التي حظي بها التنظيم من عمل السد الذي يوفر نحو 75% من حجم الطاقة الكهربائية المتولدة في العراق[18].

حركة الشباب وسياسة الأرض المحروقة

في عام 2014 بعد خسارة «حركة الشباب» عددٍ من المدن الصومالية ووقوعها تحت سيطرة قوات الأميصوم والجيش الصومالي، غيرت حركة الشباب من تكتيكاتها الإرهابية لإثبات وجودها عبر السيطرة علي إمدادات المياه من ناحية وتدمير الآبار ومحطات المياه في المناطق المحررة من ناحية أخرى ما يدفع سكان المناطق المحررة إلى البحث عن موارد مائية جديدة التي هي غالبًا تقع تحت سيطرة «حركة الشباب» الأمر الذي يزيد سخط سكان تلك المناطق من الحكومة والتجائهم مرة أخرى إلى التنظيم الإرهابي([19]).


للمزيد: «وباء الكوليرا».. أحدث تداعيات «بوكوحرام» في نيجيريا

بوكو حرام وجفاف بحيرة تشاد

باتت منطقة بحيرة تشاد التي تنشط فيها حركة «بوكو حرام» من أكثر مناطق العالم معاناة من التغييرات المناخية وحالات الإجهاد الحراري؛ حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى فقدان البحيرة نحو 90% من مساحتها الأصلية ما يؤدي إلى تعرض حياة 30 مليون شخص للهلاك وتلعب حركة بوكو حرام دورًا رئيسيًّا في زيادة معاناة السكان المحليين من التغييرات المناخية وجفاف بحيرة تشاد؛ حيث أدى انتشار الحركة في تلك المنطقة إلى إعاقة القدرات الحكومية والأممية لإنقاذ ضحايا التغييرات المناخية والجفاف في تلك المنطقة[20].


للمزيد: التغير المناخي وأثره على تنامي الإرهاب في غرب أفريقيا


وأخيرًا..في حالة تلوث المياه أو تدمير إحدى المنشآت المائية نكون أمام ضررين لا ثالث لهما أولهما في حالة الكشف المبكر عن الاستهداف يتم قطع المياه عن المناطق المنكوبة وحرمانها من المياه لمدة زمنية معينة حتى يتم إزالة آثار الاستهداف وأما الضرر الثاني فيتمثل في مواجهة الكارثة الناجمة عن عدم الاكتشاف المبكر للحادث.


يُعد الاكتشاف المبكر لحوادث استهداف المياه من الأمور الصعبة نسبيًّا نظرًا لضعف الاحتياطات اللازمة لمعالجة تلك الكوارث، لذا ينبغي وضع مجموعة من الاستجابات المناسبة لأنواع مختلفة من الأحداث وتحسين عملية الاكتشاف المبكر عن طريق:

v    تدشين  فرق الإصلاح السريع لإصلاح البنية التحتية المصابة نتيجة العمليات الإرهابية والتخريبية.

v    الحد من الوصول المادي إلى النقاط الضعيفة (السدود والخزانات والقنوات) أو منعه. مثل قفل البوابات أو المباني، أو تقليل الوصول العام إلى تلك المواقع وزيادة الدوريات الشرطية وأخذ العينات التحليلية بصورة يومية وتركيب أنظمة مراقبة حديثة ترصد أي تحركات مريبة بالقرب من المنشآت المائية.

v    ينبغي إنشاء شبكات إلكترونية مغلقة صعبة الولوج إليها لإدارة السدود والخزانات ومراقبتهم وعدم إتاحتها على الإنترنت حتي لا تكون عرضة للقرصنة.

v    الاحتفاظ بكميات وفيرة من المواد الكيميائية الخاصة بمعالجة المياه في مناطق مؤمنة وقريبة من المنشآت المائية حتي يتم استخدامها في الأوقات الحرجة.

طرق استهداف التنظيمات
 

[1]  . إدريس عطية بن الطيب، "الظاهرة الإرهابية في زمن ما بعد الحداثة: دراسة تحليلية في الأشكال والأساليب والاجراءات المضادة" المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب (الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، المجلد 31، العدد 63، 2015) ص ص 22-24.

[2] . المرجع السابق

[3] . بي بي سي نيوز، ما هي طائفة أوم شينريكيو اليابانية التي أعدم 13 من أفرادها؟، 26 يوليو 2018، متاح على الرابط التالي:

http://www.bbc.com/arabic/world-44739323

 

[4] . مها محمد أيوب، الإرهاب الدولي البيولوجي، مجلة كلية الحقوق (بغداد: جامعة النهرين) ص 129 متاح علي الرابط التالي:

https://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=109235

 

[5] . محمد الدابولي، التغير المناخي وأثره على تنامي الإرهاب في غرب أفريقيا، المرجع، 1/10/2018، متاح على الرابط التالي:

http://www.almarjie-paris.com/4172

 

[6]  . محمد الدابولي، دولة الدراويش الصومالية.. حروب «المجنون» براية الصوفية، المرجع، 7/8/2018، متاح على الرابط التالي:

http://www.almarjie-paris.com/3105

 

[7] . فيلم مصري أنتج عام 1969، قام بإخراجه حسين كمال بطولة محمود مرسي وشادية ويحي شاهين، سيناريو وحوار صبري عزت وعبد الرحمن الأبنودي، والفيلم من مأخوذ من قصة الكاتب ثروت عكاشة.

[8]  . فيلم مصري أنتج عام 1970 مأخوذ عن رواية الكاتب عبد الرحمن الشرقاوى وقام بإخراجه يوسف شاهين وشارك في بطولته محمود المليجي، وعزت العلالي ويحيي شاهين.

[9] . Peter H. Gleick, “Water and terrorism”, in Water Policy Report (California: pacific institute, Report 8, 2006) P.485.

[10] . محمد طاهر ابو الجود، قائد «سيد قطب» لحبل المشنقة يكشف لحظاته الأخيرة قبل وبعد إعدامه، موقع فيتو، 10/7/2017، متاح على الرابط التالي:

https://www.vetogate.com/2785230

 

[11] - Peter H. Gleick, Op.cit

[12] . محمد الدابولي، التوجه شرقًا.. التمدد الإيراني في «أفغانستان» و«باكستان»، المرجع، 21 سبتمبر 2018، متاح على الرابط التالي:

http://www.almarjie-paris.com/3984

 

[13] . محمد الدابولي، الأزمة البيئية بـ«البصرة».. أحدث الجرائم الإيرانية في العراق، المرجع، 19 نوفمبر 2018، متاح على الرابط التالي:

http://www.almarjie-paris.com/3984

 

[14] . المرجع السابق.

[16]  . يعد سد الموصل من أخطر السدود العراقية على الإطلاق نظرا لبنائه في تربة غير ثابتة مما يعرضه للانهيار في أي وقت وتشير التقديرات العراقية إلا أنه في حال انهيار السيد سيتم تدمير بغداد تماما خلال أيام معدودة، وشكل السد إشكالية كبرى أمام دول التحالف الدولي لمحاربة داعش حيث كان يخشي من اقتراب الغارات الجوية من السد مما يؤدي إلى انهياره.

[17] . Forbes, Op.cit

[18] Ibid

[19] Jennifer Veilleux & Shlomi Dinar, New Global Analysis Finds Water-Related Terrorism Is On the Rise,  New Security Beat, Wilson Center, 8 May 2018, At:  https://www.newsecuritybeat.org/2018/05/global-analysis-finds-water-related-terrorism-rise/

 

[20]  . محمد الدابولي، التغير المناخي وأثره على تنامي الإرهاب في غرب أفريقيا، المرجع، 1 أكتوبر 2018، متاح على الرابط التالي:

http://www.almarjie-paris.com/4172

 


"