رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

لماذا يكره الإخوان النخبة المثقفة؟.. قراءة في «الدونية الثقافية» لـ«البنا»

الإثنين 26/نوفمبر/2018 - 02:05 م
المرجع
محمد أبو العيون
طباعة

منذ نشأتها عُرفت جماعة الإخوان (تأسست 1928)، بكرهها الشديد ومناصبتها العداء لـ«النخبة المثقفة»، فقد كان أعضاء الجماعة يلفظون من بينهم أي مثقف أو مفكر، ويشعرون أنه خطر داهم يجب التخلص منه على الفور، وكان سبيلهم إلى هذا طريقين؛ إما تشويه سمعته، وهو ما يؤدي لابتعاد الناس مِن حوله وعدم السماع لأطروحاته، وإما تصفيته عن طريق اغتياله، إن رأوا في فكره ما يفضح زيفهم ويكشف مخططهم الماسوني.


عداء الإخوان، للنخبة المثقفة، له أسباب تعود إلى جوانب نفسية متعلقة بشخصية المؤسس، إضافة إلى أن إقصاء المفكرين فيه ضمانة لتنفيذ مخططهم الكهنوتي؛ وبالنظر إلى الجوانب النفسية، نجد حسن البنا (1906 - 1949)، لم يُعرف منذ صغره بالنبوغ الفكري في أي مجال من مجالات الثقافة، ففي دراسته كان طالبًا ذا مستوى متدنيًا، وفي صباه وشبابه لم يكن كأقرانه متعاطيًا للفكر ومتمرسًا على تداول وقبول الرأي والرأي الآخر، باختصار شديد، كان «البنا» في كل مراحله العمرية خالي الوفاض من أي ثمارٍ فكرية يتميز بها الرجال ويتفوقون على بعضهم البعض، وقد كان الرجل يدرك هذا جيدًا، ولذلك أصيب بمرض يمكن أن نطلق عليه «الدونية الثقافية».


للمزيد: «بوكوحرام» نموذجًا.. «أستاذية العالم» إرهاب إخواني دمر أفريقيا


لماذا يكره الإخوان
الدونية الثقافية
مرض «البنا» بـ«الدونية الثقافية»، كان يدفعه دائمًا إلى صحبة من هم أكثر منه دونية، لكي يخفي مساوئه بين ضحالتهم الفكرية من جانب، ومن جانب آخر يمارس عليهم دور «القائد» و«المفكر» و«المجدد» و«صاحب الرؤى السديدة»، وما إلى ذلك من وساوس تكمن في نفوس كل المصابين بهذا المرض.

ولا شك أن «البنا»، حين أسس جماعة الإخوان؛ طغت عليه أعراض الإصابة بمرض «الدونية الثقافية»، إضافة إلى كونه كان مجندًا لتنفيذ أجندة تخريبية هدفها زعزعة الاستقرار وتخريب كل الدول الإسلامية والعربية؛ فلا يعني بأي حالٍ من الأحوال تركيزنا على المرض النفسي للبنا، هو أن تأسيس الجماعة كان نتاج أعراض مرضية فقط، ولكن هذا التركيز هدفه قراءة جانب من الجوانب المكونة لشخصية هذا الإرهابي، الذي دس سمومه بين العامة، وكان نتاجها هذا الإرهاب الذي يعيث في الأرض فسادًا، وأودى -ومازال- بحياة الملايين من الأبرياء، ولذلك فإن المطلع على المبادئ الأساسية التي قامت عليها الجماعة يكتشف بسهولة مدى الاضمحلال والعداء المتأصل بداخلها لأي فكر؛ فقد جعل الرجل من «السمع والطاعة» مبدأً أساسيًّا يقوم عليه الهيكل الرئيسي لجماعته، وهو ما حقق له شيئين، الأول: ضمان انقياد الأعضاء الأعمى له، دون أي محاولة لإعمال عقولهم فيما يقوله أو يطرحه على مسامعهم من أطروحات لا ترقى لمرتبة الأفكار، والثاني: علمه اليقيني أن هذا المبدأ سيجعل المفكرين أصحاب الرأي ينفرون من جماعته، وهو ما كان يرنو إليه ويتعمد فعله (حتى وإن أظهر عكس ذلك)، كي يضمن لنفسه البقاء طيلة حياته في سدة القيادة دون منازع.

ولأن الفكر الإخواني، مثله مثل أي فكر منغلق إذا ما دخل العقل عَلِقَ به وصعب التنصل منه، فقد تلقى أعضاء الجماعة أقوال أو رسائل مرشدهم الأول، على أنها «مقدس، لا يجوز المساس به»، ولا حتى الاقتراب منه ولو بإعمال العقل في قياس مدى صحته من عدمه، فصاروا مثل كبيرهم «دونىٌ يلقن من هو أقل منه دونية»، وبالطبع هذا مناخ مظلم يرفض من يعيشون فيه وبشدة قبول أي مفكر أو مثقف بينهم.

للمزيد: «الإخوان وإيران».. أزلية الاستبداد باسم الدين


لماذا يكره الإخوان

السمع والطاعة

والمسألة الجوهرية في قضية مناصبة الجماعة العداء لأي مفكر أو مثقف، كما يراها المفكر الكبير الدكتور صلاح فضل، أستاذ النقد الأدبي وعضو المجلس الأعلى للثقافة، هي أن الإخوان تنظيم جماعي لهم خطط مشبوهة يرمون إلى تنفيذها، وقيادة الجماعة تأخذ من الأعضاء الجدد القسم مقدمًا على السمع والطاعة؛ فهم بحكم تنظيمهم وولائهم مأمورون بطاعة قائدهم فيما يقول دون نقاش، وهذا جوهريًا يتصادم مع موقف أي مثقف.


«فضل»، يشير إلى أنه يُشترط في أي مثقف حتى يكون جديرًا بهذا اللقب، أن يكون عالمًا ومفكرًا وحرًا وصاحب موقف خاص به ورأي مستقل في الشأن العام، ولذلك فإنه من البديهي أن ينفر المثقفون (خاصة لو كان الواحد منهم مبدعًا) من الانضمام إلى صفوف هذه الجماعة بالدرجة الأولى، لأن أي عقل يُفكر يرفض تلقائيًا إطاعة أوامرهم، ولأن صاحب العقل قادر بفكره على نقض مقولاتهم، وتسفيه سلوكهم، وكشف عوراتهم، وإحباط مسعاهم، وكل هذا يثير في نفوس الإخوان كراهية تجاه المفكرين، ويحتم عليهم ضرورة مناصبتهم العداء حتى يضمنوا البقاء لجماعتهم.


وعن محاولة الجماعة الظهور خلال السنوات السابقة بمظهر المحب للثقافة والراعي لأصحاب الفكر؛ يؤكد أستاذ النقد الأدبي، أن الإخوان تربوا على أن المفكرين هم ألد أعدائهم، ولذلك فمناصبة المثقفين العداء هو ديدن متجذر داخل نفوسهم، وأي استثناء لهذه القاعدة يكون «تقيةً ورياءً وخداعًا»، وأي مثقف يُصدق ممالأة الإخوان وتزينهم الكلام له، فهو غافل، لأنهم يستحلون الكذب وينهجون نهج الخداع.


للمزيد:  «جيتو الإخوان».. دراسة في أركانه ونتائجه



لماذا يكره الإخوان

سطحية الفكرة

«فضل»، يدلل على ما ذهب إليه بتلك الحرب الشرسة التي شنها الإخوان على عميد الأدب العربي طه حسين، في العام الذي استولوا فيه على السلطة بمصر، حيث يقول: «حين سيطر الإخوان على حكم مصر في العام الأسود، نعق زعيمهم في الإسكندرية يسبُ طه حسين، ويقلل من شأنه، وكان هذا إعلانًا لهذه الكراهية المستوطنة في نفوسهم، ولم يجرؤوا على فعل هذا من قبل تقيةً ورياءً وخداعًا، وهذا دليل على أنهم إذا تمكنوا من السلطة يظهر على الفور معدنهم الخبيث».


«الإخوان يكرهون النخبة المثقفة، ويسعون للتخلص من أي مفكر»، هكذا يقول سامح عيد، المنشق عن الجماعة والباحث في الشؤون الإسلامية، موضحًا أن السبب وراء هذا التوجه الإخواني الكاره لأي مثقف هو «سطحية الفكرة» التي تأسست عليها الجماعة؛ فحسن البنا لم يكن مثقفًا بدرجة كبيرة، وكانت معلوماته صوفية ودينية فقط، وضحلة جدًا، ولعل هذا يتضح من وصف أعضاء للمرشد الأول، والتي يقولون فيها: «إنه لم يكن يُجيد تأليف الكتب، ولكنه كان يُحسن تكوين اللجان».


«عيد»، يشير إلى أن قادة الإخوان أدركوا منذ النشأة الأولى أن سطحية أفكارهم وهشاشتها، لن تكون قادرة على الصمود أمام أي عقل مطلع على الفلسفة أو علم النفس أو العلوم الإنسانية بشكل عام، ولذلك فرضوا على أعضاء الجماعة ما يطلق عليه «توثيق الكاتب» و«توثيق الكتاب»، وهو مبدأ يُحرم على أي إخواني القراءة في أي مجال من مجالات العلوم والثقافة، كما أنهم كانوا يختارون الأعضاء الجدد وفقًا لمنهج يُعرف بـ«غير المنتمي قبل المنتمي»، و«الصغير قبل الكبير»، وهو تدرج إخواني في أصل الناس، يرفضون من خلاله رفضًا تامًا انضمام أي مفكر أو مثقف لصفوف الجماعة، حتى أنهم كانوا يرفضون قبول المطلع بشكل أو بآخر على أي أفكار.


الباحث في الشؤون الإسلامية، يؤكد أن قادة الإخوان يخافون من جدال المثقفين، وأكثر شخص يرهبهم ويثير الفزع داخل نفوسهم هو المفكر صاحب العقل المستنير والرؤى المستقلة؛ لأنهم يرون فيه خطرًا داهمًا يهدد بفضح فكرهم المسموم، وإظهار جهلهم، وبالتالي يُفسد عليهم المغرر بهم من صغار أعضاء الجماعة.


للمزيد: الإخوان ومرحلية التنوير الزائف.. دلالات تولي «الريسوني» رئاسة الاتحاد الإرهابي


لماذا يكره الإخوان
التخلص من المفكرين
وعن الأساليب التي يلجأ إليها الإخوان، للتخلص من المفكرين، يؤكد الدكتور صلاح فضل، أن الجماعة تنتهج في هذا الجانب سياسة العنف والقتل واستحلال الدماء؛ خاصة إذا كان المثقف شديد الوطأة عليهم، أو يرون أنه خطر على مشروعاتهم وتنظيماتهم، ففي هذه الحالة يصلون إلى حد أنهم يستحلون دمه.

أما سامح عيد؛ فيشير إلى أن الإخوان لم يتورطوا في التخلص مباشرة من المفكرين عن طريق اغتيالهم، ولكنهم كانوا يلجؤون إلى حيلة أخرى تمكنهم من الوصول إلى نفس الغرض دون أن يظهروا في الصورة، وهذه الحيلة هي التحريض على القتل، دون ممارسته، وكان سبيلهم إلى هذا هو انتهاج ما يُعرف بـ«الانتهاك الفكري» ضد أي مثقف، عن طريق اتهامه بالردة والكفر، وبالتالي شحن الرأي العام ضده، وهو ما يدفع الأطراف الأخرى وخاصة «السلفية الجهادية» إلى قتله، وما حدث مع فرج فودة، نموذج حىٌّ يؤكد ما نذهب إليه.
"